تُلقي هذه الورقة الضوء على الصراع الأمريكي-الروسي المُستَجَد على ليبيا في ضوء المتغيرات الميدانية والتصريحات المتبادلة الأخيرة، وتُحلِّل ديناميات هذا الصراع ومحركاته الراهنة وأبعاده الاستراتيجية، مُستَشرفةً تداعياته المحتملة على مستقبل الأزمة الليبية وإمكانيات تسويتها.

اهتمام أمريكي فاتِر بالملف الليبي

ما كانت الولايات المتحدة مَعنية مباشرة في الجهد العسكري الذي انخرط فيه الحلف الأطلسي، لا سيما فرنسا وبريطانيا، ضد القوات التابعة للزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في مارس 2011، لكنها وفرت لحلفائها البيئة السياسية واللوجيستية التي تسهل مهماتهم العسكرية. وقد تجسد عدم الاهتمام الأمريكي بالشأن الليبي وإيكال أمر هذا البلد لحلفائها الأوروبيين في قرار انسحابها السريع من ليبيا عقب مقتل سفيرها هناك وثلاثة موظفين آخرين في هجوم شنه مسلحون إسلاميون على مقر القنصلية الأمريكية في مدينة بنغازي في سبتمبر 2012.

وإذا ما كان قرار الانكفاء عن ليبيا قد صدر عن إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، فإن الرئيس الحالي دونالد ترامب، وعلى الرغم مما عرف عنه من انتهاج لسياسات مُعاكِسة للمواقف التي اتخذها سلفه، إلا أنه، وبحكم تمسُّكه بسياسة سحب بلاده من حروب الآخرين في العالم وفق وعوده الانتخابية، لم يُبْدِ هو الآخر اهتماماً لافتاً بالشأن الليبي، وبقي موقف واشنطن وسطي متواصل مع كافة أطراف الصراع في هذا البلد.

وعلى الرغم من علاقة واشنطن الرسمية بحكومة الوفاق المعترف بها دولياً، إلا أنها حافظت على تواصل مع المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني. وكان مكتب الإعلام التابع للقيادة العامة للقوات المسلحة الليبية قد أعلن في أواخر يناير الماضي عن اجتماع تم بين حفتر والسفير الأمريكي لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند، تم خلاله "بحث التطورات الأخيرة في الأزمة الليبية خاصة بعد عقد مؤتمر برلين (عقد في 19 يناير)". وأتى الاجتماع ضمن سلسلة لقاءات جمعت الطرفين، أهمها ذلك الذي عُقِدَ في التاسع من نفس الشهر، في العاصمة الإيطالية روما، وحضره إلى جانب السفير نورلاند كل من نائب مستشار الأمن القومي لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فيكتوريا كوتس، ونائب مساعد وزير الخارجية للشؤون المغاربية والمصرية هنري ووستر.

مؤشرات التحول: اتهام أمريكي ونفي روسي

غير أن موقف الولايات المتحدة تغيَّر على نحو كبير بعد أن استنتجت وزارة الدفاع ومؤسسات العسكر والأمن الأمريكية أن الحراك العسكري الروسي يتطور باتجاه يخل بثوابت الأمن الاستراتيجي للولايات المتحدة، وأن تفاصيل الصراع الليبي الهامشية بالنسبة لواشنطن تصبح أمراً جللاً حين تصبح ليبيا بلداً مرشحاً للتمدد الروسي في شمال أفريقيا والبحر المتوسط.

وقد كثَّف البنتاغون والحلف الأطلسي، لا سيما القيادة الأفريقية (أفريكوم)، من المواقف التي يُشتم منها رفض لتمركز روسيا على أبوابِ أوروبا بما يشكله الأمرُ من خطر استراتيجي على المنظومة الغربية برمتها. وقالت القيادة في بيان لها في 26 من مايو، إن طائرات روسية وصلت من قاعدة جوية في روسيا، بعد عبورها سوريا وإعادة طلائها لتمويه أصلها الروسي. واعتبر الجنرال في الجيش الأمريكي، ستيفن تاونسند، أن "روسيا تحاول قلب الميزان لصالحها في ليبيا، مثلما رأيتهم يفعلون في سوريا؛ إنهم يوسعون وجودهم العسكري في إفريقيا باستخدام مجموعات المرتزقة المدعومة من الحكومة (فاغنر)". وأشار إلى أن روسيا نفت لفترة طويلة تورطها في الصراع الليبي المستمر، لكن الآن لا يمكن إنكار ذلك.

