في 13 مارس 2020 أصدر سلفاكير ميارديت رئيس دولة جنوب السودان قراراً جمهورياً بتعيين أعضاء حكومة "الوحدة الوطنية الانتقالية"، وفقاً لاستحقاقات اتفاق السلام. وهو التطور الذي فتح أبواب الجدل بين من يراه خطوة حقيقية لانفاذ اتفاق السلام واستعادة الأمن والاستقرار، في مقابل من يعتبره مجرد استجابة للضغوط الخارجية، وشراء للوقت، وتأجيل لصدام وشيك قد تنتكس بسببه البلاد إلى حالة الحرب الأهلية الشاملة.

توقيع اتفاق السلام الشامل

كانت أطراف الصراع الأربعة بجنوب السودان قد وقَّعت اتفاقاً شاملاً للسلام في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في سبتمبر 2018، حيث توافقت الحكومة بقيادة سلفاكير، والجناح المعارض بالحركة الشعبية بقيادة رياك مشار، وأحزاب المعارضة، وممثلو المعتقلين السابقين على تقاسم السلطة، وذلك بتشكيل حكومة انتقالية يقودها رئيس وخمسة نواب، بحيث يكون مشار هو النائب الأول، مع وقف إطلاق النار، ونزع سلاح المليشيات المتحاربة، وبناء جيش وطني وشرطة وطنية، وإعادة تأهيل البنية التحتية وحقول النفط، وإفساح المجال لإيصال المساعدات الإنسانية.

وتقرَّر أن يمر إنفاذ الاتفاق عبر مرحلتين، هما: مرحلة تمهيدية مدتها ثمانية أشهر، يجري خلالها إنشاء اللجان والمفوضيات المعنية بتنفيذ الاتفاق. ويليها مرحلة انتقالية تمتد لثلاثة أعوام ونصف، وتنفذ خلالها كافة البنود الأخرى للاتفاق. لكن حال الكثير من العقبات دون تشكيل الحكومة وتدشين المرحلة الانتقالية، حيث تأجل ذلك لأكثر من مرة منذ مايو 2019.

جهود تطبيق اتفاق السلام

بالرغم من تشكيل اللجان والمفوضيات اللازمة لإنفاذ اتفاق السلام، فقد ظل هناك الكثير من العقبات التي ارجأت تطبيق الاتفاق؛ فلم يتم وقف إطلاق النار، وأخفق أغلب جهود إعادة تأهيل البنية التحتية وحقول النفط، ولم تنجح المفوضية الفنية للحدود، التي يشارك فيها ممثلو الاتحاد الأفريقي، واستمرت الاشتباكات المسلحة والعنف الاثني، بل تكونت حركات مسلحة جديدة أهمها: الجبهة الوطنية الديمقراطية، والحركة الوطنية لجنوب السودان، وجبهة الخلاص الوطني، والجبهة الفيدرالية الديمقراطية.

وعلى الجانب الإنساني، استمرت موجات اللجوء والنزوح، حيث كشفت التقارير مقتل زهاء 400 ألف شخص خلال الحرب، ونزوح ثلث السكان حتى يناير 2020. وحذرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة من احتمال تعرُّض 5.3 مليون من أبناء الجنوب لخطر الموت جوعاً، في ظل صعوبة إيصال المساعدات الإنسانية.

كان الخلاف الأساسي يتمثل في تحديد عدد الولايات بالبلاد، وآلية ترسيم الحدود بينها، حيث إن اتفاق السلام سكت عن ذلك. وهنا اقترح البعض تقليص العدد من 32 إلى 21 ولاية، فيما طرح البعض الآخر العودة للعدد الأصلي وهو 10 ولايات، بما تتضمنه من مقاطعات، بينما ذهب آخرون إلى إمكانية إجراء استفتاء للمواطنين حول العدد الأنسب للولايات، وهو الاقتراح الذي قوبل بالرفض، خاصة بعد سعي سلفاكير لتكوين لجنة جديدة لحسم هذا الأمر، بخلاف اللجنة المستقلة التي نص عليها اتفاق السلام. 

