اتجه الدَّيْن العام في لبنان، والذي تجاوزت قيمته الـ 90 مليار دولار مطلع هذا العام (2020)، نحو مسار غير قابل للاستدامة بفعل تلازُم عَجْزين: عجز المالية العامة الذي لم تُفلِح الحكومات المتعاقبة في ضبطه حتى تجاوز عتبة 11.5% من الناتج المحلي سنوياً منذ عام 2018؛ والعجز المتواصل في ميزان المدفوعات، الذي بلغت قيمته التراكمية نحو 18 مليار دولار بين عام 2011 وعام 2019. وللتكيّف مع هذا الخلل البنيوي المزدوج، استسهلت الحكومات اللبنانية المتعاقبة الاعتماد على الاقتراض غير المضبوط من المصارف كبديل عن خوض غمار الاصلاح، فيما استسهلت المصارف بدورها التجاوب مع هذه الرغبات الحكومية حتى لو أدّى ذلك الى التفريط بودائع اللبنانيين (وغير اللبنانيين)، مُمَنِّيةً النفس بأرباح ومعدلات فائدة غير مسبوقة. هكذا جرى على مدى نحو ربع قرن منذ أواسط التسعينيات تبديد ما يراوح بين 80 مليار دولار و100 مليار دولار من أموال المودعين، على الاستهلاك الحكومي والنفقات العامة غير المنتجة وتكاليف خدمة الدين العام، ناهيك عن تكاليف الفساد السياسي والمحاصصة وانعدام الأهلية المهنية في مجال إدارة الشأن العام والحوكمة.

تحديات أزمة الدَّين العام اللبناني

إن هذا المسارُ باتَ يستوجب راهناً تخصيص نحو ربع الناتج المحلي القائم للإيفاء بشروط فرضية سداد تكاليف خدمة الدين وأصله خلال عشر سنوات، الأمر الذي يتجاوز بكثير القيمة الإجمالية للإيرادات الحكومية المرتقبة، ويعدم بالتالي أيّ إمكانية لتمويل ما تبقّى من بنود الإنفاق العام، بوجهيه الجاري والاستثماري. وكنتيجة لتفاقم هذا العجز المزدوج، اضطرّت الدولة - وللمرّة الأولى مند نشوء الدولة اللبنانية قبل مائة عام - إلى التفاهم الضمني مع المصارف التجارية، ومن دون تشريع قانوني نظامي، كي تتولّى هذه الأخيرة فرض الرقابة على التحويلات المصرفية إلى الخارج ووضع سقوف استنسابية (ومتراجعة مع الوقت) على سحوبات المودعين، فضلاً عن تسليمهما المشترك بقيام سِعْرين لصرف الدولار الأمريكي تجاه الليرة اللبنانية، أحدهما رسمي تحكمه سياسة التثبيت النقدي المعتمدة منذ أوائل التسعينيات وتلتزم به المصارف ومصرف لبنان، والآخر حُرّ تحكمه قوى السوق ويزيد بنسبة لا تقلّ عن 50% عن السعر الأول الرسمي. وتسعى الحكومة الحالية إلى إضفاء الشرعية القانونية على هذه الاجراءات - مع بعض التعديلات الطفيفة - من خلال استصدار قانون عبر المجلس النيابي في الأمد القريب.

