توصلت روسيا وتركيا إلى اتفاق جديد حول الأوضاع في إدلب السورية، في موسكو في 5 مارس 2020. ومع ذلك، فإن نقاط الاتفاق التي تم الإعلان عنها في نهاية المباحثات، حملت العديد من إشارات الاستفهام حول مصيره وإمكانية تطبيقه، وخاصة أن الاتفاق جاء استكمالاً لاتفاق سوتشي المُبرَم في 17 سبتمبر 2018، الذي فشلت الأطراف في تطبيقه، وكان هذا الفشل السبب المباشر في اندلاع جولة الصراع الأخيرة.

اتفاق غامض ومؤقت

نصَّ الاتفاق الذي توصل له الطرفان الروسي والتركي في موسكو، والذي سُمي "البرتوكول الإضافي للمذكرة حول إرساء الاستقرار في منطقة إدلب لخفض التصعيد والمؤرخة بيوم 17 سبتمبر 2018"، على ثلاث نقاط أساسية، هي:

  1. وقْف جميع الأعمال القتالية على خط التماس القائم في منطقة إدلب لخفض التصعيد، اعتباراً من يوم 6 مارس.
  2. إنشاء ممر آمن عرضه 6 كيلومترات شمالاً و6 كيلومترات جنوباً من الطريق الدولي M4 (حلب-اللاذقية) ليتم تنسيق المعايير الدقيقة لعمل الممر الآمن عبر قنوات الاتصال بين وزارتي الدفاع الروسية والتركية في غضون 7 أيام.
  3. بدء الدوريات الروسية-التركية المشتركة يوم 15 مارس 2020 على طول الطريق، من بلدة ترنبة الواقعة على بعد كيلومترين من مدينة سراقب وصولاً إلى بلدة عين الحور.

وتُثير نصوص الاتفاق العديدَ من الأسئلة المتعلقة بالضمانات المتوافرة لاستمرار وقف إطلاق النار، وإمكانية التوصل إلى اتفاق تفصيلي حول الممر الآمن، وما إذا كان الممر منطقةً عازلة وبالتالي يتطلب سحب السلاح الثقيل للمعارضة إلى مسافة 12 كيلومتراً، وهل ستشغل قوات النظام السوري هذه المنطقة أم أنها ستبقى تحت سيطرة فصائل المعارضة بسلاحها الخفيف؟ ثم ما الفصائل التي ستشغّل هذه المنطقة مادامت هي بالأصل تحت سيطرة "هيئة تحرير الشام" التي تسيطر عليها جبهة النصرة؟ وما المعايير الدقيقة لقياس مدى التزام الأطراف، وخاصة أن الآليات الحالية (مركز المصالحة في حميميم، ووزارة الدفاع التركية) منحازة وغير موضوعية ويصعب الاعتماد عليها لمراقبة تطبيق اتفاق شائك في ظل ثقة معدومة بين أطرافه؟

كما أن الاتفاق همّش مجموعةً من القضايا التي أفرزتها جولة الصراع الأخيرة، والتي كانت في صلب تفاوض الفرق الروسية-التركية في مرحلة ما قبل التوصل إلى الاتفاق، وهذه القضايا هي:

  1. مآل نقاط المراقبة التركية، في ظل وجود أكثر من عشر نقاط تحاصرها قوات النظام وحلفاؤه الإيرانيون، وخاصة أن الاتفاق ألغى ترتيبات سوتشي عبر إقراره الواقع الميداني الجديد، وبالتالي انتهاء وظيفة نقاط المراقبة.
  2. لم يتطرق الاتفاق إلى المنطقة الآمنة التي طالبت بها تركيا لجمع اللاجئين فيها، وهل إسقاطها من الاتفاق يعني توافق الطرفين، من دون إعلان، على أن المناطق التي تقع سيطرة تركيا أصبحت هي المنطقة الآمنة؟
  3. انسحاب قوات النظام من المناطق الواقعة خارج اتفاق سوتشي، والتي أصرت تركيا على استعادتها، وكذلك وضع النازحين الذين يُعدون بمئات الآلاف؛ إذ تحدث الاتفاق بشكل عمومي دون ذكر التفاصيل ولا آليات تطبيق عودة النازحين وضمان سلامتهم.
  4. عدم الإشارة في الاتفاق إلى كونه اتفاقاً مؤقتاً، كما حصل في جميع الاتفاقيات السابقة، كما لم يأت الاتفاق على ذكر ما بعده، وهذا معناه تثبيت وجود القوات التركية في إدلب والاعتراف بهذا الوجود.

