أعلن الرئيس دونالد ترامب في 26 سبتمبر الجاري عن ترشيحه القاضية المحافظة إيمي كوني باريت لعضوية المحكمة العليا الأمريكية خلفاً للقاضية الليبرالية المتوفية روث بادر غينسبورغ، ليُثير بذلك معركة محتدمة داخل مجلس الشيوخ ذو الأغلبية الجمهورية، في ظل معارضة الديمقراطيين الشديدة لترشيحه قاضية لشغل المنصب الشاغر بالمحكمة خلال الاستحقاق الانتخابي، باعتبار أن ذلك من حق الرئيس الفائز في الانتخابات المقبلة. 

ويُضفي الصدام المتصاعد على المقعد الشاغر بالمحكمة بُعداً جديداً على السباق الرئاسي المشتعل بين الرئيس الساعي للفوز بولاية رئاسية ثانية، والمرشح الديمقراطي جو بايدن، قبل ما يزيد قليلاً عن شهر من إجراء الانتخابات الرئاسية، في ظل استمرار معاناة الولايات المتحدة من جائحة كوفيد-19، وتجاوز عدد الوفيات جراء الإصابة بالفيروس حاجز 200 ألف أمريكي، واستفحال أزمة الاقتصاد، وتنامي أعداد العاطلين عن العمل الذين أصبحوا يقدرون بالملايين، علاوةً على التوترات الحزبية المتزايدة.

ويتصاعد الجدل السياسي والانتخابي حول ترشيح الرئيس ترامب للقاضية المحافظة باريت لشغل المنصب الشاغر بالمحكمة العليا قبل الانتخابات الرئاسية؛ لكونها أعلى سلطة قضائية في الولايات المتحدة، وهي التي لها سلطة الفصل في النزاعات الدستورية والتشريعية، والقضايا الاجتماعية التي ينقسم حولها الأمريكيون، مثل: الإجهاض، وحقوق المهاجرين، وحق حمل السلاح. وللمحكمة أيضاً القول الفصل في النزاعات المتعلقة بنتائج الانتخابات الرئاسية، على غرار ما حدث في الانتخابات الرئاسية لعام 2000، والتي انتهت بفوز المرشح الجمهوري آنذاك جورج دبليو بوش.

تأييد جمهوري لشغل المنصب

على عكس القاعدة التي اتبعها الجمهوريون في مجلس الشيوخ خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2016 عندما رفضوا تعيين الرئيس السابق باراك أوباما للقاضي ميريك جارلاند بالمحكمة العليا خلفاً للقاضي أنطونين سكاليا بعد وفاته قبل عشرة أشهر من موعد الانتخابات بحجة انتظار نتائجها، وأن الفائز فيها هو من يقوم بالترشيح، يؤيد الجمهوريون هذه المرة تولية القاضية باريت التي رشحها الرئيس الأمريكي لشغل المنصب الشاغر بالمحكمة بعد وفاة غينسبورغ، والموافقة على تعيينها قبل 3 نوفمبر المقبل؛ لأن المجلس أمامه الكثير من الوقت لإنهاء إجراءات الموافقة على القاضية، ورفض غالبيتهم تأجيل التصويت إلى ما بعد الانتخابات طالما يُسيطر حزبهم حالياً على البيت الأبيض ومجلس الشيوخ.

وقال السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام، الرئيس الحالي للجنة القضائية بمجلس الشيوخ التي ستعقد جلسة استماع للقاضية باريت قبل الموافقة عليها، في مقابلة مع قناة "فوكس نيوز" (الموالية للرئيس الأمريكي) إنه واثق من وجود دعم جمهوري كاف لتأكيد مرشحة ترامب قبل 3 نوفمبر، لا سيما مع تمتع الحزب بالأغلبية داخل المجلس (53 مقعداً) مقابل 47 للحزب الديمقراطي. ويتم الموافقة على ترشيحات الرئيس لشغل مناصب عليها ومنها مرشحيه للمحكمة العليا بالأغلبية البسيطة (51 صوتاً).

وتتزايد فُرَص موافقة المجلس على تعيين القاضية باريت لشغل المنصب الشاغر بالمحكمة بعد وفاة غينسبورغ في ظل تأييد معظم الأعضاء الجمهوريين بالمجلس، وفي مقدمتهم السيناتور الجمهوري ميت رومني، أحد أبرز مُنتقدي الرئيس ترامب، والجمهوري الوحيد الذي صوَّت على عزل الرئيس بالمجلس في بدايات العام الجاري، والذي أعلن أنه لن يُعارِض تصويت مجلس الشيوخ على مُرشَّحة ترامب للمحكمة العليا قبل الانتخابات الرئاسية. وذلك رغم إعلان اثنين من الجمهوريين بالمجلس (السيناتور سوزان كولينز والسيناتور ليزا موركوفسكي) أنهما تُعارِضان قبول ترشيح ترامب قاضية لشغل المنصب الشاغر بالمحكمة العليا الأمريكية في هذا الوقت. لكن لا يوجد آخرون في الأفق على استعداد للوقوف في طريق أولوية الحزب العليا.

