تواجه بلدان خليج غينيا (التي تضم عدة دول من غرب ووسط أفريقيا، أبرزها أنغولا وبنين وتوغو والكاميرون ونيجيريا وساحل العاج) مخاطِر تمدُّد التنظيمات الإرهابية، وخاصة مع تصاعُد الهجمات على حدودها مع بوركينا فاسو. وقد صنَّفت فرنسا شمال وجنوب غربي ساحل العاج ضمن "المنطقة الحمراء" بعد الهجوم على مركز "يانديري" في بوركينا فاسو قُرْب الحدود مع ساحل العاج في يناير 2020[1]. بينما عقدت الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا في سبتمبر 2019 قمةً استثنائية لمواجهة المخاطر المحتملة[2]، في وقتٍ تستعد فيه بعض دول المنطقة لإجراء انتخابات 2020، وهو ما يفرض تحديات على جهود مكافحة الإرهاب.

وفي ضوء هذه التطورات، تسعى هذه الورقة إلى فهم خلفية وسياق تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية والعوامل المُحفِّزة له، والسيناريوهات المحتملة لتمدُّد التهديد الإرهابي في بلدان خليج غينيا.

تصاعُد نشاط التنظيمات الإرهابية في بلدان خليج غينيا: الأهداف والمُحفِّزات

  • برغم أن المنطقة لم تشهد هجمات عنيفة مثل منطقة الساحل، لكنها غدت أكثر عرضة لهذه الهجمات بعد أن تصاعدت على حدودها خلال عام 2019، لاسيما اختطاف سائحين فرنسيين في شمال بنين في مايو، وإحباط عملية إرهابية تستهدف كنيسة في غانا في يونيو. وقتل كاهن اسباني بين بوركينا فاسو وتوغو في فبراير، وإحباط عملية تسلل لإرهابيين عبر الحدود بين بوركينا فاسو وتوغو في أبريل، بعد تحذيرات أجهزة الأمن البوركينية من مغادرة جهاديين إلى دول الجوار[3].
  • تهدف التنظيمات الإرهابية إلى فتح جبهة جديدة لتشتيت الجهود الدولية، وخاصة المناطق الشمالية التي هجرتها الدولة، والحصول على "ملاذات آمنة" هناك، ومعاقبة الدول المشاركة في بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي، مثل توغو وساحل العاج، وفتح ممرات آمنة، لاسيما من شمال مالي إلى شمال غرب نيجيريا وشمال بنين، وعبر بوركينا فاسو إلى دول خليج غينيا[4].
  • يُمكِن إجمال أهم مُحفِّزات تمدُّد التنظيمات الإرهابية في بلدان خليج غينيا، على النحو الآتي:
  1. انضمام العشرات من مواطني دول خليج غينيا للقتال في صفوف التنظيمات الإرهابية خلال السنوات الأخيرة[5].
  2. الاتصالات القائمة بين جماعات جهادية في بوركينا فاسو والخلايا النائمة في دول المنطقة. وعلى سبيل المثال، الاتصالات بين أومارو ديالو، قائد جماعة "دياو"، وخلايا إرهابية في بنين وتوغو وغانا[6].
  3. الحدود الهشَّة وتضاريسها الملائمة، لاسيما الحدود بين نيجيريا وبنين (700 كم)، وبنين وساحل العاج، حيث يتيح الغطاء النباتي والغابات والمستنقعات بيئة ملائمة للتخفي[7].
  4. التحالف مع شبكة الجريمة المنظمة على الحدود، لاسيما بين بوركينا فاسو وساحل العاج وغانا ومالي، والتي تساعد هذه التنظيمات في الحصول على الدعم اللوجيستي[8]، حيث تنتشر الأسلحة في بنين وغانا وتوغو[9].
  5. الروابط الإثنية، حيث يحتل المقاتلون من جماعة الفولاني نسبة متزايدة في صفوف التنظيمات الإرهابية[10]، وهي جماعة تمتد في العديد من دول المنطقة[11]، ويمكن أن تجد دعوة الجهاد التي أطلقها أمادو كوفا، أمير كتيبة ماسينا، في شريط فيديو نُشِرَ في 8 نوفمبر 2018، والموجَّهة لهذه الجماعة[12]، صداها في دول المنطقة.
  6. إمكانية الاستفادة من الشبكات التجارية الممتدة عبر الحدود، حيث ترتبط مناجم الذهب في بوركينافاسو، وهي مصدر محتمل للتمويل، بربحية هذه المناجم في دول المنطقة[13].
  7. توظيف التوترات الدينية والطائفية، لاسيما بين المسلمين والمسيحيين في بنين وغانا، في ظل تغلغل الأفكار الجهادية في المناطق المهمشة (مجتمعات زونجو "Zongo" في غانا على سبيل المثال)[14]، والتوترات بين الوهابية والصوفية في غينيا[15].  
  8. الإحباطات الاقتصادية والسياسية، فحوالي 70% من سكان شمال غانا، و60% من السكان في الشمال والشمال الغربي من ساحل العاج[16]، يعانون من الفقر، وارتفاع معدلات البطالة[17]، كما يتنامى عدد اللاجئين القادمين إلى المناطق الشمالية من بوركينا فاسو[18].

