لم يواجه الرئيس الأمريكي، جو بايدن، انتقادات من الحزب الجمهوري فقط، لاسيما صقوره المتحالفين مع إسرائيل، في أعقاب التصعيد الأخير بين الأخيرة والفصائل الفلسطينية المسلحة، وخاصة حركة حماس، لأنه لم يقدم الدعم الكافي لتل أبيب في مواجهة صواريخ حماس، لكنه واجه انتقادات متعددة داخل حزبه، وخاصة من التيار التقدمي الذي برز بقوة على الساحة السياسية الأمريكية خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2020، وبعد الدور الكبير الذي لعبه في فوز جو بايدن على منافسه الجمهوري، دونالد ترامب، حيث لم يلق رد فعل الرئيس الأمريكي قبولاً داخل حزبه، إذ من وجهة نظر مؤيدي التيار التقدمي جاء رد فعل بايدن متأخراً وخافتاً، ولم يرتق إلى محاولة جدية للضغط على إسرائيل لوقف التصعيد.

ويكشف تزايُد معارضة العديد من المشرِّعين الديمقراطيين من التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي لسياسات الإدارة الأمريكية تجاه التصعيد الأخير في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي عن تحولات عدة، حالية ومستقبلية، في الدعم الأمريكي التقليدي والتاريخي داخل الكونجرس لإسرائيل، وعن تغييرات محتملة في المقاربات الأمريكية للتعامل مع عملية السلام خلال السنوات المقبلة، وكذلك مع الأطراف الدولية والإقليمية المنخرطة في حلحلة الصراع. 

مؤشرات تراجُع الدعم الديمقراطي لإسرائيل

على الرغم من دعم الحزبين الديمقراطي والجمهوري للسياسات التقليدية والتاريخية للولايات المتحدة التي تشدد على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد صواريخ التنظيمات الفلسطينية المسلحة، إلا أن العديد من التغييرات خلال السنوات الأربع الماضية دفعت إلى تراجع دعم الحزب الديمقراطي لإسرائيل، في مقابل تزايد الدعم للفلسطينيين، لاسيما بعد تماهي رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مع الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، وسياساته التي كانت تلقى معارضة قوية داخل الحزب الديمقراطي، وكذلك مع الحزب الجمهوري في وقت زاد فيه الانقسام الحزبي والسياسي بصورة كبيرة داخل الولايات المتحدة خلال الإدارة الأمريكية السابقة.

وقد تجلَّت ملامح تراجُع الدعم الديمقراطي لإسرائيل في عدد من الأوجه، يتمثل أبرزها في الآتي:

1. نتائج استطلاعات الرأي الأمريكية التي كشفت عن تراجع تأييد أعضاء الحزب الديمقراطي لإسرائيل في مقابل تزايد التعاطف مع الفلسطينيين. فوفقاً لنتائج استطلاع مركز جالوب خلال شهر فبراير الماضي، قال 42% من الديمقراطيين إنهم متعاطفون مع الإسرائيليين بينما قال 49% أنهم متعاطفون مع الفلسطينيين. بينما تصل تلك النسبة بين الجمهوريين إلى 79% و11% على الترتيب. وتكشف نتائج الاستطلاع عن ارتفاع الرؤية الإيجابية للسلطة الفلسطينية بين الديمقراطيين من 26% خلال عام 2018 إلى 38% راهناً. وعند سؤال الديمقراطيين حول ما إذا كان على الولايات المتحدة فرض المزيد من الضغوط على الإسرائيليين والفلسطينيين لحل الصراع، كشفت نتائج الاستطلاع عن تحول الديمقراطيين، إذ قال 50% أنه يجب فرض مزيد من الضغوط على الإسرائيليين، بينما قال 30% أنه يجب تطبيقها على الفلسطينيين. وقد كشفت نتائج استطلاع (yougovamerica) التي ظهرت في 19 مايو الماضي أن 23%؜ من الديمقراطيين يتعاطفون مع الفلسطينيين مقابل 5%؜ من الجمهوريين.

2. تعبير عدد من المشرعين الديمقراطيين التقدميين عن إحباطهم من التزام الرئيس بايدن بقواعد السياسة الأمريكية التقليدية، التي تقوم على الدعم المطلق والكامل لإسرائيل، وكذلك طريقة تعامله مع التصعيد الأخير بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، واخفاق محاولاته لخفضه، وقد طالبوا بمواقف رئاسية أكثر قوة، وأن تكون علنية. وصرَّح العديد من الأعضاء الديمقراطيين الداعمين لإسرائيل تقليدياً مثل السيناتور بوب مينينديز، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، والذي يوصف بأنه أكثر الأعضاء الديمقراطيين ثباتاً في دعمهم لإسرائيل، والذي رفض الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 لرفض تل أبيب له، بتصريحات تدين استخدامها القوة المفرطة ضد المدنيين الفلسطينيين، وطالبوا الطرفين باحترام قواعد وقوانين الحرب.

