مخاطر تمدُّد تنظيم "داعش" في السودان

مركز الإمارات للسياسات | 30 يناير 2020

أعلنت أجهزةُ الأمن السودانية في 6 ديسمبر 2019 إحباطَ عملية تسلل لعناصر إرهابية عبر الحدود مع تشاد، وقامت بتسليمهم للحكومة التشادية[i]. وجاءت هذه التطوَّرات بعد إعلان الحكومة الانتقالية، التي تم تنصيبها في سبتمبر 2019، إغلاقَ الحدود مع دول الجوار، لاسيما ليبيا وأفريقيا الوسطى[ii]، وقد جاء ذلك عقب تحذيرات من جهات داخلية وخارجية من تمدد "داعش" في السودان[iii]، في وقتٍ تواجه فيه الحكومة العديد من التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، يأتي على رأسها قضية رفع اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب.

وفي ضوء هذه التطوَّرات تسعى هذه الورقة إلى رصد حدود الوجود التنظيمي والجغرافي لتنظيم داعش في السودان، وتُنبِّه إلى مخاطر تمدُّده.

حدود وجود تنظيم "داعش" في السودان

  • أبدى تنظيم "داعش" اهتماماً متزايداً بالسودان عقب سقوط نظام البشير؛ حيث أشار أبوبكر البغدادي، أمير التنظيم السابق، في أبريل 2019 إلى السودان باعتباره ساحة معركة مستقبلية[iv]. ونقلت بعض التقارير عن مؤسسة الوفاء الموالية للتنظيم رسالة للتنظيم عبر موقع التليجرام جاءت تحت عنوان "نداء إلى أهل السودان من الداخل منها وإليها"، دعت فيها أنصار التنظيم إلى اغتنام الفرصة لإقامة "الدولة الإسلامية"[v]؛ حيث يعمل التنظيم على إقامة ما أسماه "إمارة الحبشة"، التي تضم السودان ودول شرق أفريقيا.
  • أشار تقرير الخارجية الأمريكية عام 2019 إلى وجود التنظيم في السودان وحذّر من تمدُّد نشاطه، كما رصد محاولاته تنفيذ عمليات إرهابية؛ لاسيما بعد طعن داعشي لضابط شرطة سوداني كان يحرس السفارة الأمريكية في يناير 2018، وإنقاذ امرأة شابة بعد تجنيدها من قبل داعش في يونيو 2018[vi].
  • أشار وزير الشؤون الدينية والأوقاف في الحكومة الانتقالية في السودان إلى أن وجود التنظيم في السودان لايزال يتمثل في عدد محدود من الأفراد المتطرفين[vii]. وذلك برغم وجود عدد كبير من السودانيين في صفوف "داعش" و"بوكوحرام"[viii]، بما يصل إلى حوالي ثلاثة آلاف سوداني منذ عام 2016 بحسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة[ix]، عاد منهم إلى السودان بضع عشرات.
  • جغرافياً يتركز وجود داعش في الخرطوم متمثلاً في بعض الجماعات الجهادية التي أعلنت مبايعتها للتنظيم، مثل جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة[x]، وتيار الأمة الواحدة بقيادة محمد علي عبد الله الجزولي[xi] رئيس حزب دولة القانون والتنمية[xii]، وعدد محدود من الإخوان المسلمين الذين بايعوا الداعشي عبد الحي يوسف أميراً للمؤمنين[xiii].

مُحفِّزات التمدُّد

برغم الوجود التنظيمي والجغرافي المحدود لداعش في السودان حتى الآن، لا يمكن القول إن البيئة الأمنية ستكون خالية من المخاطر في ضوء العوامل التالية: 

1. البيئة الحاضنة للفكر الجهادي؛ حيث ازدهرت أنشطة السلفية الجهادية خلال فترة حكم البشير (1989-2019)، وقامت هذه الجماعات بتنفيذ هجمات إرهابية في المساجد وأجزاء مختلفة من السودان[xiv]. وانتشرت الأفكار التكفيرية بدرجة أكبر بعد أن أصبح السودان ملاذاً آمناً للتنظيمات الإرهابية مثل تنظيم القاعدة، حين أقام أسامة بن لادن في السودان لأكثر من خمس سنوات خلال التسعينيات من القرن الماضي[xv]. وامتدت هذه التيارات التكفيرية لتشمل الخرطوم وبعض المناطق الأخرى مثل أبو قوتة في ولاية الجزيرة، والفاو شرق السودان، والدمازين وكوستي.