مخاوف الديمقراطيين وخياراتهم

تثير خطوات الرئيس الأمريكي وحزبه الجمهوري الحثيثة لتعيين قاضية مُحافِظة ستشغل منصبها مدى الحياة في المحكمة العليا قبل الانتخابات الرئاسية فزغ الديمقراطيين، لكونهم لا يستطيعون إيقاف تعيينها. ولهذا فإنهم ينتقدون، وفي مقدمتهم مُرشَّحهم للانتخابات الرئاسية المقبلة، شروع الأعضاء الجمهوريين بمجلس الشيوخ في إجراءات الموافقة على القاضية باريت قبل موعد الانتخابات، بعد تخليهم عن الأسس التي حكمت موقفهم من ترشيح الرئيس أوباما قاضٍ لشغل منصب شاغر بالمحكمة خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2016. فبعد دقائق من إعلان الرئيس ترامب عن مرشحته للمنصب، دعا جو بايدن مجلس الشيوخ إلى عدم البتّ في تعيين القاضية باريت في المحكمة العليا قبل الاستحقاق الرئاسي، وقبل أن يختار الأمريكيون رئيسهم وأعضاء الكونجرس المقبل.

ويتخوَّف الديمقراطيون من أن تعزز موافقة مجلس الشيوخ ذي الأغلبية الجمهورية على تعيين القاضية المحافظة من سيطرة المحافظين لمدة عقد كامل أو أكثر على المحكمة العليا، وهو الأمر الذي سيكون له تداعيات مهمة على القضايا الاجتماعية والدستورية التي ستنظر فيها، لاسيما تلك التي يدعمها الديمقراطيون ويُعارضها التيار المحافظ مثل قضية حق المرأة في الإجهاض، وبرنامج أوباما كير للرعاية الصحية، وقضية حمل السلاح المنصوص عليه في الدستور، ومعارضة القوانين التي تفرض قيوداً عليه.

وفي ردٍّ على الخطوة الديمقراطية، قالت رئيسة مجلس النواب خلال لقاء تليفزيوني "لدينا خياراتنا. لدينا سهام في جُعبتنا، والتي لَسْتُ على وشك مناقشتها الآن". ومن تلك الخيارات شروع المجلس في إجراءات عزل المدعي العام وليام بار (وزير العدل)، أو السعي إلى عزل ترامب مرة أخري باعتبار ذلك تكتيكاً لتأخير دعم مجلس الشيوخ لمرشحة ترامب للمحكمة العليا.

وقد هدَّد بعض الديمقراطيين بخيار زيادة عدد أعضاء المحكمة (9 قضاة حالياً) في المستقبل كرد انتقامي، على الرغم من أن مرشحهم الرئاسي، جو بايدن، كان قد أبدى رفضه في الماضي لفكرة "تعبئة المحكمة". ويُشير بعض التقارير الأمريكية إلى أن زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر اقترح خلال الاتصال مع زملائه الديمقراطيين الانفتاح على فكرة توسيع المحكمة.

تَصدُّر مستقبل المحكمة العليا الاستحقاق الانتخابي

في أعقاب وفاة القاضية الليبرالية روث بادر غينسبورغ وضعَ فريق الحملة الانتخابية لإعادة انتخاب ترامب المنصب الشاغر بالمحكمة العليا في قلب الحملة. وقد تجلى ذلك في هتافات مؤيدي الرئيس "املأ المقعد" في تجمعٍ حاشدٍ في ولاية أوهايو.

وتُحقق قضية ملْء المنصب الشاغر في مرحلة الاستحقاق الرئاسي مصلحتين للرئيس الأمريكي، أولهما تحوُّل النقاش الانتخابي بعيداً عن فشل قيادة ترامب للعديد من القضايا التي تتقدم أجندة الناخبين الأمريكيين مثل التعامل مع جائحة كورونا، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات غير مسبوقة، وهي تؤثر على فرص فوزه بولاية رئاسية ثانية. وهذا ما أشار إليه المرشح الديمقراطي، حيث قال إن الرئيس "لا يريد أبداً التحدث عن القضية المطروحة، ويحاول دائماً تغيير الموضوع".

