وقَّعت 15 دولة من منطقة آسيا والمحيط الهادئ في 15 نوفمبر 2020 على أكبر اتفاق للتجارة الحرة في العالم تحت عنوان "اتفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة"، ويهدف الاتفاق إلى إنشاء أكبر تكتل تجاري عالمي يُغطِّي تقريباً ثُلث سكان العالم، ونحو ثُلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

ونظراً لأهمية هذه الاتفاقية وقدرتها على تعظيم دور الدول المشاركة بها - وعلى رأسها الصين- في الاقتصاد الدولي وحركة التجارة الدولية، تُسلِّط هذه الورقة الضوء على مضمون الاتفاقية وتُحلِّل دلالاتها وأهم التداعيات المترتبة عليها، والتوقعات المستقبلية لما قد تُسفر عنها من ترتيبات جديدة في حركة التجارة العالمية.

مضمون الاتفاقية

يجمع الاتفاق بين الصين واليابان وكوريا الجنوبية ضمن شراكة تجارية واحدة للمرة الأولى على الإطلاق، وهو ما وصفته بكين بـ "الإنجاز التاريخي"، وستقوم الدول الأعضاء بخفض الرسوم الجمركية تدريجياً على ما يزيد عن 65% من البضائع، وتوحيد القواعد الحاكمة للتجارة الإلكترونية وحقوق الملكية الفكرية والخدمات المالية بينها. ويتعين التصديق على الاتفاق من قبل ما لا يقل عن 6 من الدول الأعضاء برابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان)، وثلاث دول من خارج الرابطة قبل البدء في تنفيذها.[i] وقد تم إطلاق اتفاق "الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة" لأول مرة في عام 2012، وكان من المقرر أن توقِّع عليه الهند لكنها انسحبت عام 2019 بسبب مخاوف بشأن دخول البضائع الصينية الرخيصة إلى البلاد.

ويشمل الاتفاق حوالي 2.1 مليار نسمة، ويمثل أعضاؤه نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ويهدف الاتفاق إلى خفض التعريفات وفتح التجارة في قطاع الخدمات وتشجيع الاستثمار لمساعدة الاقتصادات الناشئة على اللحاق ببقية العالم. ومن المتوقع أن تكون الصين من المستفيدين الرئيسين من اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، بمكاسب محتملة تصل إلى 85 مليار دولار لناتجها المحلي الإجمالي.[ii]

الدلالات

يُعد اتفاق "الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة" بمثابة تحوّل في مساعي الصين لتوسيع نفوذها في جميع أنحاء منطقة جنوب شرقي آسيا والمحيط الهادئ، ويؤشر إلى هيمنتها في مجال التجارة الآسيوية، ويُنظر إلى الاتفاق على أنه وسيلة للصين لوضع قواعد التجارة في المنطقة، بعد أن غابت الولايات المتحدة عن هذه الاتفاقية، وانسحابها من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ، وهو الاتفاق الذي جعل الصين تمضي قُدُماً في اتفاقية الشراكة الإقليمية من أجل منافسة الاتفاق الأمريكي الجديد الذي انسحبت منه إدارة ترامب.

وبهذا، تجد الولايات المتحدة نفسها خارج تكتلين تجاريين هما الأكبر عالمياً ومتركزين في أسرع المناطق في العالم نمواً. وقد توقعت وكالة بلومبيرغ أن تتفوق الصين على الولايات المتحدة لتصبح القوة الاقتصادية وأيضاً السياسية الأولى في العالم بحلول 2035، وأن صعود الصين، وربما الهند بعد ذلك، يعني أن الأسواق الناشئة ستُسيطر على مساهمة العالم المتقدِّم في الاقتصاد العالمي بحلول عام 2042.[iii]

ويُعتَبر تسريع التوقيع على الاتفاق أحد تأثيرات جائحة كورونا على الاقتصاد والتجارة في المنطقة، حيث شهدت إندونيسيا أول ركود منذ عقدين، بينما تراجع الاقتصاد الفلبيني إلى 11.5% خلال الربع الثاني من عام 2020، مما أدى إلى تعزيز قناعة قادة دول المنطقة بأهمية التعاون والتحرك في إطار جماعي تعاوني (ولو على المديين القريب والمتوسط) وتذليل العقبات أمام حركة التجارة لتقلل تداعيات الجائحة على اقتصاداتها المحلية.[iv]

