اختزلت الأطراف الفاعلة في الأزمة السورية الحل باللجنة الدستورية، فيما اعتبرته ترجمة لمخرجات قرار مجلس الأمن الدولي 2254، الصادر في ديسمبر 2015، والذي أعطى موافقة أممية على خطة تدعو لوقف إطلاق النار في سوريا، وإجراء محادثات بين أطراف الصراع، ضمن جدول زمني مدته نحو عامين لتشكيل حكومة وحدة، أو ما يُسمَّى بـ"هيئة حكم انتقالية" ثم إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية.

وجاء تشكيل اللجنة الدستورية، في شكلها الحالي، بعد التوصل إلى اتفاق إطاري في سوتشي في روسيا، يناير 2018، وذلك بهدف صياغة دستور سوري جديد، أو إجراء تعديلات على الدستور الحالي الذي جرى تعديله أثناء الأزمة ولا تعترف به المعارضة. وتتشكّل اللجنة من 150 عضواً، يمثلون بالتوازي النظام والمعارضة وممثلي المجتمع المدني، وتم تشكيل لجنة مُصغَّرة من 45 عضواً لحضور جلسات المناقشة، ويتم اتخاذ القرارات في اللجنة عبر التصويت شريطة موافقة 75 بالمائة من أعضاء اللجنة. ويترأس وفد النظام السوري أحمد الكزبري، ووفد المعارضة هادي البحرة.

جولات ضائعة

عقدت اللجنة منذ إنشائها أربع جولات، بدءاً من الجولة الأولى في نوفمبر 2019، وحتى الجولة الأخيرة في نهاية نوفمبر 2020، ولم تستطع اللجنة الخروج بمخرجات ملموسة على صعيد كتابة الدستور، فقد جرى استهلاك هذه الجولات في مناقشة قضايا لا علاقة لها بالقضايا التي تشكلت اللجنة من أجلها.

ورغم وجود جدول دائم للاجتماعات، فقد كانت الأطراف، وبالتحديد الطرف الممثل للنظام، تخرج عن أجندة اللقاء، وهو ما تسبب في كثير من الأحيان في فشل الاجتماع وانسحاب وفد المعارضة. كما لم يجر تحديد جدول زمني لانعقاد جلسات اللجنة، فقد كان عقد كل جلسة يستلزم قيام المبعوث الدولي الخاص، غير بيدرسون، بجولات إلى سوريا والدول المؤثرة في النزاع، لإعادة شمل اجتماع اللجنة.

وما تم انجازه في الجولات الأربع لا يتعدى الاتفاق على مدونة سلوك بشأن تعامل أعضاء اللجنة بانضباط، وحتى هذا لم يتم الالتزام به، حيث شهدت الجولات الأربع احتجاجات متبادلة على تجاوزات الطرف المقابل.

منهجية التفاوض

تكشف منهجية التفاوض التي يعتمدها النظام السوري والمعارضة، أسباب عدم قدرة اللجنة على انجاز مهمتها المتمثلة بالتوصل إلى صياغة للدستور متفق عليها. إذ يقوم منهج النظام على التعطيل، وإغراق اللجنة بمناقشة قضايا ليس لها علاقة بالمهمة الأساسية، وذلك بهدف تعطيل التوصل إلى دستور جديد أو تعديل الدستور الحالي، قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في صيف العام المقبل، حيث يسعى النظام إلى إجرائها وفق الدستور الحالي، بغرض كسب بشار الأسد ولاية رئاسية جديدة لا يشملها الدستور الجديد.

 ويُلاقي هذا التوجه تأييد حلفاء النظام، روسيا وإيران، اللتين ترغبان في بقاء الأسد في السلطة. وتعتقد أوساط المعارضة أن اللجنة الدستورية، ومنذ بداية تشكيلها، كانت أداة روسية لتمييع القرارات الدولية بشأن سوريا، وخصوصاً القرار 2254، وتضييع الوقت لمنع تشكيل هيئة حكم انتقالي، حتى يصل النظام إلى ما يسميه الاستحقاق الرئاسي.

في المقابل، تتبع المعارضة أسلوب ردة الفعل بدلاً من صياغة استراتيجية واضحة في المفاوضات، وفي أحيان تذهب إلى مسايرة النظام في مناقشة ما يطرحه بهدف إحراجه أمام الرأي العام، أو اتّباع الحذر لعدم الوقوع في الفخاخ التي يضعها وفد النظام في جداول عمل اللجنة. وتعتقد المعارضة أن مصير المفاوضات في النهاية ستُقرِّره إرادات القوى الإقليمية والدولية الكبرى التي تتحكم بالقضية السورية، وأن المفاوضات الجارية ليست سوى وقت مُستقطَع إلى حين وصول تلك القوى إلى تفاهمات نهائية بشأن الملف السوري.

صراع المُقترحات وتعارُض الأولويات

في سياق استراتيجيات الطرفين  التفاوضية، اندلع في الجولة الرابعة ما يمكن تسميته بـ "صراع الأوراق والمقترحات"، إذ اقترح وفد النظام إضافة قضايا اللاجئين والحصار الاقتصادي على جدول أعمال اجتماعات اللجنة، وقَدَّم رئيس الوفد أحمد الكزبري إلى فريق المبعوث الأممي وثيقة تضمَّنت مواقف أكثر تشدداً وتفصيلاً من الأوراق الحكومية السابقة، بينها مطالبتها ممثلي المعارضة والمجتمع المدني بـ"رفض الأعمال الإرهابية"، بما في ذلك "الإرهاب الاقتصادي"، ومساواة الوثيقة بين "داعش" و"الإخوان المسلمين"، إضافة إلى "إدانة الاحتلال الأجنبي من تركيا وإسرائيل وأمريكا"، كما صعَّدت الوثيقة ضد "الإدارة الذاتية" الكردية لدى رفضها "أي أجندة انفصالية".