ويُظهِر تحرك المؤسسات الأمريكية أن مسألة الأمن الاستراتيجي الأمريكي في شمال أفريقيا هو خط أحمر لدى الحزبين الجمهوري والديمقراطي تم التأكيد عليها في مؤتمر مالطة الذي عقد في 3-4 ديسمبر 1989 بين الرئيسين ميخائيل غورباتشوف وجورج بوش (الأب).

في المقابل، تُكرِّر موسكو نفي أي وجود عسكري لها في ليبيا على الرغم من اتهامات صدرت عن حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج عن وجود مرتزقة روس تابعين لشركة فاغنر الروسية. وعلى الرغم مما صدر عن القيادة الأفريقية للحلف الأطلسي من أن موسكو أرسلت من خلال قاعدتها العسكرية في مدينة حمميم السورية 14 طائرات من طراز ميغ 29 سوخوي 24 للتمركز في قاعدة الجفرة في ليبيا، إلا أن المحللين السياسيين الروس الذين تستضيفهم الفضائيات العربية ما انفكُّوا يُذكِّرون بالعلاقة التاريخية لموسكو مع ليبيا، وبحق روسيا في أن يكون لها نفوذ ومصالح في هذا البلد.

وكان بيان صادر عن حكومة الوفاق (25 مايو) قد أكد أنه تم إجلاء مئات "المرتزقة" الروس من مدينة بني وليد الواقعة جنوب شرق العاصمة. وأشار إلى هبوط طائرة شحن عسكرية نوع أنتونوف 32 في مطار بني وليد، الواقع على بعد 170 كلم جنوب شرق العاصمة، وذلك "لاستئناف نقل مرتزقة مجموعة فاغنر الذين فروا من محاور جنوب طرابلس إلى وجهة غير معلومة". وقدَّرت حكومة الوفاق عدد المقاتلين الذين وصلوا إلى بني وليد بـ"حوالى 1500 إلى 1600 مرتزق".  

وعلى الرغم مما كان يمتلكه الاتحاد السوفياتي من علاقات متطورة مع "الجماهيرية الليبية" في عهد القذافي، إلا أن الأخير، وعلى الرغم من صراعه مع الولايات المتحدة، لم يسمح برسو قطع بحرية سوفياتية في موانئ ليبيا، لإدراكه ما يشكله الأمر من اختراق للخطوط الحمر التي كانت معتمدة في حقبة الحرب الباردة.

ولئن تمتلك روسيا نفوذاً متقدماً في سوريا تطل من خلاله على المياه الدافئة المتوسطية، غير أن ما قبلت به الولايات المتحدة، وربما وفَّرت له رعاية في سوريا (التدخل الروسي في سبتمبر 2015 بدأ بعد ساعات من انتهاء اجتماع للرئيسين فلاديمير بوتين وباراك أوباما في نيويورك)، لا ينسحب على الحالة الليبية، ولا يمكن للأمريكيين والأوروبيين التسامح بشأنه.

تداعيات الصراع الأمريكي-الروسي المُستَجَد على الأزمة الليبية

تمثل ليبيا بوابة استراتيجية من بوابات أفريقيا باتجاه أوروبا، ويَسمح موقعها الجيوستراتيجي بالإطلالة على أوروبا، ويشكل أي وجود عسكري روسي على الشواطئ الليبية خطراً على أمن جنوب أوروبا وتهديداً للوجود الأمريكي في أوروبا، لا سيما في إيطاليا حيث تبعد الشواطئ الليبية مسافة عشرات الكيلومترات عن القواعد الأمريكية في إيطاليا. وهذا الأمر سيكون عاملاً موحداً للموقف الأوروبي-الأمريكي حول مقاربة الحالة الليبية، وقد يُمثِّل فرصة للحل في ليبيا تعتمد على مخرجات مؤتمر برلين وقرارات الأمم المتحدة، في ظل توافق إقليمي دولي على التمسك بوحدة البلد.

وتؤكد دروس التاريخ العسكري أهمية ليبيا للغرب. فبعد أن دخل الجنرال البريطاني برنارد مونتغمري طرابلس في يناير 1943 مكَّنه الأمر من السيطرة على مونت كاسينو في إيطاليا لاحقاً (مايو 1944). كما أنه عندما أراد أدولف هتلر أن يقطع قناة السويس والتمدُّد نحو الخليج أنزل الجنرال إرفين رومل في طرابلس (فبراير 1941).