التداعيات

من شأن الاتفاق أن يُخفِّض التكاليف ويُسهِّل العمل على الشركات عبر السماح لها بتصدير المنتجات إلى أي بلد ضمن التكتل دون الحاجة للإيفاء بالمتطلبات المنفصلة لكل دولة. كما يتطرق الاتفاق إلى الملكية الفكرية، لكنه لا يشمل حماية البيئة وحقوق العمال.[v]

وسيُؤدي الاتفاق إلى تعزيز العلاقات التجارية للصين مع الدول المجاورة، وسيقوي من مكانتها كقوة عالمية كبرى، ويُرسِّخ طموحاتها الجيوسياسية الإقليمية الأوسع حيال مبادرة الحزام والطريق. كما سيُساعِد اتفاقُ الشراكة الاقتصادية الصينَ على تقليص الاعتماد على أسواق وتكنولوجيا الخارج، خاصةً بعد الخلاف الذي حدث بين العديد من شركات التكنولوجيا الصينية والحكومة الأمريكية مؤخراً.[vi]

خلاصة وتوقُّعات

استغلت الصين التراجُع الأمريكي في التعاطي مع اتفاقيات التجارة الحرة في تدعيم نفوذها في هذا المجال عبر توقيع اتفاق استراتيجي مهم بالنسبة للصين، وعلى الرغم من أنه سيكون في إمكان الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات الاستفادة من اتفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة عبر فروعها في عدد من الدول المنخرطة فيه، إلا أن الاتفاق قد يدفع الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن لإعادة النظر في انخراط واشنطن في المنطقة، والنظر في الميزات المحتملة للانضمام إلى اتفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، لكن لا يتوقع أن تُمنَح هذه المسألة أولوية، نظراً لردود الفعل السلبية الواسعة على مفاوضات اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ من قبل فئات عديدة من الناخبين الأمريكيين جراء المخاوف المرتبطة بخسارة الوظائف لمصلحة دول آسيوية مُنافِسَة.

والأرجح أن الحرص الصيني على تدعيم التعاون التجاري مع شركاء جدد في المنطقة، وتحقيق تعاون تاريخي مع اليابان وكوريا الجنوبية، سيزيدانِ من إصرار بيجين على إنجاح الاتفاقية والاستفادة من الظروف الحالية الخاصة بتأثيرات جائحة كورونا لوضع ترتيبات جديدة في سوق التجارة العالمي بما يضمن تَصدُّر الصين للمشهد بعد أن تستقر أوضاع الاقتصاد العالمي على المديين القريب والمتوسط.

الهوامش والمصادر

[i] SUMMARY OF THE REGIONAL COMPREHENSIVE ECONOMIC PARTNERSHIP AGREEMENT, available at: https://asean.org/storage/2020/11/Summary-of-the-RCEP-Agreement.pdf, access on: 18-11-2020.

[ii] RCEP: A new trade agreement that will shape global economics and politics, available at: https://www.brookings.edu/blog/order-from-chaos/2020/11/16/rcep-a-new-trade-agreement-that-will-shape-global-economics-and-politics/, access on: 18-11-2020.

[iii] 15 countries just signed the world’s largest trade pact. The U.S. isn’t one of them, available at: washingtonpost.com/politics/2020/11/16/15-countries-just-signed-worlds-largest-trade-pact-us-isnt-one-them/, access on: 18-11-2020.

[iv] The RCEP Signing and Its Implications, available at: https://www.cfr.org/blog/rcep-signing-and-its-implications, access on: 18-11-2020.

[v] RCEP: Asia-Pacific countries form world's largest trading bloc, available at: https://www.bbc.com/news/world-asia-54949260, access on: 18-11-2020.

[vi] Regional Comprehensive Economic Partnership (RCEP), available at: https://www.investopedia.com/terms/r/regional-comprehensive-economic-partnership-rcep.asp, access on: 18-11-2020.

 

أحدث الإيجازات