تواجه المصالح الصينية تهديدات إرهابية مُتنامية في منطقة غرب أفريقيا، لاسيما بعد تعرُّض رعاياها وشركاتها لعمليات خطف وابتزاز خلال العام الجاري (2020). وتتزامن هذه التطورات مع تعثُّر الجهود الفرنسية لوضع حد لتمدد التنظيمات الإرهابية، واتجاه الولايات المتحدة إلى تخفيض وجودها العسكري في المنطقة، بينما تتصاعد مطالب الشركات الصينية بدور أمني للصين في حماية مصالحها في القارة الأفريقية.

مُحفِّزات الدور الأمني للصين في غرب أفريقيا

  • تنامي التهديدات الإرهابية ضد الرعايا والشركات الصينية في المنطقة؛ فهناك حوالي عشرة آلاف شركة وحوالي مليون مواطن صيني في القارة، وقد تسببت العمليات الإرهابية في خسائر لمشاريع صينية بقيمة 20 مليار دولار أمريكي. ومن المحتمل أن تتزايد هذه الخسائر مع استمرار تعرُّض العمال الصينيين للعديد من عمليات الخطف والابتزاز ودفع الفدية، على نحو ما حدث في نيجيريا بين شهري فبراير ويوليو الماضيين، ناهيك عن عمليات القرصنة في خليج غينيا[1].
  • حماية المصالح الاقتصادية للصين في المنطقة، لاسيما الوصول إلى الموارد الطبيعية؛ حيث تستورد الصين من النفط والمعادن حوالي 83% من جميع وارداتها الأفريقية. وتعتمد الصناعة العسكرية الصينية على المعادن الأفريقية، لذلك عملت الصين على تعزيز علاقاتها مع دول مثل نيجيريا (النفط)، والجابون (النفط)، وغينيا (البوكسيت)، وغانا (النفط)[2].
  • عزل تايوان وفق سياسة "الصين الواحدة"، والتي تهدف إلى نزع أي اعتراف أفريقي بها، وقد دفعت هذه السياسة كلاً من غامبيا وبوركينافاسو إلى إنهاء اعترافها بتايوان[3].
  • زيادة المبيعات العسكرية للصين في المنطقة؛ حيث تعتبر نيجيريا وغانا أكبر مستوردي الأسلحة من الصين في غرب أفريقيا[4]. وتوسعت هذه المبيعات في الكاميرون وتشاد وغانا ونيجيريا. علاوة على أن مبيعات الأسلحة قد تكون بمثابة ورقة مساومة لعقد صفقات شاملة للوصول إلى الموارد الطبيعية[5].

آليات السياسة الصينية لتعزيز دورها الأمني في غرب أفريقيا

  • المشاركة في جهود الأمم المتحدة لحفظ السلام؛ ولا سيما بعثة الأمم المتحدة في مالي، حيث احتلت الصين، اعتباراً من يوليو 2019، المرتبة الحادية عشر من حيث المساهمة بقوات في جميع بعثات الأمم المتحدة، وهي تقدم أكبر مساهمة بقوات بين الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن[6].
  • برامج التدريب العسكري. وعلى سبيل المثال، هناك حوالي خمسين عسكرياً من ساحل العاج يتلقون تدريباً في الصين سنوياً. ناهيك عن التدريبات العسكرية المشتركة، لاسيما تدريبات مكافحة القرصنة مع البحرية الكاميرونية، والتدريبات مع القوات البحرية الغانية والنيجيرية. فضلاً عن المنح العسكرية التي قدمتها الصين للعديد من دول غرب أفريقيا، لاسيما سيراليون وليبيريا وغانا وساحل العاج[7].
  • الدبلوماسية العسكرية؛ لاسيما تكثيف الزيارات الدبلوماسية العسكرية المتبادلة، وزيادة عدد الملحقين العسكريين، حيث زادت الصين عدد الملحقين في أفريقيا إلى 27 ملحقاً، ومن بينهم ستة ملحقين في دول منظمة الإيكواس، بالإضافة إلى الكاميرون وتشاد، ولدى دول المنطقة عشرة ملحقين عسكريين في بكين، فضلاً عن الزيارات العسكرية للقوات البحرية الصينية للموانىء البحرية في ساحل العاج وغانا والسنغال ونيجيريا والكاميرون[8]، لاسيما أن هناك سبعة موانئ تديرها كيانات صينية على الساحل الغربي لأفريقيا[9].
  • تكثيف الدعم المالي واللوجستي للمنظمات الإقليمية الأفريقية وتعزيز دورها في مكافحة الإرهاب؛ ولاسيما الاتحاد الأفريقي من خلال استثمار مائة مليون دولار في القوة الأفريقية الجاهزة والقوة الأفريقية للاستجابة الفورية للأزمات. وتخصيص جزء من تمويل صندوق السلام والأمن الصيني الأفريقي لتعزيز دور فرقة العمل المشتركة متعددة الجنسيات ضد تنظيم بوكو حرام، كما قدمت الصين حوالي 25 مليون دولار أمريكي للمعدات العسكرية للقاعدة اللوجستية للاتحاد الأفريقي في ياوندي بالكاميرون[10].

