تاريخياً، كانت العلاقات التركية-الروسية عدائية أو على الأقل غير سلمية، إذ تثير الحروب الروسية (القيصرية)-التركية (العثمانية) ذكريات مريرة بين الجانبين. فعلى مدى خمسة قرون دارت الحروب والمعارك طويلاً بينهما، ومنذ نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي السابق، صار التحول في طبيعة العلاقات التركية-الروسية أمراً لا مفر منه، وبدأت العلاقات الثنائية بين موسكو وأنقرة بالتحسُّن التدريجي مع تسلُّم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين السلطة مطلع عام 2000، ثم تسلُّم حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان الحكم في تركيا عام 2002، وانتهاج الطرفين سياسة خارجية مرنة إزاء بعضهما البعض استهدفت تقليل عوامل التوتر بين البلدين وتعزيز أواصر التعاون في المجالات كافة. وبدأت مغازلة أردوغان غير المتوقعة لبوتين بعدما نجا من محاولة انقلاب فاشلة عام 2016، فيما كانت روسيا تواجه عزلة دولية عقب ضمها شبه جزيرة القرم عام 2014.

ومع هذا، فقد طفى على السطح عددٌ من القضايا محل الخلاف بين الدولتين، والتي تزايدت في الآونة الأخيرة وتشعَّبت بشكل يُمكن القول معه إن علاقات موسكو مع أنقرة قد تخرُج من حالة الدفء النسبي التي شهدتها خلال السنوات القليلة الأخيرة، لتدخُل مرحلة جديدة يسودها البرود والشكوك المتبادلة، إن لم يكُن الاستقطاب والصِّدام.

أهم قضايا الخلاف

باتت تركيا وروسيا منخرطتان في علاقة يمكن وصفها بأنها "تعاون تنافسي" في العديد من الأزمات والقضايا الإقليمية والدولية التالية:

1. إيواء ودعم الإرهابيين في "إدلب" السورية

كانت التزامات تركيا بموجب اتفاقيات "سوتشي" بشأن إدلب تتمحور في ضمان انسحاب الجماعات الإرهابية والأسلحة الثقيلة من المنطقة العازلة. ورغم مرور عامين، فقد فشلت أنقرة في الوفاء بالتزاماتها بموجب التفاهمات المبرمة مع روسيا. وسرعان ما تبدَّد أي أمل في أن تكون تركيا قادرة على "إعادة تأهيل" أو على الأقل "كبح" الأصوليين الإسلاميين في إدلب. وإذا استخدم الإرهابيون، المحصنون بالوجود التركي في إدلب، هذه المنطقة قاعدةً لشن عمليات نشطة ضد قوات حكومة الأسد والبنية التحتية العسكرية الروسية في سوريا؛ فإن نشوب أزمة جديدة بين روسيا وتركيا ستكون مسألة وقت فقط.

2. عمليات تركيا العسكرية ضد الأكراد السوريين

ليس من المستغرب أن يكون لروسيا وتركيا مواقف مختلفة تجاه الأكراد السوريين والدور الذي يرغبون في رؤيتهم يلعبونه في مستقبل البلاد. وحتى الآن، تمكَّنت أنقرة وموسكو من تجنُّب المشاكل بشأن هذه المسألة من خلال "الاتفاق على الاختلاف". ومع ذلك، إذا شنَّت تركيا عملية جديدة واسعة النطاق ضد الأكراد في شمال سوريا، فسيؤدي ذلك حتماً إلى تشكيل الأكراد تحالفاً مع الحكومة السورية، وهو ما ستدعمه موسكو بلا شك (وربما تشجّعه). وقد يؤدي ذلك إلى صدام مباشر بين دمشق وأنقرة في شمال سوريا، مع كل العواقب السلبية التي قد تترتب على العلاقات الروسية-التركية.

3. التدخل التركي في ليبيا

كانت تركيا أحد الأطراف الأجنبية الرئيسة في الحرب الأهلية الليبية منذ البداية. وكان التدخل التركي هو الذي منع المشير خليفة حفتر من الاستيلاء على طرابلس. لكن إذا استمرت أنقرة في تدويل الصراع الليبي من خلال تعزيز وجودها العسكري في البلاد، ومساعدة قوات حكومة الوفاق على تحقيق نصر حاسم على خصومها في المناطق الشرقية والجنوبية، فستواجه مشاكل خطيرة بشكل متزايد، ليس فقط مع روسيا، ولكن أيضاً مع عدد من الدول الأخرى المعنية بالأزمة الليبية بطريقة أو بأخرى، من مصر إلى فرنسا.

