تشكل جائحة كوفيد-19 تحدياً غير مسبوقٍ للانتخابات الرئاسية الأمريكية، إذ جاءت في منتصف الخطوة الأولى من ثلاث خطوات مخطط لإجرائها، وهي اختيار كل حزب مرشحه لها من خلال الانتخابات التمهيدية أو المجامع الانتخابية، ما دفع بعض الولايات لتأجيل انتخاباتها التمهيدية للصيف؛ على أمل أن تكون الظروف أفضل حالاً ليذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع. ولكن هذا سيكون صعباً مع توقع خبراء ومسؤولي قطاع الصحة الأمريكي باستمرار الجائحة خلال صيف وخريف هذا العام، الأمر الذي يدفع المسؤولين الأمريكيين إلى بحث تغييرات في الخطوتين الثانية (المؤتمر الحزبي لكل حزب لاختيار مرشحه رسمياً)، والثالثة (يوم التصويت المقرّ قانونياً في الثالث من نوفمبر المقبل).

مع استمرار الجائحة والتوقعات باستمرار تزايد أعداد المصابين الذين وصلوا إلى ما يقرب من 1.4 مليون أمريكي، توفي منهم حوالي 89.5 ألف شخص حتى 17 مايو الجاري وفقاً لتقديرات صحيفة "نيويورك تايمز"، ستجري الولايات المتحدة أول انتخابات رئاسية في ظل أزمة صحية وطنية ستكون تأثيراتها على أولويات قائمة القضايا التي على أساسها سيصوت الناخب الأمريكي، وكذلك على إجراءات الانتخابات الرئاسية، حيث تبحث السلطات الفيدرالية، ومسؤولو الولايات إجراء تعديلات في قواعد التصويت لتتناسب مع استمرار الجائحة حتى الثالث من نوفمبر المقبل.

ويعد يوم الثالث من نوفمبر 2020 يوماً مفصلياً، إذ إن الناخب الأمريكي لن يختار فيه فقط الرئيس الأمريكي المقبل، ولكنه سيختار أيضاً أعضاء مجلس النواب كافة (435 نائباً)، وثلث أعضاء مجلس الشيوخ (35 سيناتوراً من أعضائه المائة)، و11 حاكماً من حكام الولايات، إلى جانب ما يقرب من 5 آلاف مقعد من مقاعد المجالس التشريعية للولايات.

فرص تأجيل موعد الانتخابات الرئاسية

مع توقعات خبراء ومسؤولي قطاع الصحة والأوبئة باستمرار الجائحة خلال خريف هذا العام، أصبح التساؤل حول إمكانية تأجيل الرئيس دونالد ترامب الانتخابات الرئاسية الأمريكية إلى ما بعد الثالث من نوفمبر المقبل محل اهتمام الكثيرين داخل الولايات المتحدة وخارجها، لا سيما بعد حديث جاريد كوشنر، كبير مستشاري البيت الأبيض وصهر الرئيس، خلال مقابلة مع مجلة "التايم" الأمريكية عن عدم تأكده شخصياً من إمكانية إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها في حال كانت هناك موجة ثانية من فيروس كورونا في الخريف. 

وعلى الرغم من تصريح الرئيس الأمريكي وحملته الانتخابية بأنه لا يفكر في تأجيل الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فإنه فعلياً لا يملك السلطة الدستورية التي تُمكِّنه من القيام بذلك إذا كانت لديه مثل هذه الرغبة، إذ إن الدستور الأمريكي كَلَّف الكونجرس باختيار موعد الانتخابات الرئاسية. وقد اختار يوم الثلاثاء بعد أول يوم اثنين من نوفمبر ليكون موعداً لها منذ عام 1845، ولم يتم تغيير هذا الموعد منذ ذلك الوقت. 