في غضون ذلك، تَمسَّك رياك مشار بإنفاذ الترتيبات الأمنية أولاً، وخاصةً نزع السلاح، وإدماج المقاتلين، وتشكيل قوة تتولى حراسته الشخصية في جوبا، حيث رفض مشار إسناد تلك المهمة لقوة إقليمية تشكلها دول الجوار، ولذا ظل مشار يقيم خارج البلاد، بما يؤكد أنه لم ينس محاولة الاعتداء عليه، والتي أدَّت لهروبه ليلاً من جوبا إلى الكونغو الديمقراطية، ومنها للسودان، في أغسطس 2016، لينهار على أثرها اتفاق السلام السابق الموقَّع في أغسطس 2015.

حسم عدد الولايات وتشكيل الحكومة الانتقالية

نجحت الضغوط الإقليمية والدولية في إقناع سلفاكير بالاستجابة إلى أهم مطالب المعارضة، وهو العودة إلى نظام فيدرالي يقسم الدولة إلى عشر ولايات، وذلك في 15 فبراير الماضي، الأمر الذي ساهم في إزالة العقبة الأساسية أمام تشكيل الحكومة الجديدة. وهنا أكد بيان الرئاسة بجنوب السودان أن تخفيض عدد الولايات قد لا يكون الخيار الأفضل لشعب الجنوب، لكنه يعد ضرورياً لتحقيق السلام ووحدة البلاد. في المقابل، وافق مشار على أداء اليمين الدستورية بوصفه نائباً أول للرئيس في 22 فبراير 2020.

ومَهَّدت تلك التطورات لإصدار قرار جمهوري بتشكيل الحكومة الانتقالية في 13 مارس الجاري، حيث ضمَّ التشكيل الوزاري 35 وزيراً، بواقع 18 وزارة لفريق سلفاكير، و10 وزارات لمجموعة مشار، فيما تم توزيع الحقائب السبع الباقية على قوى المعارضة الأخرى. كما جرى الاتفاق على استكمال التشاور بشأن تعيين حكام الولايات وأعضاء المجلس التشريعي، إذ نص اتفاق السلام على زيادة مقاعد البرلمان القومي إلى 550 مقعداً، بنسبة 55% للحكومة، و25% لمجموعة مشار، و20% لباقي المعارضة.

احتمالات انفاذ اتفاق السلام

في ضوء المعطيات الراهنة، تتأرجح احتمالات انفاذ بقية بنود اتفاق السلام بين احتمالين ورأيين اثنين: أولهما، يذهب إلى فشل تطبيق الاتفاق وتجدد القتال، فيما يتوقع الآخر نجاح الاتفاق والوفاء بالاستحقاقات المستقبلية للعملية الانتقالية.

الاحتمال الأول: فشل الاتفاق وتجدُّد القتال

يؤسس مؤيدو هذا الرأي موقفهم على ثلاثة أسانيد هي:

  • إن اتفاق السلام كان مجرد تحرك تكتيكي مدفوع بضغوط الخارج، خاصة تهديد واشنطن والاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على قيادات الصف الأول في جنوب السودان، بما في ذلك حظر سفرهم للولايات المتحدة وأوروبا، وتجميد أرصدتهم، إلى جانب تهديد مجلس الأمن الدولي بإحالة انتهاكات حقوق الإنسان بالجنوب إلى المحكمة الجنائية الدولية.
  • يستهدف تشكيل الحكومة بالأساس تجنُّب تفاقم الصراع، أكثر منه استجابة لقناعات قادة القوى المتصارعة، الذين يفتقرون للثقة المتبادلة، ولا تتوافر لديهم القدرة على العمل الجماعي.
  • يصطدم انفاذ الاتفاق باستحقاقات أخرى أبرزها على الإطلاق: إجراءات نزع السلاح، وتسريح المقاتلين السابقين، وإدماجهم في جيش وطني وشرطة وطنية.

لكل ذلك، يرى أصحاب هذا الرأي أن الاتفاق قد يلقى ذات المصير الذي آلت إليه الاتفاقات السابقة، والتى تراوحت حظوظها بين البدايات المتعثرة والنهايات الفاشلة، ما يُرجِّح استمرار تقاسم السيطرة على البلاد بين القوى المتصارعة.