امتناع الحكومة عن السَّداد

في ظلّ هذه الأوضاع المستجدّة، لم يعد من بديل أمام الحكومة سوى اتخاذ قرار إعادة هيكلة الدَّين العام، بدءاً من تعليق سداد سندات الدين الأجنبية (يوروبوندز) التي كان جزء منها قد استحقّ في التاسع من شهر مارس/آذار الجاري (بقيمة 1.2 مليار دولار من أصل 5.4 مليار دولار تستحق، أصلاً وفائدة، خلال عام 2020). ومن أبرز دواعي هذا القرار - الذي حاولت المصارف التجارية مقاومته بشتى الطرق، بما فيها بيع جزء كبير ممّا تحمله من هذه السندات إلى مستثمرين أجانب - التراجع الملموس في موجودات مصرف لبنان من العملات الأجنبية التي باتت تقلّ راهناً عن 30 مليار دولار، أي عن ربع أو ثلث ما أودعته المصارف التجارية من أموال الناس لدى هذا المصرف. هذا مع العلم أن المبلغ المذكور يتضمّن قيمة الاحتياط الالزامي الذي يفرضه مصرف لبنان على ودائع المصارف، مما يقلّص فعلياً إلى نحو الثلث قيمة الموارد المتاحة التي يمكن لهذا المصرف التصرّف بها.

ووسط هذه الفجوة الكبيرة في حسابات مصرف لبنان، تصبح المغامرة في إعطاء الأولوية لاستخدام العملات الأجنبية المتاحة لدى هذا المصرف لغرض سداد الدين الأجنبي وخدمته، محفوفة بالكثير من المخاطر والمجازفات غير المحسوبة. فاستمرار الالتزام بالسداد يُضعِف بل يَعدِم فرص استعادة المصارف لجزء على الأقل من ودائعها لدى مصرف لبنان حماية للبقية الباقية من حقوق المودعين، كما يَحُول بشكل خاص دون تمكّن الدولة من استمرار الالتزام بتوفير الاحتياجات التموينية الأساسية عبر دعمها لاستيراد المحروقات والدواء والقمح، وهي احتياجات يصعب على القطاع الخاص تأمينها بمفرده في ظلّ الرقابة المفروضة على التحويلات (أي على الاعتمادات المستندية)، وفي ظلّ نشوء سعرين للدولار في البلد.

 ما الذي يُمكِن عمله؟

إن إعادة هيكلة الدين العامّ عمليةٌ صعبةٌ ومعقّدة ومؤلمة وقد يكون لها أثر سلبي على سمعة لبنان في الأسواق المالية العالمية، وبالتالي على قدرته المستقبلية على الاقتراض مجدّداً من هذه الأسواق. وإذ تستدعي هذه العملية بالضرورة التفاوض النِّدِّي والمرير مع المستثمرين في سندات اليوروبوندز وفقاً لأحكام عقد إصدار هذه السندات، إلا أنها تستوجب كذلك الأخذ في الاعتبار ما يتحمّله هؤلاء المستثمرون أنفسهم من مسؤوليات من جرّاء قبولهم الطوعي بالمجازفة في شراء السندات اللبنانية الذي مكّنهم على مدى سنوات من تحقيق أرباح فاحشة عبر معدلات فائدة زادت في بعض الأحيان عن 8 إلى 10 أضعاف مثيلها في الأسواق العالمية، خصوصاً في ظلّ الهندسات المالية "الانتحارية" التي اتّبعها مصرف لبنان خلال عام 2016 وبعده.

ويفترض أن تتوّج مفاوضات الحكومة اللبنانية مع الدائنين - قبل لجوء هؤلاء إلى القضاء - بتفاهمات منظّمة ومبرمجة تستند إلى واحد أو أكثر من المعالجات الآتية: إعادة جدولة الديون أي توزيعها على آجال أطول، والاتفاق مع الدائنين على خفض قيمة الفوائد المحقّقة ومعدّلاتها، واحتمال إجراء اقتطاع جزئي من أصل هذه الديون. ويجب أن يسعى الطرف اللبناني على هذه الصعد كافة إلى الاستفادة من الدروس التي تمخّضت عنها أزمات الديون السياديّة وعمليات إعادة الهيكلة التي شملت أكثر من 110 دولة خلال العقود الثلاثة الماضية، مع لفت النظر الى أن غالبية هذه الدول قد تمكّنت إلى هذا الحدّ أو ذاك من العودة مجدّداً إلى الأسواق المالية وجذب المستثمرين، تبعاً لمدى نجاحها في ضبط أرصدة ماليتها العامة وديونها، وذلك كجزء من امتلاكها وتنفيذها لخطط وبرامج اقتصادية شفّافة ورصينة وهادفة.