من جهته، اعترض وفد المعارضة على تضمين هذه القضايا في جدول أعمال اللجنة، على اعتبار أنها خارج مهامها ولا علاقة لها بالشأن الدستوري، لكنه سعى في النهاية إلى احتواء تلك الأطروحات وتأطيرها ضمن جسم الدستور، لكن بوصفها ملحقات أو إضافات تتعلق بالوضع الطارئ والحالي غير الطبيعي للبلاد، كهيئة عامة لشؤون المعتقلين وأخرى للعدالة الانتقالية، أي مواضيع تبقى في الدستور، لكن ليس بشكل ثابت باعتبارها بنوداً ومواداً بحكم الوضع القائم.

وقد انعكس تضارُب أولويات أطراف اللجنة الدستورية على المفاوضات الجارية بخصوص إنجاز دستور للبلاد، يُشكِّل قاطرة لجرّ بقية قضايا الخلاف إلى سكة الحل؛ فبينما تتركز أولويات النظام في هذه المرحلة على إنهاء الحصار الاقتصادي وإعادة تأهيل النظام، من خلال التركيز على قضايا محاربة الإرهاب وإخراج القوى الأجنبية من سوريا، وذلك بهدف التخلص من تهم جرائم الحرب التي تعوق انفتاح العالم عليه، تُركِّز المعارضة على ملفات المعتقلين والحل السياسي والظروف المعيشية للنازحين واللاجئين.

وبناءً على هذا التعارُض، يتم النظر للقضايا المختلفة من منظور سياسي، ويجري تقييمها من منطلق إمكانية توظيفها لصالح هذا الطرف أو ذاك. وفيما ترى المعارضة السورية أن اجتماعات اللجنة الدستورية ليست سوى تنفيذ للقرار 2254 الذي يشكل خارطة طريق نحو الوصول إلى انتقال سياسي، وهو قرارٌ ملزمٌ لجميع الأطراف، ولا حل إلا عبر تطبيق بنوده، يرى النظام، ومن خلفه روسيا، أن هذه الاجتماعات مجرد حوار سوري-سوري، تحكمهُ المتغيرات والظروف، وأن الأوضاع (خاصة الميدانية والسيطرة على الأرض) قد تغيَّرت بشكل كبير عما كانت عليه الحال حين صدور القرار قبل خمس سنوات، ومن غير المنطقي عدم أخذ هذه الوقائع بعين الاعتبار.

من جهة ثانية، يرى النظام أن اجتماعات اللجنة تُشكل فرصة له لترميم صورته الوطنية عبر طرح قضايا ذات بعد وطني وإنساني، مثل قضية "عودة اللاجئين" و"رفع الحصار الاقتصادي"، لإظهار أن المعارضة هي من تقف خلف أزمة اللاجئين، وأن الدول الخارجية هي المسؤولة عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها من تبقى داخل سوريا.

ومن ناحيتها، ترى المعارضة أن إطار تفويض اللجنة الدستورية مُحدَّد، وأن نوعية العمل محصورة في وضع المبادئ الأساسية لشكل الدولة المستقبلي ونوع النظام السياسي، أما القضايا الأخرى، فيُمكن الحديث عنها فقط من باب الأحكام الانتقالية التي ستُراعَى ضمن القضايا التي عادة لا توجد في الدستور الدائم للدولة، وبالتالي فإن وضع قضايا الأزمة السورية على طاولة التفاوض ليس له هدف سوى خلط الأوراق ومحاولة إظهار المعارضة بأنها منفصلة عن الواقع عبر مناقشتها لقضايا نظرية لا تهم المواطن السوري في ظل الأزمات الطاحنة التي يعيشها.

خلاصة واستنتاجات

يُشير تحديد موعد انعقاد الجولة الخامسة في نهاية يناير المقبل، إلى انتظار مختلف الأطراف تسلُّم إدارة الرئيس جو بايدن الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية لمعرفة توجهاته تجاه الملف السوري، ودون شك فإن أطراف التفاوض السوري تراهن على عامل المتغيرات الدولية بشكل كبير، لذلك يصعب تصوُّر التوصل إلى حلول توافقية بينها، كما أنّه من غير المتصوّر أن تُنتِج اجتماعات اللجنة الدستورية حلاً للأزمة السورية، في ظل التناقضات النهائية، والتي لا يمكن جبرها من دون تدخل خارجي.

لقد استثمرت روسيا، ونظام الرئيس بشار الأسد، مفاوضات اللجنة الدستورية، التي تجري ضمن سقف زمني مفتوح، لإجهاض القرار 2245، وقد نجحا بالفعل بعدما فرضا مرجعيات جديدة للتفاوض، تتمثل في ما يسمى مبادئ سوتشي، ويعتقدان أنهما قادران على فرض الحل الذي يرتئيانه من خلال فرض الوقائع وتيئيس المجتمع المدني، فيما المعارضة مُشتتة بين منصاتها وأحزابها وافتقارها لرؤية محددّة وضعف قدرتها على فرض شروطها.

أحدث الإيجازات