4. تصعيد المواجهة مع اليونان في شرق المتوسط

رغم العلاقات التاريخية بين روسيا واليونان، فإن العلاقات بين موسكو وأثينا مضطربة إلى حد ما في الوقت الحالي. لكن من غير المرجح أن تنحاز موسكو إلى جانب أنقرة في النزاع الإقليمي الحالي بين تركيا واليونان. علاوة على ذلك، فإن تطورات قضية ترسيم حدود المناطق الاقتصادية في البحر الأبيض المتوسط، تُشير بوضوح إلى أن تركيا لا تخوض مواجهة ضد اليونان فقط، ولكنها أيضاً تواجه جميع شركاء روسيا وأصدقائها تقريباً في شرق البحر المتوسط. ويمكن أن تؤدي "القضية اليونانية" التي تفاقمت مؤخراً بفعل النشاط التركي في ليبيا وفي مياه شرقي المتوسط، إلى حدوث أزمة جديدة في العلاقات الروسية-التركية.

5. الدعم التركي الكبير لأذربيجان ضد أرمينيا في القوقاز

 لدى روسيا علاقات ودية مع كلٍّ من أرمينيا وأذربيجان، بيد أن شراكتها مع يريفان تحمل صفة أكثر تقدماً، تتجلى في حقيقة أن كلا البلدين عضو في منظمة معاهدة الأمن الجماعي. أما تركيا فهي بالتأكيد تقف إلى جانب أذربيجان، ولا تحتفظ بأي علاقات مع أرمينيا. وفي حين كانت جميع جهود روسيا تستهدف التوصل إلى تسوية سلمية للأزمة من خلال المفاوضات ومنع تصاعد العنف، فإن تركيا، ذهبت لاستعراض قوتها العسكرية فأرسلت وحداتها العسكرية إلى منطقة "ناخيتشيفان" الأذربيجانية، وعزف أردوغان على الوتر القومي، بالقول إن الشعبين الأذري، والتركي، شعب واحد في دولتين، وإن تركيا ستقف إلى جانب أذربيجان حتى النهاية.

6. الدَعْم التركي لجورجيا

في ديسمبر 2019، أعلنت تركيا تخصيص 100 مليون ليرة تركية (حوالي 12 مليون دولار) لوزارة الدفاع الجورجية لإصلاح اللوجيستيات العسكرية في البلاد. يأتي ذلك في أعقاب نمو كبير في نقل القدرات الدفاعية التركية إلى جورجيا خلال عام 2019. ويأتي التعاون العسكري بين أنقرة وتبليسي في إطار صيغة التعاون الثلاثية بين تركيا وجورجيا وأذربيجان؛ ففي ​​مايو 2012، تعهَّدت الدول الثلاث بتوسيع التعليم العسكري والتعاون في مكافحة الإرهاب، بما في ذلك حماية خطوط أنابيب الطاقة والسكك الحديدية، وإجراء مناورات عسكرية مشتركة.   

7. توسيع التعاون التقني العسكري مع أوكرانيا

لطالما كانت لدى روسيا وتركيا وجهتي نظر مختلفة جوهرياً حول أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، لاسيما منذ اندلاع الأزمة الأوكرانية في مارس 2014. فأنقرة لا تعترف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم، ولن تتنازل عن مطالبة روسيا بدور "الحامي" لتتار القرم. وعندما زار الرئيس رجب طيب أردوغان أوكرانيا في فبراير 2020، كشف النقاب عن حزمة مساعدات عسكرية بقيمة 36 مليون دولار لأوكرانيا (توريد طائرات من دون طيار تركية متطورة). ووقع الجانبان اتفاقية إطارية بشأن التعاون التقني في قطاع الدفاع.

8. الترويج للوحدة بين الناطقين بالتركية في روسيا

لم تختفِ أبداً مخاوف القيادة الروسية من احتمال "اختراق" التُّرك في المناطق ذات الأغلبية المسلمة والمتحدثة بالتركية في شمال القوقاز ومنطقة الفولغا. وقد تفاقمت هذه المخاوف بسبب الزيادة الملحوظة في دور الإسلام السياسي في سياسات أردوغان الداخلية (أحد الأمثلة على ذلك هو التغيير الأخير في وضع مسجد آيا صوفيا الكبير في إسطنبول). ويعتقد الكثيرون في روسيا أن تركيا تتحرك أكثر فأكثر بعيداً عن مبادئ كمال أتاتورك العلمانية، مما يعني أن ترويج أنقرة للوحدة التركية سوف يتشابك بشكل متزايد مع الترويج للإسلام السياسي، وسيشكل هذا تحدياً مباشراً لأمن روسيا القومي، وحتى لوحدتها الإقليمية.

