عُقْدة عين عيسى والصراع على شرق سوريا

مركز الإمارات للسياسات | 31 ديسمبر 2020

يؤكد الصراع التفاوضي والعسكري الجاري حول "عين عيسى"، أهمية منطقة شرق سوريا بالنسبة لجميع اللاعبين المنخرطين في الأزمة السورية؛ فالنفوذ في هذه المنطقة بات يُحسَب بالأمتار. وبين روسيا التي تطمح لتحقيق اختراق في منطقة ذات مكانة اقتصادية وإستراتيجية مهمة، وتركيا التي تطمع في تعزيز نفوذها في الخريطة السورية، والولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر مناطق شرق سوريا ذات طبيعة حاكمة ومفصلية في إدارة سياساتها تجاه الملف السوري؛ تشكّل عين عيسى، الواقعة خارج ما يُعرف بـ"سوريا المفيدة"، موقعاً مهماً في استراتيجيات اللاعبين المحليين، لما للسيطرة عليها من عوائد اقتصادية وسياسية. 

لماذا عين عيسى؟

تتمتع عين عيسى بأهمية إستراتيجية بسبب قربها من الطريق الدولي M4، وتربط محافظات الحسكة والرقة ودير الزور شرقاً بمدينة حلب شمالاً، كما تصل عبر شبكة طرق رئيسة شرق الفرات بغربه، وتمنح الطرف الذي يسيطر عليها عسكرياً قدرة على التحكم بطرق المواصلات والإمداد اللوجستي بين مناطق عين العرب "كوباني" ومنبج بريف حلب الشرقي؛ وبمناطق الجزيرة السورية ومدن الرقة ودير الزور.

تتهم تركيا قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالانطلاق من عين عيسى لتنفيذ عمليات بهدف زعزعة الاستقرار في مناطق عملية "نبع السلام"، والسماح لقوات حزب العمال الكردستاني، باستخدام عين عيسى لتهديد الأمن القومي التركي، وتطالب بانسحاب قوات "قسد" من المدينة.

وترفض "قسد" الانسحاب على اعتبار أن المنطقة تقع خارج نطاق المناطق التي تم التفاهم عليها بين تركيا وروسيا في الاتفاق الموقع بينهما في سوتشي، في 22 أكتوبر 2019، وتطالب روسيا بالوفاء بالتزاماتها ومنع الأتراك من اجتياح المنطقة، في حين ترفض روسيا هذا الالتزام وتشترط تسليم عين عيسى لقوات النظام السوري، وهو ما ترفضه "قسد" حتى اللحظة. وتطرح "قسد" نموذج اتفاقيات "منبج" و"تل رفعت"، حيث توجد نقاط قوات النظام والقوات الروسية على مداخل المدينتين، غير أن روسيا ترفض هذا الطرح وتطالب "قسد" بتسليم المصالح الإدارية داخل عين عيسى للنظام السوري.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية عن التوصل لاتفاق مع "قسد" يقضي بانسحابها من عين عيسى وتسليمها لقوات النظام والقوات الروسية، بالاتفاق مع الجانب التركي، وذلك من أجل الحفاظ على استقرار المنطقة، إلا أن "قسد" نفت التوصل لمثل هذا الاتفاق، مؤكدة استمرار خريطة السيطرة في عين عيسى وما حولها على ما هي عليه.

مواقف اللاعبين واستراتيجياتهم

1. قوات سوريا الديمقراطية "قسد"

تواجه "قسد" أوضاعاً مربكة، نتيجة إدراكها خطورة المرحلة، إذ إن حليفها الأساسي، الولايات المتحدة، منشغل في هذه اللحظة بعملية انتقال السلطة من إدارة لأخرى، الأمر الذي وضعها بين فكّي كماشة تركيا وروسيا الساعيتين إلى تغيير الأوضاع في مناطق شرق الفرات لتعزيز مواقعهما في سورية استباقاً لوصول إدارة جو بايدن، حيث تستشعران احتمالية تشدُّد مواقفها تجاههما في الملف السوري.

وإذ تواجه "قسد" خيارات صعبة، تنحصر بين خوض مواجهة غير مضمونة النتائج مع تركيا والفصائل السورية التي تدعمها، وتسليم عين عيسى لروسيا والنظام، وتأثير ذلك، في كلتا الحالتين، على مواقع نفوذها في عين العرب "كوباني" ومنبج، فإنها تحاول إطالة أمد المفاوضات مع الجانب الروسي إلى أبعد مدى ممكن، والإبقاء على خطوط النار خارج المدينة إلى حين توصلها إلى صفقة تمنع هجوم الفصائل والجيش التركي، وقد تجدّدت آمال "قسد" بدور أمريكي فاعل في عين عيسى، وذلك بعد الزيارة التي قام بها قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، الجنرال فرانك ماكنزي، إلى محافظة الحسكة، شمال شرق سوريا، ولقائه بقائد "قسد"، مظلوم عبدي.