فُرص تنشيط الدور الأمني للصين في غرب أفريقيا

  • التوجهات الأمنية الصينية الجديدة؛ حيث تحول التفكير الاستراتيجي والعسكري الصيني للتركيز أكثر على التهديدات الأمنية غير التقليدية مثل الإرهاب، وهذا التحول وثيق الصلة بشرق آسيا وأفريقيا بشكل خاص[11].
  • التعاون التكتيكي مع روسيا، لاسيما في مجال التعاون العسكري البحري. ففي نوفمبر 2019، استضافت البحرية الجنوب أفريقية مناورات بحرية مع سفن من البحرية الروسية والصينية، وأجرت مناورات مشتركة في المحيط الهندي. بينما سمحت الصين للسفن الحربية الروسية باستخدام الرصيف في قاعدتها العسكرية في جيبوتي[12].
  • تدشين منتدى الدفاع والأمن الصيني الأفريقي، الذي استضافته بكين لأول مرة في عام 2019[13]، وأكد على ضرورة تكثيف تبادل المعلومات الاستخبارية، وتعزيز دور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في حماية الأمن العام ومكافحة الإرهاب. ووضع خطة عمل (2019-2021)؛ تتضمن تقديم مساعدات عسكرية للاتحاد الأفريقي والجهود الأمنية في منطقة الساحل وخليج غينيا[14].

التحديات

  • تحديات نشر قوات عسكرية صينية؛ فبرغم أن قانون مكافحة الإرهاب (لعام 2015)، يسمح للصين بنشر قوات عسكرية لمكافحة الإرهاب في الخارج، لكن القدرات الصينية لا تزال محدودة نتيجة التحديات المتعلقة بالأعباء المالية لتمويل مثل هذه العمليات، والخوف من أن يؤدي الوجود العسكري إلى توتر العلاقات الدبلوماسية لبكين مع دول المنطقة[15].
  • تحديات الوجود العسكري الغربي الكثيف في المنطقة؛ وتواضع مساهمة الصين في بناء القدرات العسكرية لدول المنطقة مقارنة بالشركاء الأوروبيين. وعلى سبيل المثال، قدم الاتحاد الأوروبي من خلال بعثة التدريب العسكري في مالي (EUTM) تدريباً عسكرياً لـحوالي عشرة آلاف عسكري، أي ثلث القوات المسلحة المالية[16].
  • التحديات المرتبطة بتدفق الأسلحة الصينية غير المشروعة؛ فثمة اتهامات دولية للموردين الصينيين بتوريد أسلحة غير مشروعة إلى أفريقيا[17].
  • التحديات المرتبطة بجودة الأسلحة الصينية؛ وعلى سبيل المثال، تحطمت طائرة صينية، نتيجة عطل فني في عام 2019، من بين طائرتي هليكوبتر من طراز Harbin Z-9 حصلت عليهما مالي من الصين، بينما توقفت الثانية ولم تعد تعمل[18].