الاحتمال الثاني: انفاذ الاتفاق وعبور المرحلة الانتقالية

يذهب أنصار هذا الرأي إلى أن هناك مؤشرات تُعزِّز إنفاذ اتفاق السلام وعبور المرحلة الانتقالية، وصولاً لصياغة دستور جديد للبلاد وإجراء الانتخابات العامة، من أهمها ما يلي:

  • بلوغ الصراع في جنوب السودان مرحلة النُّضج، بعدما عجزت أطرافه عن حسمه عسكرياً منذ اندلاعه في ديسمبر 2013، لتزداد قناعتهم بأن الوقت قد حان لتسويته سلمياً.
  • أبدى الرئيس سلفاكير نوعاً من المرونة بشأن خفض عدد الولايات، وتَعهَّد بتخصيص مائة مليون دولار لتطبيق الاستحقاقات الأمنية، وتوفير الأمن والاستقرار بالبلاد إلى حين اكتمال إعداد الجيش المشترك، مؤكداً أن التغيُّرات التي شهدها الجنوب جعلت السلام هدفاً استراتيجياً، داعياً كل اللاجئين والنازحين للعودة للوطن. في المقابل، شَدَّد رياك مشار على أن المسائل والموضوعات المتبقية سيتم حسمها من خلال الحوار داخل حكومة الوحدة الوطنية.
  • إن الاتفاق يعالج إشكالية استئناف تصدير النفط، وغيرها من المسائل الاقتصادية، التي ظلَّت تعوق تحسين الأوضاع الاقتصادية والتنموية في الجنوب السوداني، وتدشين عمليات إعادة الإعمار. كما أنه يحظى برعاية دولية وإقليمية تسعى لإنفاذه. 

        ومع ذلك، يبدو احتمال تَعثُّر الاتفاق وفشله في نهاية المطاف مُرجَّحاً بقوة، وذلك للاعتبارات الآتية:

  • رسوخ الولاءات التحتية للجماعات الإثنية على حساب الولاء الأعلى للدولة القومية. وعدم قبول قادة القوى المتصارعة بتقاسم حقيقي للسلطة، وتمسُّكهم بالتصرف كزعماء لجماعات إثنية، وليس بوصفهم رجال دولة، وإدارتهم للعملية السياسية كمباراة صفرية، تمنح الطرف الفائز كافة المكاسب، فيما يخرج منها المهزوم خالي الوفاض.
  • إن وجود خمسة نواب للرئيس يمثل حالة فريدة بين دول العالم، تزيد معها احتمالات تداخل وتنازع الاختصاصات فيما بينهم عند التطبيق العملي، رغم أن اتفاق السلام يُحدِّد اختصاصاتهم ويَفصِل بينها نظرياً. 
  • تتقاسم الحكومة والمعارضة السيطرة على المدن الاستراتيجية وثروات البلاد، ما يوفر الإمكانيات اللوجيستية والمالية لتغطية نفقات القتال في حال تجدُّده. ويتأكد ذلك من تمسُّك كل طرف بما لديه من أسلحة، وعدم تعاونه بما يكفي مع لجان نزع السلاح، وإرجاء إدماج قوات المتمردين ضمن القوات المسلحة الحكومية، بل إن الفترة الماضية شهدت اتهامات متكررة متبادلة بشأن تجنيد كل طرف المزيد من المقاتلين.
  • عدم توافق أعضاء مجلس الأمن الدولي ودول جوار جنوب السودان بشأن فرض حظر السلاح على القوى الجنوبية، وغموض الموقف بشأن الجدول الزمني لانسحاب القوات الأجنبية، ما يكشف بجلاء مدى انقسام وتباين مصالح رُعاة الاتفاق.   
  • تَردُّد الجهات الدولية في تقديم الدعم المالي اللازم لانفاذ الاتفاق، خوفاً من الفساد المُستشري بين قيادات الجنوب، والتي يمكن أن تُسيء استخدم المساعدات المالية؛ لتحوِّلها إلى حساباتها الشخصية في الخارج، أو تُخصِّصها لشراء الأسلحة.

* مدير مركز البحوث الأفريقية بجامعة القاهرة.

أحدث الإيجازات