وفي ظل حالات الأوبئة أو الكوارث لا يستطيع الرئيس تخطي الكونجرس لتأجيل أو إلغاء الانتخابات الرئاسية، لأن السلطة الاستثنائية التي يمتلكها في تلك الأوقات تكون بتفويض من المؤسسة التشريعية. وتاريخياً لم يحدُث أن مرَّرَ الكونجرس قانوناً يُخوِّل الرئيس سلطة تحديد أو تغيير موعد الانتخابات الرئاسية في حالة الطوارئ؛ لذلك فإن الكونجرس بمجلسيه يظل المؤسسة الوحيدة التي لديها سلطة تغيير موعد الانتخابات الرئاسية.

بيد أن الرئيس قد يمارس بعض الضغوط على الكونجرس لتغيير موعد الانتخابات الرئاسية، من خلال تأييد حملات ضغط شعبية على أعضائه، ولكن هذا سيتطلب موافقة مجلسيه، وهو أمر غير مُمكِن في ظل الانقسام الحزبي داخل المؤسسة التشريعية، حيث يسيطر الجمهوريون على الأغلبية في مجلس الشيوخ، بينما يتمتع الديمقراطيون بالأغلبية في مجلس النواب، والذين سيرفضون هذا الخيار لكونه يصب في مصلحة الرئيس ترامب، إذ تنتابهم مخاوف جمَّة من سعيه للتأثير على الانتخابات بطريقة ما، أو تخاذه إجراءات تجعل التصويت شاقاً ومتعباً على الأمريكيين في وقتٍ يتفشى الفيروس في أرجاء مختلفة من البلاد.

القضية الانتخابية الأولى

مع توقُّع استمرار جائحة كوفيد-19 خلال الأشهر القليلة المقبلة، وما خلفته من خسائر اقتصادية ضخمة وارتفاع في نسبة البطالة بين الأمريكيين إلى مستويات غير مسبوقة منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن المنصرم واستمرار تهديدها الصحة العامة، فإن الجائحة وتداعياتها المختلفة ستكون – وفق معظم الآراء - القضية المحورية التي ستُهيمن على الناخبين الأمريكيين، والتي على أساسها سيُحددون قرارهم في انتخابات نوفمبر المقبل.

وتشير نتائج استطلاع للرأي أجراه مركز جالوب المتخصص في استطلاع رأي الأمريكيين، نُشِرت في 21 أبريل الماضي، إلى أن الجائحة تتصدر اهتمامات الأمريكيين بنسبة 45% مُتقدمة على باقي القضايا الداخلية التقليدية التي كانت تشغل الناخب الأمريكي خلال العام الانتخابي مثل القضايا الاقتصادية والوظائف التي احتلت الاهتمام بنسبة 9%، والرعاية الصحية بنسبة 6%.

وقد أصبحت التهديدات التي تمثّلها الجائحة بالفعل القضية السياسية الأبرز في الحملات الرئاسية الأمريكية، لا سيما مع تشكيك الديمقراطيين في مصداقية الرئيس ترامب، وكفايته في الاستجابة لحالة الطوارئ الصحية العامة التي تسببت في تراجع مفاجئ للاقتصاد الأمريكي. وفي المقابل، تركز حملة الرئيس ترامب على أنه الأقدر على التعامل مع التهديدات التي يشكلها الفيروس، وأنه اتخذ إجراءات احترازية جيدة لحماية الأمريكيين، وأن بإمكانه إعادة الانتعاش إلى الاقتصاد الأمريكي مرة ثانية كما فعل خلال أول ثلاث سنوات له في البيت الأبيض، إلى جانب معاقبة الصين على فشلها في التحرك بسرعة لكبح الفيروس وإخفاقها في التواصل مع العالم بشكل أكثر وضوحاً وشفافية.

أثر جائحة كوفيد-19 في فرص فوز ترامب وبايدن

بَدَّدت جائحة كوفيد-19 كثيراً من المكاسب الاقتصادية التي حققها الرئيس ترامب مع نهاية عامه الثالث بالبيت الأبيض والتي كانت محور خطابه الأخير لحالة الاتحاد أمام الكونجرس بمجلسيه، والتي كان يعول عليها بقوة للفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة، خصوصاً بعد تخطيه عقبات عدة كانت آخرها محاولات عزله. فبعد أن حقَّق معدل بطالة يصل إلى 3.5%، والذي يعد الأدنى منذ خمسة عقود، ارتفع هذا المعدل إلى 14.7% في أبريل الماضي، مع فقدان 20.5 مليون أمريكي وظائفهم منذ توقف عجلة الاقتصاد في منتصف مارس في ظل تدابير احتواء الجائحة.