3. محاولة بعض الديمقراطيين منع إبرام صفقة بيع أسلحة أمريكية إلى إسرائيل، إذ قدمت النائبة الديمقراطية ألكسندريا كورتيز مع عدد من زملائها التقدميين، وفي مقدمتهم النائبة رشيدة طليب المنحدرة من أصول فلسطينية، والنائبة إلهان عمر ذات الأصول الصومالية، مشروع قانون يمنع صفقة بيع أسلحة أمريكية لإسرائيل، خوفاً من إطالة أمد الصراع، والعنف، واستخدامها في قصف قطاع غزة. وجاء هذا التحرك بعد إبلاغ الكونجرس في 5 مايو الماضي عن صفقة بيع أسلحة لوزارة الدفاع الإسرائيلية بقيمة 735 مليون دولار. ومع أنه من الصعوبة تمرير مشروع القانون المقترح، إلا أنه يكشف عن التغيير الحادِث داحل الحزب تجاه دعم الحزب لإسرائيل والصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

4. التغيُّرات الجيلية داخل الحزب الديمقراطي، والتي تعد دافعاً رئيساً للتغيُّرات الحادثة في الدعم الديمقراطي لإسرائيل، إذ تشير الاستطلاعات إلى أن الناخبين الديمقراطيين الأقل من 40 عاماً متعاطفين مع الفلسطينيين أكثر من كبار السن (60 عاماً). وهذا الجيل الجديد، ومن بينهم بعض اليهود الأمريكيين، ذو وعي متزايد بحركات العدالة الاجتماعية التي أصبحت موضوع اهتمام مع تنامي التيار المؤيد لها في أعقاب حادث مقتل الأمريكي من أصول إفريقية، جورج فلويد، في 25 مايو من العام الماضي، وبروز حركات اجتماعية مثل حركة "حياة السود مهمة" التي تدعو إلى العدالة الاجتماعية داخل الولايات المتحدة. وقد قارن العديد من أنصار التيار التقدمي مثل السيناتور بيرني ساندرز بين النضال الفلسطيني وحركة "حياة السود مهمة"، ويريدون تطبيق السياسات المحلية على السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

5. توجيه رسائل للإدارة الأمريكية لحثّها على تبني مواقف أكثر صرامة تجاه إسرائيل، إذ قدَّم 28 من المشرعين الديمقراطيين بمجلس الشيوخ - أكثر من نصف عدد الأعضاء الديمقراطيين بالمجلس - خطاباً يدعون فيه إلى وقف إطلاق النار. وقاد تلك الجهود السيناتور الديمقراطي عن ولاية جورجيا، جون أوسوف، الذي يعد أصغر يهودي أمريكي بالكونجرس. وبينما كان الجمهوريون يركزون على مسؤولية حركة حماس عن التصعيد، دعا الديمقراطيون الطرفين إلى وقف العنف، وطالبوا بايدن بالضغط لتحقيق ذلك.

التداعيات

أدى تحول التأييد الديمقراطي التقليدي لإسرائيل خلال السنوات الأربع الماضية بصورة كبيرة، إلى العديد من التأثيرات والتداعيات الداخلية، ومن أبرزها:

  • تصدُّر الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي اهتمامات الإدارة الأمريكية مجدداً: قبل اندلاع التصعيد بين إسرائيل وحركة حماس لم يكن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي على رأس أولويات الإدارة الأمريكية في البيت الأبيض رغم تعهُّد الرئيس بايدن بإحداث بعض التغييرات في السياسة الأمريكية تجاه فلسطين والصراع، في ظل تراجع الاهتمام الأمريكي بمنطقة الشرق الأوسط، وإعطاء الإدارة كل تركيزها خلال الأشهر الماضية للتعامل مع جائحة كوفيد-19، والتنافس مع الصين، واستعادة العلاقات الأمريكية مع الحلفاء التقليديين، والعودة للاتفاق النووي الإيراني، ناهيك عن توتر العلاقة بين الرئيس بايدن، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وقد تجلى ذلك في تأخُّر الاتصال بينهما مع بداية ولاية الإدارة الجديدة على خلاف الإدارات الديمقراطية والجمهورية السابقة. ومع تولي الرئيس بايدن سدة الحكم تم الإعلان عن مبعوثين أمريكيين لعديد من مناطق النزاع في الشرق الأوسط كاليمن وليبيا وإيران، لكنه في الوقت ذاته لم يعلن عن مبعوث أمريكي لعلمية السلام في المنطقة كباقي الإدارات الأمريكية الديمقراطية والجمهورية.
  • تحولات في سياسات الإدارة الأمريكية تجاه الصراع: تَفرِض انتقادات التيار التقدمي المتصاعد داخل الحزب الديمقراطي على الرئيس بايدن أن تتكيف سياسات إدارته تجاه الصراع مع التغييرات التي يشهدها الحزب الديمقراطي منذ الانتخابات التمهيدية داخل الحزب للانتخابات الرئاسية لعام 2018، لا سيما مع تزايد ضغوط أنصاره على الإدارة الأمريكية لاتخاذ مواقف أكثر صرامة مع إسرائيل على الرغم من تأكيدهم الدعم التاريخي القوي للولايات المتحدة لإسرائيل، وانتقادهم حركة حماس، وهو الأمر الذي دفع الإدارة الأمريكية لإحداث تحولات في مواقفها من الصراع، وعودة الانخراط فيه مجدداً، بعد فترة من تجاهل التعامل معه، لتسكينه، في وقت تواجه العديد من التحديدات الداخلية، والحاجة إلى الحفاظ على التماسك الديمقراطي لتمرير بعض السياسات الداخلية التي يرفضها الجمهوريين.
  • تحولات في النظرة الأمريكية للصراع، والالتزام الأمريكي بدعم إسرائيل: يكشف تزايُد المعارضة الديمقراطية داخل الحزب الديمقراطي للسياسات الإسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية، أنه على الرغم من الدعم الأمريكي القوي والتقليدي لإسرائيل، والتأكيد على حقها في الدفاع عن نفسها، فإن سياسات الحكومات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني لم تعد من التابوهات المحرم مناقشتها وانتقادها، وإن كان ذلك لا ينعكس راهناً على سياسات وتصريحات الإدارة الأمريكية بالشكل الذي يُطالِب به التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، لكنه يحمل بوادر هذا التغيير.
  • استغلال الحزب الجمهوري تنامي معارضة التيار التقدمي لإسرائيل لجذب الناخبين، حيث يحاول الحزب في استراتيجية لاستعادة الأغلبية في مجلسي الكونجرس أو أحدهما في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقرر لها في نوفمبر من العام المقبل (2022)، انتقاد التيار التقدمي في الحزب الديمقراطي، لاسيما وصف أبرز قياداته، ألكسندريا كوتيز، إسرائيل بـ"الدولة العنصرية" لجذب الناخبين اليهود بعيداً عن الحزب الديمقراطي، بما يعزز من فرص إعادة سيطرته في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، تمهيداً لتعزيز فرص فوزه بالانتخابات الرئاسية لعام 2024، في وقت يواجه الحزب العديد من التحديدات التي تهدد فرصه الانتخابية بعد انتهاء حكم الرئيس ترامب، واستمرار تأثيراته على الحزب حتى وقتنا هذا.

الاستنتاجات

يعكس اختلاف نبرة أعضاء الحزب الديمقراطي تجاه إسرائيل تحولاً واسعاً داخل الحزب على مدى العقد المنصرم، إذ أصبح الناخبون الديمقراطيون والليبراليون أكثر تنظيماً ووعياً بمفاهيم العدالة الاجتماعية، والتمييز والعنصرية داخل الولايات المتحدة. وقد دفعهم ذلك إلى تبني رؤى أكثر ليبرالية تجاه قضايا داخلية تعد محور نقاش محتدم داخل واشنطن، مثل الهجرة وإصلاح الشرطة والعنف المسلح وحمل السلاح. وقد أعاد ذلك رؤيتهم للصراعات والأزمات في الشرق الأوسط وتزايد العنف.

وتكشف الانقسامات داخل الحزب الديمقراطي حول تأييد إسرائيل بين التيار التقدمي والوسطي المعتدل عن اتساع الفجوة داخل الحزب حول تأييد السياسات الداخلية والخارجية للإدارة الأمريكية، لاسيما مع تزايد التأثير السياسي للتيار التقدمي على توجهات الحزب المستقبلية، في وقت تشهد الولايات المتحدة جملة من التغييرات الداخلية المفصلية. ولكن هذا لا يعني أن معاداة إسرائيل داخل الحزب الديموقراطي ستكون التيار المهيمن على الحزب؛ فليست هناك نية لدي هذا التيار في إنهاء الدعم الأمريكي لإسرائيل وللتحالف الوثيق بين واشنطن وتل أبيب، إلا أن عدداً متزايداً من الديمقراطيين قالوا إنهم لم يصبحوا مستعدين لدعم السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية وتزايد استخدام القوة والعنف، الأمر الذي يزيد من حد الصراع ويعقّده.

أحدث الإيجازات