ويجب الإقرار بأن التعثّر المالي يجسّد شكلاً من أشكال الافلاس، وهو ينطوي على خسائر ضخمة وواسعة الانتشار. والتحدّي الأكبر والأهمّ يكمن في كيفية توزيع هذه الخسائر بين الفئات الاجتماعية والقطاعات الاقتصادية المختلفة، في بلد يتّسم أصلاً بالكثير من التباينات والتفاوتات بين قطاعاته ومناطقه ومكوّنات نسيجه الاجتماعي.

فعلى المستوى النقدي، ينبغي وضْع سقف لارتفاع سعر صرف الدولار تجاه العملة الوطنية، وتضييق الفجوة بين سعريها الرسمي والحرّ حفاظاً على القوّة الشرائية للمداخيل، خصوصاً إذا ترسّخ توسيع استخدام الليرة اللبنانية كأداة للتسعير والتبادل والاستثمار والادخار في بلد وصلت فيه نسبة دولرة الودائع المصرفية الى نحو 75%.

وعلى المستوى المصرفي، يجب تنقية ميزانيات المصارف من الخسائر والحسابات الدفترية المنفوخة، والعمل على إعادة هيكلتها ودمجها ورسملتها وصولاً إلى تقليص حجم موجوداتها كنسبة من الناتج المحلي، التي تزيد راهناً عن 300% منه؛ ويجب أن يتواكب هذا أيضاً مع إصلاحات جذرية وشاملة في سياسات مصرف لبنان.

وعلى مستوى المالية العامة، لا بدّ من التوجّه نحو إيقاف النظام الضريبي على "قدميه" بدلاً من أن يبقى واقفاً على "رأسه" في بلد يستأثر فيه 1% من السكان بنحو ربع الدخل الوطني و45% من الثروة، وذلك عبر تطبيق الضريبة التصاعدية الموحّدة على كل مصادر الدخل وزيادة العبء الضريبي التصاعدي على شركات الأموال والثروات الكبيرة بما فيها الإرث؛ هذا بالاضافة إلى إعادة هيكلة بنية الانفاق العام، والشروع فوراً في إلغاء ودمج العديد من الصناديق والمؤسسات العامة التي لم يعد لها من دور سوى قوننة وتسهيل الفساد وخدمة العلاقات التحاصصية والزبائنية التي تنتفع منها أطراف متنفّذة داخل السلطة.

وإلى هذه التوجّهات التي تستهدف إصلاح السياسات العامة، يجب أن تُضاف المطالب الأساسية التي رفعتها انتفاضة السابع عشر من أكتوبر الشعبية: التأكيد على استقلال القضاء، ورفع الحصانة الادارية والسرّية المصرفية عن كلّ من تعاطى ويتعاطى بالشأن العام، والعمل الدؤوب والمنظّم لاسترداد الأموال العامة المنهوبة، وتحصين الوضع الاجتماعي لاسيّما التغطية الصحّية الشاملة وجودة التعليم الرسمي، وحماية الأجر وديمومة العمل وأنظمة التقاعد، واستثناء ادخارات الفئات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة من تبعات أيّ عمليات "قصّ شَعْر" محتملة.

وعبر التجسيد الملموس لهذه التوجهات والمطالب، يكون البلد قد بدأ يُؤسِّس للانتقال المتدرّج من النمط الاقتصادي الريعي السائد الى رحاب الاقتصاد المُنتِج والأنشطة ذات القيمة المُضافة العالية والقادرة على خلق فرص عمل لائقة.

* المدير التنفيذي في مؤسسة البحوث والاستشارات – بيروت.

 

أحدث الإيجازات