ولعل هذا ما يدفع إلى القول إن الجهود التي صرفتها وفود الطرفين كانت تركز بالدرجة الأولى على الحيلولة دون انزلاق الوضع في إدلب نحو مواجهة عسكرية بين الطرفين الروسي والتركي، بحسب تقدير أندريه باكلانوف، نائب رئيس رابطة الدبلوماسيين الروس. لذلك لم يكن غريباً وصف مسؤولي الطرفين للاتفاق بأنه "مؤقت"، فقد تجاهل الاتفاق النقاط الحساسة التي كانت سبباً للتوترات، وبدل ذلك حاول الموازنة بين مكاسب ميدانية حققها طرفا الصراع.

العقبات التي تَحُول دون تطبيق الاتفاق

  • يشطُر الممر الآمن مناطق المعارضة إلى نصفين ويجعلها مكشوفة أمنياً وناريّاً من قبل روسيا وقوات النظام، وهو أمر يصعب أن توافق عليه فصائل المعارضة، وبخاصة هيئة تحرير الشام، فضلاً عن أن الاتفاق يعني تسليم جنوب الطريق M4 للنظام، أي تكريس الواقع الجديد.
  • يمتد الممر الآمن على طول 55 كيلومتراً، ويمر ضمن مدن كبرى، وتشير التقديرات إلى أن مساحة هذا الممر تشكل نحو 20 بالمئة من مناطق سيطرة المعارضة، ولم يتضح بعد وضع السكان في هذه المدن.
  • إلزام روسيا لتركيا بمهلة أسبوع لإخلاء الممر من الفصائل، ومنها فصائل متشدّدة، وهو أمر لا يبدو واقعياً.
  • أن الاتفاق أعطى للطرفين، تركيا ونظام الأسد، حقَّ الرد على الاستفزازات وعلى هجمات الطرف الآخر، دون تحديد آلية معالجة النزاعات أو احتوائها، ما يعني أن الاتفاق سوف ينتهي عند أول خلاف قد يحصل من قبل أحد الأطراف.
  • وجود أطراف غير معنية بسريان الاتفاق ووقف النار، مثل التنظيمات المتشدّدة، كهيئة تحرير الشام التي اعترضت على الاتفاق، وكذلك الميليشيات الإيرانية في الطرف المقابل التي تقوم بتحشيدات كبيرة في المنطقة.
  • بقاء الديناميات التي فجرت الاتفاقيات السابقة دون تغيير؛ فالنظام لا يزال يُصر على استرجاع كامل منطقة إدلب، والتنظيمات المتشدّدة لا تزال موجودة بقوتها.
  • حالة عدم الثقة التي ضربت العلاقة الروسية-التركية، والتي تكرست أثناء جولة الصراع؛ فرغم وصول الطرفين إلى الاتفاق المشار إليه، فإن الحشود العسكرية للطرفين مازالت متواصلة.
  • التفسيرات المتناقضة للطرفين، في ظل الغموض والعمومية في نصوص الاتفاق.