التحديات التي تواجه الجهود الدولية والإقليمية لمكافحة الإرهاب في المنطقة

  • ضعف التنسيق الأمني والعسكري على المستوى الإقليمي، في ظل تعدد المبادرات الإقليمية، فضلاً عن الصعوبات التمويلية وضعف تأثير القوة الإقليمية القادرة على قيادة الإيكواس، والتحديات السياسية التي تتحدى قدرة الإيكواس على تدبير مليار دولار لمكافحة الإرهاب، وفق توصيات قمة واغادوغو في 14 سبتمبر 2019[19].
  • الاستجابة الدولية غير الكافية لمنع العدوى الإقليمية للعنف الجهادي، فلم تُحقِّق بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لمنطقة الساحل الغربي ومجموعة الساحل الخُماسية، التنسيقَ اللازم والمطلوب لوقف تمدُّد الإرهاب، لاسيما في ظل تقسيم غرب إفريقيا إلى فضائين، فرنكوفوني وأنجلوفوني، وتجاهل العلاقات بينهما[20].

السيناريوهات المحتملة

هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة للتمدُّد الإرهابي في بلدان خليج غينيا، يمكن إجمالها على النحو الآتي:

  1. تزايد عمليات الإرهاب البحري، والهجوم على ناقلات النفط والمنصات النفطية البحرية في خليج غينيا، في ظل الهشاشة الأمنية وتصاعد عمليات القرصنة (رُصِد وقوع 20 حالة في الربع الأول من عام 2019)[21]، لكن يتحدى هذا السيناريو ضعفَ القدرات البحرية لدى التنظيمات الإرهابية في المنطقة لشن هذا النوع من الهجمات.
  2. التمدُّد المحدود للتنظيمات الإرهابية، وسيطرتها على مناطق محدودة، وفق استراتيجية "الكر والفر"، لاسيما المناطق الشمالية القريبة من الحدود مع بوركينا فاسو، وهي مناطق تُعاني من التهميش الاقتصادي. غير أن ما يتحدى هذا السيناريو، اتجاه بعض دول المنطقة (بنين وساحل العاج وتوغو وغانا) إلى تنسيق عملياتها العسكرية مع بوركينا فاسو (مبادرة أكرا)، واستراتيجية الإيكواس التي ترمي إلى حشد جهود دولها لمكافحة الإرهاب.
  3. انحسار التمدُّد الإرهابي، ونجاح الجهود الدولية والإقليمية في تكثيف الضربات العسكرية على معاقل الإرهابيين بشكل يمنع زحفها جنوباً، وخاصة مع اتجاه فرنسا لتكثيف عملياتها في المنطقة بعد مقتل 13 من جنودها في مالي. غير أن ما يَقِف حائلاً دون تحقُّق سيناريو كهذا، احتفاظ هذه التنظيمات بقدرتها على التكيُّف وإعادة ترتيب صفوفها برغم الضربات العسكرية لمعاقلها. ومع استمرار الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، فإن الاستراتيجية العسكرية الأمريكية لا تزال تركز على تقديم الدعم غير المباشر للدول الصديقة، وتقليص انخراطها العسكري في هذا الإطار.