2. تركيا

تعتقد تركيا أن الظرف مناسب لتوسيع المنطقة العازلة في شرق سوريا، وتفكيك الكيان الكردي على حدودها، وإجهاض مشروع الإدارة الذاتية الكردية. وبالإضافة لانشغال الولايات المتحدة بتفاصيل نقل السلطة، تحاول تركيا الاستفادة من تقاربها مع روسيا، الذي عززته العقوبات الأوروبية والأمريكية على كليهما.

وتحاول تركيا إظهار موقفها على أنه نوع من الدفاع عن النفس ضد "الإرهاب" الذي تتعرض له من حزب العمال الكردستاني، كما أنه مطلب شعبي من قبل العشائر العربية في المنطقة التي عقدت مؤتمراً لها في أعزاز، وطالبت بطرد "قسد" من المناطق ذات الأغلبية العربية.

غير أن تركيا تجد نفسها مضطرة لمراعاة التوازنات في شرق الفرات، في منطقة تتجاور سيطرتها مع القوات الروسية والأمريكية، كما تُحاذِر من استقبال إدارة بايدن بملف خلافي خطير، لذا، ورغم التحشيدات الكبيرة على أبواب عين عيسى، إلا أنها ما تزال تبحث عن أجواء ومعطيات سياسية وميدانية تفتح الطريق أمامها في شرق سوريا كما حدث عشية عملية "نبع السلام".

3. روسيا

تطرح روسيا نفسها وسيطاً في الصراع بين "قسد" وتركيا، وأنه لا علاقة لها بهذا الصراع، وتطرح على "قسد" تسليم مدينة عين عيسى إلى قوات النظام السوري، لأن من شأن ذلك ردع تركيا وتفنيد ذرائعها. ولا يبدو خافياً الهدف الأساسي لروسيا، والمتمثل في تعزيز وجودها في قلب منطقة شرق الفرات، في ظل صراع محموم مع الولايات المتحدة على مناطق النفوذ في تلك المنطقة، وترى روسيا في التهديد التركي فرصة لانتزاع عين عيسى بذريعة حماية سكانها من التهجير وحماية "قسد" من تركيا.

وتُمارس روسيا سياسة ابتزاز معلنة تجاه" قسد" وذلك من خلال إصرارها على استلام المدينة أو تركها تواجه خيار عفرين، بمعنى عدم التدخل في مواجهة القوات التركية وتركها في حال عدم رضوخ "قسد" لمطالبها.

والواضح أن روسيا لا تستطيع الإقدام على عمل عسكري ضد" قسد"، لأن ذلك قد يدخلها في صراع مع القوات الأمريكية في مناطق شرق الفرات، مما يعقّد علاقاتها مع إدارة بايدن في المرحلة المقبلة.

الدخول الأمريكي على خط التفاوض

انطلق الموقف الأميركي من رؤيته للتوترات الحاصلة حول عين عيسى باعتبارها مرحلية وليست استراتيجية، ولن تغيّر من خطوط التماس التي استقرت بعد عملية "نبع السلام" التركية، وعزّز هذا الموقف حقيقة عدم وجود قوات أمريكية في عين عيسى ومحيطها.

إلا أن الاهتمام الروسي المبالغ به في المنطقة، والخوف من أن تكون عين عيسى بداية لسقوط مناطق عديدة بيد الروس بالتواطؤ مع تركيا، دفع الولايات المتحدة إلى تغيير موقفها، الذي عبَّر عنه قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط فرانك ماكنزي بزيارته للحسكة، ولقائه قائد قوات "قسد" مظلوم عبدي"، وهو تحرُّكٌ حمل رسالة من واشنطن مفادها إيقاف المحادثات مع روسيا لأنها تتعارض مع سياسة واشنطن وطريقة تحركها في الملف السوري.

خلاصة

تعكس التعقيدات الحاصلة حول عين عيسى، وكثرة اللاعبين المنخرطين في الأزمة، صعوبة الموقف الذي تواجهه هذه الأطراف في تقرير مستقبل مناطق شرق الفرات، وحتى الآن لم يتمكن أيٌّ من هذه الأطراف المنخرطة في الصراع من تغيير الوضع الراهن في تلك المنطقة لصالح أي منها، وهذا ما يجعل فكرة القيام بأي عمل عسكري ضمن هذه البيئة أمراً غاية في الصعوبة أمام الجميع.

ولعل هذا ما يرجح احتمالية بقاء الأوضاع على ما هي عليه إلى حين اتضاح صورة سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه المنطقة، دون إلغاء إمكانية القيام بمغامرة من قبل تركيا أو النظام السوري، وخاصة في ظل عدم وجود سياسة أمريكية معلنة وصريحة بخصوص عين عيسى.

أحدث الإيجازات