2. احتمالات عودة المقاتلين السودانيين في صفوف "داعش" في ظل هزائم التنظيم في سوريا والعراق وليبيا؛ وكان السودان قد أعلن عن إعادة العديد من الداعشيات من ليبيا، فضلاً عن وجود العديد من العناصر السودانية في مراكز الاعتقال في مصراتة[xvi].

3. لاتزال الميليشيات والتنظيمات المرتبطة بالإخوان المسلمين تشكل تهديداً إرهابياً، وخاصة أن بعضها -خاصة ميليشيات الدفاع الشعبي- تعتنق الفكر السلفي الجهادي، وقد هددت بشن حرب على الدولة بعد إقرار قوانين تقضي بتفكيك النظام السابق[xvii]، كما تُعد هذه الميليشيات هدفاً لداعش لتوسيع نشاطه داخل السودان[xviii].

4. تواجه الحكومة الانتقالية العديدَ من التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تؤثر بلا شك على جهودها في مكافحة الإرهاب، لاسيما أن سيطرتها الأمنية لا تزال محدودة في ظل سيطرة العديد من الجماعات المسلحة على بعض المناطق، لاسيما دارفور ومنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق[xix]. فضلاً عن معضلات إدارة المرحلة الانتقالية، وعدم استكمال المؤسسات الانتقالية مثل المجلس التشريعي واختيار حكام الولايات حتى الآن[xx]، واستمرار العقوبات الأمريكية التي أدت إلى مزيد من الضغوط الاقتصادية مع تزايد معدلات الفقر والبطالة، وهو ما يتوقع معه استمرار الاحتجاجات والاشتباكات القبلية وأعمال العنف على المستوى المجتمعي[xxi]. بينما تظل مسألة حماية الاقتصاد السوداني من الانهيار وتحقيق الإصلاح الاقتصادي أمراً ضرورياً لبناء سلام دائم[xxii].

5. تمثل الحدود الرخوة بين دول المنطقة معبراً لحركة المقاتلين من "داعش"، وتقوم شبكة تدعى "مجافي Magafe " بتجارة البشر وتهريب العناصر الإرهابية من الصومال وكينيا إلى ليبيا، وقد اعتبرتها سلطات الأمن الكينية الوسيطَ الرئيس للكينيين الذين يرغبون في الانضمام إلى "داعش" في ليبيا عبر السودان[xxiii]. ويتأثر الجزء الشرقي من السودان، لاسيما ولايتي كسلا والقضارف بالهجرة غير الشرعية التي ترتبط بعمليات التجنيد وإرسال المقاتلين إلى "داعش". بينما يلاحظ أن عمليات التجنيد في الولايات الجنوبية وخاصة في ولاية النيل الأبيض قد ارتبطت بوجود قبائل الفلاتة؛ حيث تنشط حركة بوكوحرام بين هذه القبائل[xxiv]. وتشير تقارير إلى وجود اتصالات بين منشقين عن حركة الشباب في الصومال وخلايا داعش النائمة في السودان[xxv]. وقد تم اعتقال العديد من عناصر "داعش" التي حاولت العبور إلى السودان عبر ولاية شمال بحر الغزال[xxvi]. كما يبدو النظام التشادي محاطاً بالتنظيمات الارهابية سواء في منطقة الساحل أو الجنوب الليبي، ويشتبك أيضاً في معارك شرسة مع "داعش" حول بحيرة تشاد.