وفي المُجْمَل، يبدو أن مستقبل التنظيمات الإرهابية في المنطقة سيكون محصوراً بين السيناريوهين الأول والثاني في ضوء الصراعات السياسية المرتبطة بانتخابات 2020، والقدرات الاستخباراتية المحدودة لدول المنطقة لتتبع النشاط الإرهابي عبر حدودها. وحتى في حال نجاح الإيكواس في تدبير الأموال اللازمة لتمويل عملياتها العسكرية، فإن ذلك لا يضمن تحقيق نتائج مضمونة من دون تنسيق دولي وإقليمي أوسع، فقد أنفقت نيجيريا وحدها ملياري دولار في عام 2018، لكنها لم تتمكن من التغلب على تنظيم بوكو حرام. وبرغم ضعف القدرات البحرية لدى التنظيمات الإرهابية على شن هجمات في خليج غينيا، إلا أن ليس ثمة ما يمنع اتجاهها نحو مهاجمة السُّفن من البر.

[*]  باحث في شؤون التنظيمات الإرهابية.

مراجع

[1]  "ساحل العاج: فرنسا تصنف المنطقتين ضمن المنطقة الحمراء"، قراءات أفريقية، 6/2/2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/2HsVsP3

[2]  "مليار دولار لمحاربة الإرهاب في غرب أفريقيا"، الشرق الأوسط، 16/9/2019، متاح على الرابط: https://aawsat.com/home/article/1904316

[3] Crisis Group, "The Risk of Jihadist Contagion in West Africa," Africa Briefing, N°149, 20 December 2019.p.3

[4] Ibid, p.2

[5] Antonin Tisseron, “Jihadist Threat: the Gulf of Guinea States up against the Wall," available at; http://institut-thomas-more.org/2019/03/04/jihadist-threat-%E2%80%A2-the-gulf-of-guinea-states-up-against-the-wall/

[6] Crisis Group, op.cit, p.5

[7] Ibid, p.2

[8] Heni Nsaibia, "Insecurity in Southwestern Burkina Faso in the Context of an Expanding Insurgency," Armed Conflict Location & Event Data Project (ACLED), January 17, 2019.

[9] West Africa Network for Peace Building (WANEP), “Violent Extremism and Terrorism: Exploring New Frontiers in West Africa?,” Report, June 2019, p.7

[10] Antonin Tisseron, op.cit.

[11] Boukary sangare, "Fulani people and Jihadism in Sahel and West African countries," Fondation pour la Recherche Stratégique (FRS), March 2019, p.3

[12] Antonin Tisseron op.cit.

[13] Crisis Group, op.cit, .p.4

[14] Peter Knoope and Grégory Chauzal, "Beneath the Apparent State of Affairs: Stability in Ghana and Benin The Potential for Radicalization and Political Violence in West Africa," Clingendael Report, Netherlands Institute of International Relations ‘Clingendael’, January 2016, p.8,16

[15] Antonin Tisseron, op.cit.

[16] Crisis Group, op.cit, p.6

[17] West Africa Network for Peace Building (WANEP), op.cit, p.6

[18] Ibid, p.6

[19] Crisis Group, op.cit, p.3

[20] Ibid, p.8

[21] West Africa Network for Peace Building (WANEP), op.cit, p.6

 

أحدث الإيجازات