وتشير الخبرة التاريخية إلى أن الأمريكيين خلال الأزمات الوطنية الكبرى التي تهدد الدولة يقفون خلف الرئيس الساعي للفوز بولاية رئاسية ثانية باعتباره القائد الوطني القادر على حمايتهم وصون أمنهم، مثل الرئيس جورج دبليو بوش بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، والرئيس باراك أوباما بعد الأزمة الاقتصادية العالمية خلال عام 2008، الأمر الذي قد يُعزِّز من فرص فوز ترامب في انتخابات الثالث من نوفمبر المقبل.

لكن الرئيس ترامب يواجه العديد من التحديات التي قد تُقلل من فرص فوزه في الانتخابات القادمة منها تراجع شعبيته بين الأمريكيين منذ بداية الجائحة بعد فترة شهدت فيه ارتفاعاً في أعقاب تخطيه إجراءات عزله في بداية العام الجاري، ويعزى ذلك إلى إخفاقاته المتتالية في التعامل مع الجائحة التي أضحت القضية الانتخابية الأولي كما أشرنا. وفي المقابل، فإن جو بادين، المرشح الديمقراطي المفترض والأوفر حظاً، يتقدم عليه في أغلب استطلاعات الرأي بست نقاط مئوية.

علاوة على ما سبق، يواجه الرئيس ترامب تحديات أخرى تُقلل من حظوظ فوزه بولاية رئاسية ثانية، منها فشله في توسيع قاعدته الانتخابية (التي يتكون معظمها من الإنجيليين البيض، والناخبين الريفيين والمحافظين)، والتي كانت وراء فوزه في الانتخابات الرئاسية لعام 2016، في الوقت الذي يقف فيه الحزب الديمقراطي بكافة أطيافه الأيديولوجية وراء مرشحه جو بادين، وتقديم كل منافسيه السابقين، وفي مقدمتهم بيرني ساندرز، الدعم له.

ومع هذا، يُظهر بعض المانحين الديمقراطيين ومسؤولون سابقون في إدارة الرئيس السابق أوباما مخاوف من أن قيادة بايدن حملته الانتخابية في منزله وسط الجائحة جعلته أقل بروزاً إعلامياً للكثير من الناخبين مقارنة بالرئيس ترامب الذي يهيمن على المشهد الأمريكي من خلال الإحاطات الإعلامية اليومية لإدارة الجائحة، والتي تحظي بمشاهدة مماثلة لتلك التي تحظى بها الأحداث الرياضية الأمريكية الكبرى عادةً. وإن كان هناك عددٌ من الجمهوريين يرون أنها قد تتسبب في حصول أضرار جسيمة لموقف الرئيس ترامب السياسي، وربما تجعله يخسر السباق الرئاسي نحو البيت الأبيض، وخسارة الحزب الجمهوري أغلبيته في مجلس الشيوخ.

خاتمة

بالنظر إلى أن الولايات المتحدة تمكنت من إجراء الانتخابات الرئاسية خلال الحرب الأهلية عام 1864، فإنه يُتوقَّع أن تُجرى في موعدها (الثالث من نوفمبر المقبل)، ولكن التغييرات على طريقة التصويت ستكون محور خلاف محتدم بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، في ظل معارضة الأخير أن يكون حق التصويت من خلال البريد لكل الناخبين في ظل استمرار جائحة كوفيد-19. وربما تحمل الأشهر الستة التي تسبق تصويت الناخبين الكثير من المفاجآت التي قد تؤثر على فرص فوز دونالد ترامب بفترة رئاسية ثانية.

* باحث متخصص في الشؤون الأمريكية.

أحدث الإيجازات