المخاطر والتداعيات

ينطوي التنافس والتجاذب بين روسيا وتركيا في القضايا المذكورة على العديد من التداعيات والمخاطر، أهمها ما يلي:

1. احتمال حدوث صدامات عسكرية بين البلدين

إن العلاقات التركية الروسية معقدة للغاية، وإذا كان الطرفان قد نجحا، أقلُّه حتى الآن، في تجاوز الخلاف بشأن سوريا ثم ليبيا، فإن التدخل التركي الكبير في أذربيجان قد يُفجِّر تلك العلاقة. فبوتين الذي ينظر إلى منطقة القوقاز المضطربة على أنها جزء من "الخارج القريب" لروسيا، تقابله نظرة أردوغان إلى أذربيجان بوصفها "دولة شقيقة". كما تعتبر تركيا سوريا جزءاً من "حديقتها الخلفية" التي تتدخل فيها روسيا. ورغم أن دعم تركيا لأذربيجان ليس بالأمر الجديد، لكن إذا شعرت روسيا بالتهديد فيمكنها الانتقام في ليبيا، وعلى الأرجح في سوريا أيضاً. ففي مطلع عام 2020، على سبيل المثال، اتهمت أنقرة موسكو بالتورط المباشر في مقتل أكثر من 30 جندياً تركياً في محافظة إدلب.

2. زيادة حدة الاستقطاب في العديد من الملفات الإقليمية

إن تقديم الدعم السياسي والدبلوماسي لحليف في نزاع ما شيء، وتقديم مساعدة عسكرية واسعة النطاق في ذروة الأعمال العدائية المسلحة شيء آخر تماماً، وهذا النوع من المساعدة يُغير ميزان القوى للأطراف المتحاربة بشكل كبير، ويعطي أملاً زائفاً للأطراف المتصارعة في إمكانية حلّها بسرعة من خلال الوسائل العسكرية، ويجعل توقيع أي اتفاق سلام أكثر صعوبة. فمثلاً، تفاقم التوتر في ليبيا بشكل كبير مؤخراً، إذ إن تركيا تدعم حكومة الوفاق برئاسة السراج، فيما تمد روسيا المشير خليفة حفتر بمقاتلين من جماعة "فاغنر". وفي سوريا، ومنذ أواخر أغسطس 2020، امتنعت القوات الروسية عن تسيير دوريات مشتركة مع القوات التركية في إطار اتفاق وقف إطلاق النار في إدلب الموقّع في موسكو بين تركيا وروسيا في 5 مارس 2020، بسبب تعرُّض تلك الدوريات للهجمات من قبل مجاميع مسلحة تدعمها تركيا.

3. تحسُّن علاقات تركيا مع الغرب

تتوافق استراتيجية تركيا في البحر الأسود والقوقاز، لاسيما استثماراتها في تعزيز دفاعات أوكرانيا وجورجيا، مع الاستراتيجيات الغربية تجاه روسيا، حيث تسعى تركيا في القوقاز في الواقع إلى توسيع وجود الناتو في المنطقة لمواجهة موسكو. وفي حديثه في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا مطلع هذا العام، قال وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو "لا أفهم لماذا لم ندعُ جورجيا لتصبح عضواً (في حلف الناتو).. نحن بحاجة إلى التوسيع ويجب أن تصبح جورجيا عضواً". ويمثل هذا التصريح تحولًا ملحوظًا في نهج تركيا، حيث لم تُبْدِ أنقرة في السابق أي اهتمام قوي بتوسُّع الناتو في جنوب القوقاز.  

خلاصة

لا يبدو أن العلاقة الوثيقة بين الرئيسينِ رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين قد تستمر إلى ما لا نهاية؛ فعلاقة موسكو مع أنقرة أظهرت مع مرور الوقت علامات عدم ثقة متبادلة، رغم أن الطرفين ما انفكَّا يحاولان تعويضها عبر التقدُّم في توثيق علاقاتهما في ملفات أخرى (من قبيل تزويد روسيا تركيا بمنظومة إس-400 الصاروخية الدفاعية المتطورة). وفي الواقع فإن المخاطر في لعبة الدولتين تبدو كبيرة للغاية، ليس فقط بالنسبة لهما، ولكن أيضاً بالنسبة لعدد من المناطق المجاورة حيث تروِّج موسكو وأنقرة لمصالحهما المتعارِضة في كثير من الأحيان، لاسيما في مناطق آسيا الوسطى والقوقاز وشمال أفريقيا.

أحدث الإيجازات