مستقبل سياسة الصين الأمنية في غرب أفريقيا

السيناريو الأول، دعم جهود الأمم المتحدة من خلال المشاركة في بعثات حفظ السلام، وتقديم المساعدات العسكرية والمالية لدعم جهود مكافحة الإرهاب. ففي ديسمبر 2019، أعلن السفير الصيني في نواكشوط أن الصين ستتبرع بمبلغ 7 ملايين دولار أمريكي من المعدات العسكرية لكل عضو في مجموعة الساحل الخماسية (G5)، في إشارة إلى أن الصين تريد دوراً محدداً ومستقلاً، لذلك لم تنضم إلى تحالف الساحل لكنها تعهدت بتقديم المزيد من الدعم المالي للقوة المشتركة[19].

السيناريو الثاني، التعاون الصيني الأوروبي في مكافحة الإرهاب، وقد تمت مناقشته في حوار الصين مع الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، لم تُظهِر الصين أي حماس كبير لمثل هذا التعاون، لأن بكين تفضل العمل بشكل مستقل[20].

السيناريو الثالث، انخراط الشركات الأمنية الصينية في المنطقة، والتي تعمل بالفعل في عدد من الدول الأفريقية. وتطالب الشركات الصينية بتعزيز دورها[21]. ومع ذلك، لا تزال الشركات الأمنية الصينية تواجه تحديات عديدة، حيث تُفضِّل بعض الشركات الصينية الاستعانة بالشركات الأمنية الغربية، ولا تزال الدول الأفريقية مترددة في وجود الشركات الأمنية الصينية على أراضيها[22].

خلاصة

من المرجح أن تواصل الصين اتباع نهج متعدد الأوجه للمسائل الأمنية في أفريقيا، يجمع بين مشاركة الصين في عمليات حفظ السلام التي تقودها الأمم المتحدة وإجراءات مكافحة القرصنة لإبراز مكانتها كقوة دولية، وتوفير الدعم المالي واللوجستي للمنظمات الإقليمية الأفريقية لتعزيز جهود مكافحة الإرهاب وتعزيز قدرات الدول الأفريقية على حماية المواطنين الصينيين.

الهوامش

[1] Eric Olander, "It’s Been a Violent Year for Chinese Workers in Africa", August 19, 2020, available at: https://chinaafricaproject.com/analysis/its-been-a-violent-year-for-chinese-workers-in-africa/

[2] David H. Shinn, "China in Africa", Testimony before the U.S.-China Economic and Security Review Commission, May 8, 2020, p. 2.

[3] Ibid, p. 2.

[4] Tom Bayes, "China’s Growing Security Role in Africa: Views from West Africa, Implications for Europe," Berlin, Konrad-Adenauer-Stiftung E. V. 2020, available at: https://merics.org/sites/default/files/2020-07/Chinas%20growing%20security%20role%20in%20Africa_WEB%20version.pdf

[5] Gisela Grieger, Eulalie Claros, "China's rrowing role as a security actor in Africa", European Parliamentary Research Service, October 2019, p. 8.

[6] Ibid, p. 9.

[7] Tom Bayes, op. cit.

[8] Idem.

[9] Matthew Johnson :"China’s International Partnerships: Pan-African Cooperation", February 7, 2020, avai;able at: https://globalriskinsights.com/2020/02/chinas-international-partnerships-pan-african-cooperation

[10] Gisela Grieger, Eulalie Claros, op. cit, p. 5.

[11] Tom Bayes, op. cit.

[12] David H. Shinn,op. cit, p. 5

[13] Matthew Johnson, op. cit.

[14] James J. McDonnell, "Cooperation, Competition, or Both?: Options for U.S. Land Forces vis-à-vis Chinese Interests in Africa", Belfer Center for Science and International Affairs ,June 2020, p.26.

[15] Christopher Spearin, "China’s Private Military and Security Companies: ‘Chinese Muscle and Reasons for US Engagement", Analysis, July 7, 2020, available at: https://www.eurasiareview.com/07072020-chinas-private-military-and-security-companies-chinese-muscle-and-reasons-for-us-engagement-analysis/

[16] Tom Bayes,op. cit

[17] Idem.

[18] Idem.

[19] Idem.

[20] Idem.

[21] Christopher Spearin, op. cit.

[22] Sergey Sukhankin, "Chinese Private Security Contractors: New Trends and Future Prospects", China Brief, Vol. 20, Issue 9, May 15, 2020, p.22

 

أحدث الإيجازات