المخاطر

  • سوف يؤدي وجود "داعش" في السودان إلى تمدده في منطقة شرق القارة وربطها بغربها، وخاصة بعد أن أعلنت أجهزة الأمن الإثيوبية في سبتمبر الماضي ضبط خلية لداعش[xxvii]، بينما أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عن دور الداعشية حليمة عدنان علي في تمويل التنظيم من كينيا[xxviii]، فضلاً عن ربط التنظيم في ليبيا بالعمق الأفريقي، لاسيما داعش في وسط وجنوب القارة.
  • تسهيل حصول داعش على الدعم اللوجستي؛ لاسيما الإمداد بالأسلحة والذخيرة، التي يمكن الحصول عليها من خلال الاتصال بجماعات الجريمة المنظمة وشبكات تهريب السلاح. وقد وثّقت تقارير عدة حركة الأسلحة والذخيرة والعناصر المسلحة من السودان إلى الساحل. وأشارت إلى التدفقات المالية وغسل الأموال في السودان المرتبط بعمليات تهريب البشر عبر القرن الأفريقي[xxix].
  • الحصول على موطئ قدم على البحر الأحمر[xxx] وفتح ممر من البحر إلى المحيط الأطلسي، ما يمكّن داعش من استهداف حركة التجارة والملاحة الدولية في البحر الأحمر، ويشكل خطراً على الدول المُشاطِئَة لهذه الممرات المائية المهمة والقريبة منها. 

خلاصة

يمثل تنظيم داعش تهديداً جديداً لأمن السودان واستقراره، لاسيما في ظل المرحلة الانتقالية التي تعيشها البلاد، ويتطلب هذا الخطر استجابة أكبر وأكثر فعالية من قبل الحكومة السودانية والقوى الإقليمية والدولية التي تدعم مسار الانتقال السياسي الحالي، ويتطلب التعاطي مع هذا التهديد دعم الحكومة السودانية في محاربة التنظيمات الجهادية، وبخاصة على مستوى الدعم المعلوماتي والمساهمة في بلورة استراتيجيات للمكافحة، وتعزيز جهود الحكومة الانتقالية للتوصل إلى اتفاق سلام دائم مع الحركات المسلحة. كما تكتسب عملية دفع مشروعات التنمية في الولايات المختلفة في السودان أهميةً خاصة في محاربة تمدد "داعش" وغيره من التنظيمات المتطرفة؛ فمشروعات التنمية ستعمل على القضاء على الأمية والبطالة والفقر، وستساعد على تجفيف البيئة الحاضنة للإرهاب.

الهوامش

[i]  "السودان: القبض على 6 عناصر تابعين لـ«بوكو حرام» وتسليمهم لتشاد"، الشرق الأوسط، 6/12/2019، متاح على الرابط التالي: https://aawsat.com/home/article/202289

[ii]  "السودان يعلن إغلاق حدوده مع ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى بسبب مخاوف أمنية"، الشرق الأوسط، 26/9/2019، متاح على الرابط التالي: https://aawsat.com/home/article/1920216

[iii] United States Department of State:  Reports on Terrorism 2018, United States Department of State Publication ,October 2019, p.213

[iv] "It’s time for the United States to lead (again) on Sudan," Atlantic Council, 17/5/2019, available at; https://www.atlanticcouncil.org/blogs/new-atlanticist/it-s-time-for-the-united-states-to-lead-again-on-sudan/

[v]  "داعش يوجه أنظاره نحو السودان"، أمان، 19/4/2019، متاح على الرابط التالي:https://www.aman-dostor.org/20465

[vi] United States Department of State:  Reports on Terrorism 2018, United States Department of State Publication ,October 2019, p.213

[vii]  "وزير الشؤون الدينية والأوقاف السوداني: لا يوجد «دواعش» في السودان بل متطرفون"، الشرق الأوسط، متاح على الرابط التالي: https://aawsat.com/home/article/1973856

[viii]  "جهاز الأمن يستعيد (10) سودانيين من صفوف داعش بليبيا"، المركز السوداني للخدمات الصحفية، 5/4 /2018، متاح على الرابط التالي: http://smc.sd/%d8%ac%d9%87%d8%a7%d8%b2-%d وأنظر أيضاً: "الخارجية تتسلم (5) من أطفال “داعش” بسوريا"، المركز السوداني للخدمات الصحفية، 22/4/2019، متاح على الرابط التالي: http://smc.sd/%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8

[ix] Salma Mohamed Abdalmunim Abdalla, Fighting the Enemies of God: the Rise of and the Response to Violent Extremism in Sudan, JD Journal for Deradicalization ,September 27, 2019, p.79.