وإضافة إلى أهمية ليبيا الجيوستراتيجية وأهميتها بالنسبة لأمن أوروبا، فإن البلاد تمتلك مخزوناً هائلاً من النفط والغاز. وأظهرت بيانات منظمة الدول المنتجة للنفط "أوبك" أن ليبيا تحتل المرتبة الخامسة عربياً باحتياطي يبلغ حوالي 48.36 مليار برميل. ويبلغ احتياطي ليبيا من الغاز حوالي 54.6 ترليون قدم مكعبة، يضعها في المرتبة 21 عالمياً في احتياطات الغاز. وعلى هذا، لا يمكن للمنظومة الغربية، بالمعنى السياسي والاقتصادي، وللحلف الأطلسي، بالمعنى الأمني والعسكري، السماح بالتساهل إزاء واقع الحضور الروسي في هذا البلد.

والواضح أن رأي الأطراف الليبية سيكون هامشياً في تقرير مصير ليبيا، وسيخضع للقواعد والشروط التي يمليها صراع الكبار، كما أن أجندات الأطراف الإقليمية المنخرطة في الشأن الليبي ستفقد رحابة هوامشها لتتحول إلى جزء من مسار الصراع الجدي الذي ما زال منخفض المستوى بين روسيا والولايات المتحدة حول الموقف في ليبيا.

ويعتبر الوجود العسكري الروسي في ليبيا مناورة استراتيجية تمارسها موسكو للرد على الضغوط الغربية التي تمارس ضد روسيا، والتي تمثلت مؤخرا بالمناورات العسكرية التي يقوم بها الحلف الأطلسي في بحر بارنتس بالقرب من روسيا، والتي دانها الكولونيل سيرغي رودسكوي من هيئة الأركان العامة الروسية، واعتبرها مستفزة لبلاده. وقد يكون سيناريو التدخل العسكري الروسي في ليبيا شبيهاً بذلك في سوريا من حيث تحضير الأرضية لوجود روسي يصبح رقماً صعباً في أية تسوية مقبلة.

وجدير بالذكر أن موسكو حافظت على علاقات مع حكومة الوفاق في طرابلس، وسبق أن ناقشت مع رئيسها فايز السراج سُبُل تطوير العلاقات الاقتصادية مع طرابلس، وبالتالي فإن رهانات موسكو قد لا ترتبط بما يحققه أو ما يخسره هذا الطرف الليبي أوذاك، بل على مبدأ وجود نفوذ روسي، سواء من خلال الدبلوماسية التقليدية أو من خلال الحلفاء المحليين أو غض الطرف عن وجود مرتزقة تابعين لشركة روسية خاصة. وإذا ما تأكد وجود طائرات عسكرية روسية في ليبيا (مصادر الأمم المتحدة لم تؤكد الأمر بعد)، فهذا يعني أن موسكو تدعم مبدأ النفوذ من خلال وجود عسكري مباشر يصبح واقعاً لا يمكن القفز عنه في أية معادلة جديدة لإنهاء الحرب في ليبيا. وقد يُقايِض الروس الأمريكيين بمستقبل الوضع الليبي وملفات نزاع أخرى في العالم، لا سيما أوكرانيا وسوريا.

خلاصات واستنتاجات

  • الصراع الروسي الأمريكي حول ليبيا نقل الصراع في هذا البلد إلى مستوى أكبر من حجمه الراهن وجعل من أي حل رهن توافق موسكو وواشنطن في ملفات كثيرة.
  • التدخل العسكري الروسي في ليبيا يشكل عامل وحدة لدى المنظومة الغربية الأمريكية الأوروبية دفاعاً عن الأمن الاستراتيجي لجنوب أوروبا كما الأمن الاستراتيجي الأمريكي في العالم.
  • الموقف الأمريكي المعارض لوجود عسكري روسي في ليبيا يمثل تحولاً في موقف واشنطن من الصراع الليبي لمنع ليبيا من أن تكون منطقة نفوذ روسية في شمال أفريقيا والبحر المتوسط.
  • قبول الغرب بالنفوذ الروسي في سوريا لا يمكن أن ينسحب على الحالة الليبية لما تمثله ليبيا تاريخياً وجغرافياً من أهمية بالنسبة للأمن الأوروبي والمتوسطي والأفريقي.
  • ارتقاء التناحُر الليبي إلى مستوى الصراع بين روسيا والولايات المتحدة قد يكون عاملاً مُسرِّعاً للحل في ليبيا طالما تمسَّكت كافة أطراف الصراع بوحدة البلاد ومقررات مؤتمر برلين والقرارات الأممية.
  • رأي الأطراف الليبية أصبح هامشياً، وبات مستقبل ليبيا رهن التجاذبات الخارجية التي يأخذ السجال الروسي الأمريكي الراهن موقعاً متقدماً ونوعياً داخلها.

أحدث الإيجازات