دوافع الطرفين لعقد الاتفاق

يمكن تفسير الدوافع الروسية من وراء عقد الاتفاق بالآتي:

  • حققت روسيا أهدافها، وهي الحفاظ على صيغة أستانا وبقاء تركيا كغطاء لها، في مواجهة الحملة التي شنتها الدول الغربية ضد اتفاقات آستانا.
  • تثبيت مناطق سيطرة النظام في أرياف حلب وإدلب، وإرغام تركيا على القبول بهذا الواقع.
  • نقل الأزمة إلى مناطق المعارضة وتركيا، لقناعة روسيا أن تركيا لن تستطيع تنفيذ التزامها وستصطدم بالمعارضة.
  • لا يريد بوتين أن يشكل تشدده تجاه تركيا فرصةً لتشكيل موقف غربي ضده، فهو متلائم مع الموقف المفكّك والمنقسم للدول الغربية تجاه روسيا.
  • إدراك بوتين، ومن خلال خبرته في الحرب السورية، أن الهُدن تضعف حماس الفصائل، وخاصة في تحشيد العناصر، وتربك خططها القتالية.

أما الدوافع التركية فهي:

  • إدراك تركيا أن العودة إلى حدود اتفاق سوتشي لعام 2018 مستحيل، وأن الموافقة على ما عرضته عليها روسيا سيُجنِّبها خسائر أكبر مستقبلاً.
  • توصل تركيا إلى قناعة أن الولايات المتحدة وحلف الناتو لن يدعماها في هذه الحرب، وأن الأحداث تتطوّر بسرعة، ولا وقت للتفاهم على صيغة معينة للتعاون مع الغرب.
  • شرّع الاتفاق الوجود التركي في إدلب، من خلال اعترافه بحق تركيا في الرد إذا تعرض جنودها للاعتداء.

السيناريوهات المحتملة بشأن مستقبل الأوضاع في إدلب

1. فشل تطبيق الاتفاق والعودة إلى الصراع؛ إذ ينطوي الاتفاق على مشاكل يصعب حلها، فهو يرتب التزامات على تركيا لا تستطيع الإيفاء بها، وخاصة فيما يتعلق بالممر الآمن الذي رفضته الفصائل المتشدّدة لخطورته على مواقعها ووضعها، كما تبرز إيران طرفاً معرقلاً لاتفاق لم تُستَشر به رغم ما تكبدته من خسائر كبيرة. وهذا السيناريو هو الأكثر قُرْباً للواقع، وخاصة أن نجاح الاتفاق وتشغيله مرهون بمدى زمني محدود لا يبدو أن تركيا قادرة على تنفيذ استحقاقاته.

2. المماطلة في تنفيذ الاتفاق، ومنح روسيا مُهَلاً جديدة لتركيا؛ كما حصل بالنسبة لتطبيق اتفاق المنطقة العازلة الذي نص عليه اتفاق سوتشي عام 2018. وما قد يدفع روسيا إلى قبول هذا الوضع رغبتها في عدم الصدام المباشر مع تركيا، وانتظار هدوء عاصفة النقد الغربي لروسيا. وفي هذه الحالة قد تلجأ روسيا، بعد فترة محدودة، إلى قضم مناطق المعارضة جنوب الطريق M4، الذي أعطاها الاتفاق حق الإشراف عليه، عبر عملية سريعة لا تثير الانتقادات ضدها.

3. نشوب صراع بين تركيا والفصائل المتشدّدة؛ وخاصة أن فصائل المعارضة تتهم هيئة تحرير الشام بتسليم أغلب المناطق التي سيطرت عليها قوات الأسد من دون قتال، بالإضافة إلى اتهامها بأنها تشكّل ذريعة لروسيا للسيطرة على ما تبقى من إدلب تحت سيطرة المعارضة.

خلاصة واستنتاجات

فرضت مصلحةُ الطرفين الروسي والتركي في عدم تصعيد الصراع في إدلب إلى مواجهة مباشرة بينهما، التوصلَ إلى وقف إطلاق نار "مؤقت وغير شامل"، والذي هو بمنزلة تكريس للأمر الواقع ميدانياً. لكن الاتفاق لا يُتوقع له الصمود في ظل أنه يحمل في ثناياه صواعق تفجيره، إضافة إلى التناقض الكبير بين أهداف الطرفين التركي والروسي، ومن خلفهما الأطراف السورية.   

 

أحدث الإيجازات