[x] Ideam.

[xi] Suliman Baldo, “With Friends Like These  Strong Benchmarks for Next Phase of U.S.-Sudan Relations”, The Enough Project , February 2018, p. 8,9

[xii]  "لا مرحب برئاسة داعمة لداعش"، السودان اليوم، 23/11/2019 ، متاح على الرابط التالي: https://alsudanalyoum.com/%D9%84%D8%A7-%D

[xiii]  "فلول النظام البائد تبايع الداعشي عبد الحي يوسف …وعبد الرحمن الخضر .. تفاصيل الهروب كاملة"، موقع حركة العدل والمساواة، 12/10/2019، متاح على الرابط التالي: https://sudanjem.com/2019/10/%

[xiv] Salma Mohamed Abdalmunim Abdalla, op.cit, pp. 85-87.

[xv] Ibid, p. 88.

[xvi] Joana Cook and Gina Vale: From Daesh  to ‘Diaspora’: Tracing the Women  and Minors  of Islamic State, London: King’s College London Strand,2018, p.37

[xvii]  "ميليشا الدفاع الشعبي تهدد مجدداً وتعلن انتظار ساعة الصفر لتنفيذ ما أسمته بالمعركة الفاصلة "، المشهد السوداني، متاح على الرابط التالي: https://almashhadalsudani.com/sudan-news/sudan-today/13761

[xviii]  "ميليشيا الدفاع الشعبي تهدّد بحرق السودان"، 9/11/2019"، الشرق الأوسط، متاح على الرابط التالي:https://aawsat.com/home/article/198303

[xix]  "تعليق المفاوضات السودانية في جوبا بعد الاختلاف حول علمانية الدولة"، الشرق الأوسط، 27/12/2019، متاح على الرابط التالي: https://aawsat.com/home/article/2054361

[xx]  "(الثورية) تحذر من تسمية الولاة ونواب البرلمان قبل التوصل لاتفاق سلام"، السودان تربيون، 5/11/2019، متاح على الرابط التالي: https://www.sudantribune.net/%D8

[xxi] HORN International Institute for Strategic Studies, "Crisis in Sudan: Pathways to Stability," Horn policy Brief. No. 22 , September 2, 2019, p.2

[xxii]  أحمد سليمان، "حوارات أصحاب المصلحة في السودان: خيارات لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والانتعاش والنمو الشامل"، برنامج أفريقيا، تشاتام هاوس (المعهد الملكي للشؤون الدولية)، أكتوبر 2019، ص. 10

[xxiii] European Institute of Peace (EIP), ”The Islamic State in East Africa”, Brussels ,September 2018 ,p.42

[xxiv] UNDP Resident Representative in Sudan and Sudan National Commission for Counter Terrorism (SNCCT), Violent Extremism in Sudan: an Evidence-Based Study, 2017,p.46

[xxv] European Institute of Peace (EIP) ,op.cit, p.41

[xxvi] Anna Louise Strachan: “Violent extremism in South Sudan”, K4D Helpdesk Report 533, (Brighton, UK: Institute of Development Studies, 2019), p.3.

[xxvii] ”Ethiopia says it detains suspected Islamist militants planning attacks,” Ruters, 21/9/2019, available at; https://www.reuters.com/article/us-ethiopia-violence/ethiopia-says-it-detains-suspected-islamist-militants-planning-attacks-idUSKBN1W60MS

[xxviii] U.S Department of Treasury: Treasury Designates Key Nodes of ISIS’s Financial Network Stretching Across the Middle East, Europe, and East Africa,15/4/2019, available at; https://home.treasury.gov/news/press-releases/sm657

[xxix] Suliman Baldo, op.cit, p.12

أحدث الإيجازات