بينما تتمثل المصلحة الثانية في الحفاظ على أصوات الناخبين المحافظين الذين سينظرون إلى تلك الانتخابات على أنها فرصة لزيادة سيطرة القضاة المحافظين على المحكمة، والذين يصل عددهم الآن 5 قضاة مقابل 3 قضاة ذوي توجه ليبرالي بعد وفاة غينسبورغ، ولا سيما بعد تعيين ترامب قاضيين محافظين بشدة في المحكمة العليا خلال فترة ولايته، وهما: نيل جورسوش وبريت كافانو.

وقد يخاطر ترامب من خلال تركيزه على قضية تعيين قاضية مُحافِظة جديدة بالمحكمة العليا بفقدان أصوات الناخبين في الولايات المتأرجحة الرئيسة الذين لا تحتل قضية المحكمة أولوياتهم الانتخابية في ظل تزايد أهمية القضايا المتعلقة بالتهديد المباشر لجائحة كوفيد-19 والتعافي الاقتصادي البطيء، بالنسبة لهم.

وفي مقابل مساعي الرئيس ترامب لتعيين قاضية محافظة بالمحكمة قبل الانتخابات في نوفمبر، يدعو التقدميون في الحزب الديمقراطي المُرشَّح بايدن إلى تبنِّي حملته الانتخابية إجراء إصلاحات بالمحكمة العليا، بما في ذلك زيادة عدد القضاة بها، لكنه يقاوم حتى الآن تبنِّي هذا التغيير الكبير، إذ يشعر بالقلق من أن تؤدي مثل تلك الاقتراحات إلى تفاقم الانقسامات داخل الولايات المتحدة في وقت تشهد البلاد حالة غير مسبوقة من الاستقطاب، أقلُّه منذ الحرب الأهلية. وقد فاز بايدن خلال الانتخابات التمهيدية للحزب على المرشحين الذين دعموا إحداث تغييرات كبيرة في المحكمة، ومن بينهم بيت بوتيجيج الذي اقترح زيادة عدد مقاعد المحكمة إلى 15 قاضياً. وهذا النهج قد يدفع المرشح الديمقراطي إلى خسارة الجناح اليساري في حزبه، والذي يريد بشدة منع ترامب من منح التيار المحافظ أغلبية كبيرة في المحكمة العليا. بينما يري بعض الديمقراطيين، ومنهم بايدن نفسه، أن قضية المحكمة ليست القضية التي تشغل بال ناخبي الطبقة العاملة الذين يحاولون الوصول إليهم، والفوز بأصواتهم في نوفمبر المقبل.

خلاصة واستنتاجات

فرضت وفاة القاضية الليبرالية روث بادر غينسبورغ قضية مستقبل المحكمة العليا على السباق الانتخابي المحتدم بين المرشحين الجمهوري والديمقراطي، إذ يُركز ترامب الساعي للفوز بولاية رئاسية ثانية على معركة المحكمة لتوحيد الحزب الجمهوري وتنشيط قاعدته والمحافظين للتصويت له في نوفمبر المقبل، بينما يريد بايدن أن تكون الانتخابات استفتاء على الرئيس الأمريكي وفشله في السيطرة على وباء خطير أودى بحياة 200 ألف أمريكي أو معالجة قضايا الرعاية الصحية.

ويأتي تصدُّر الجدل حول مستقبل المحكمة العليا الاستحقاق الانتخابي في وقت يُتوقَّع أن تحسم المحكمة في نزاع يُرجَّح أن تشهده الانتخابات الرئاسية المقبلة كما حدث في انتخابات عام 2000، في حال كانت نسب فوز أيٍّ من المُرشَّحين ضئيلة مقارنة بما حصل عليه الآخر، لا سيما في ظل عدم اعتراف الرئيس ترامب الصريح بأنه سيكون هناك انتقال سلمي للسلطة في حال خسارته الانتخابات، وتكرار تصريحاته عن التزوير الذي ستشهده الانتخابات مع تزايد التصويت من خلال البريد بسبب الجائحة.

ومع سيطرة الحزب الجمهوري على الأغلبية بمجلس الشيوخ (53 مقعداً) وصعوبة انضمام 4 أعضاء جمهوريين بالمجلس إلى الأعضاء الديمقراطيين الـ 47 لمعارضة تعيين القاضية المحافظة إيمي كوني باريت، يُتوقَّع أن يتم الموافقة على شغلها المنصب بعد جلسات استماع قوية قبل موعد الانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل، أو قبل أداء الفائز اليمين الدستورية في 20 يناير 2021.

* باحث متخصص في الشؤون الأمريكية.

أحدث الإيجازات