قانون "قيصر" واحتمالات تقسيم سوريا

مركز الإمارات للسياسات | 22 يونيو 2020

تنطوي العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على سوريا، تحت مسمى "قانون قيصر"، والذي دخل حيز التنفيذ في 17 يونيو الجاري، على خطر تقسيم سوريا وتغيير وضعها الاستراتيجي، بما يشكل مقدمة لإعادة صياغة جغرافية البلاد، بعد أن ساهمت الحرب في تمزيق نسيجها الوطني وتحطيم قدراتها على النهوض السياسي وتجاوز آثار الحرب المدمرة.

وتكمن إشكالية العقوبات الأمريكية، في هذا التوقيت، في حقيقة أنها تؤسس لمرحلة جديدة من الصراع، وتتراكب مع وضع إشكالي مُعقَّد لتزيده تعقيداً وإرباكاً، مع احتمالات الدفع بقوّة في اتجاه تكريس واقع مناطق النفوذ الحالية في سوريا.

استراتيجية التقسيم

اتبع الفاعلون في سوريا استراتيجيات اتسمت بالمرحلية والمؤقتة، أرادت روسيا، التي تحكمت بالجزء الأكبر من المشهد الاستراتيجي السوري، تطوير هذه الاستراتيجيات لصالحها، انخرطت مع اللاعبين الآخرين في اتفاقيات حوّلت سوريا إلى أجزاء وقطع، بيد أن الحسابات الروسية كما يبدو لم تكن دقيقة، ولم تقرأ موازين القوة بدقة، وهذا ما جعلها تصطدم بإمكانية تحويل تلك القطع إلى مشهد متكامل تحت سيطرتها.

على أرض الواقع، كانت سوريا تذهب باتجاه ترسيم مناطق نفوذ مُقسَّمة بين لاعبين عدّة؛ مناطق نفوذ تركية وإيرانية وروسية وأمريكية، وليس بوارد هذه الأطراف، التخلي عن مراكزها في المستقبل القريب. وليس مصادفة أن خطوط الانقسام ارتسمت على أسس عرقية أو طائفية وأيديولوجية؛ فمناطق سيطرة القوات الأمريكية في الغالب مناطق سيطرة كردية، فيما مناطق سيطرة تركيا هي في الغالب مناطق ثوار وتنظيمات متطرفة، ومناطق سيطرة إيران تتركز في جهة ريف دمشق الغربي، حيث تشكل ساحة الأمان للبقاع الشرقي بيئة حزب الله، الذي اقتطع أكثر من 15 ألف كيلو متر مربع من القلمون، وفي جنوب حلب حيث نبل والزهراء الشيعيتين.

وسيعزز قانون قيصر من هذه الأوضاع، من خلال تمييزه بين مناطق ترزح تحت نير العقوبات ومناطق مُعفَاة أو مُستَثْناة منها، وهذا سيؤدي بدوره إلى إلتصاق كل "قطعة" أو إقليم من الأقاليم السورية بالجهة التي يتبع لسيطرتها، في ظل وطنية مهشمة، وصور نمّطها إعلام الحرب عن الآخر المختلف فكرياً وربما عقائدياً. فعلى سبيل المثال، تُسجِّل الإحصائيات أن أكثر من 30 بالمئة من المواطنين السوريين باتوا يتعاملون بالليرة التركية (يشكلون مجموع المقيمين في المناطق الواقعة تحت سيطرة تركيا في إدلب وعفرين والباب وجرابلس ورأس العين)، أما مناطق شرق الفرات، الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فباتت تُسعِّر منتجاتها من القمح بالدولار، وهي تتجه إلى إحلاله مكان الليرة السورية، وهذه التوجهات تُضعِف القواسم المشتركة بين الشعب السوري، بعد أن أتت الحرب على جزء كبير من تلك الروابط والمشتركات، مع العلم أنه بات لهذه المناطق رموز مختلفة؛ إعلام وشعارات وأبطال تحرير ومقاومة.

سوريا بوصفها ساحة حرب جيوسياسية

لا يمكن إخراج قانون "قيصر" من سياق حرب المشاريع الجيوسياسية الدائرة على الأرض السورية، فالأصل في هذا الصراع هو صراع مشاريع جيوسياسية، من سوء حظ سوريا أنها تجمَّعت على أراضيها، لتصبح البلاد جزءاً من هذه المشاريع: مشروع إيران للوصول إلى المتوسط وربط الإقليم من طهران إلى بيروت؛ مشروع روسيا للوصول إلى المياه الدافئة وإقامة قواعد لها، في إطار مشروعها الأوراسي وحماية أمنها القومي عبر السيطرة على الحواف الأوراسية الذي تشكِّل سوريا البوابة الجنوبية لها؛ مشروع الصين "الحزام والطريق، و"عقد اللؤلؤ" أي ربط سلسلة من الموانئ العالمية ببعضها؛ فضلاً عن المشروع الأميركي الأزلي القاضي بحماية إسرائيل، والوقوف في وجه التمددين الروسي والصيني.

لقد كشفت الحرب أن سوريا، هذا البلد الذي ظل هامشياً في الاستراتيجيات الدولية حتى وقت قريب، يقع على كنز استراتيجي انكشفت تفاصيله فجأة أمام أعين اللاعبين، وترجع أسباب ذلك إلى متغيرات تكنولوجية واقتصادية تزامن ظهورها مع بدء الحرب السورية. فقد اكتشفت الأطراف المتنافسة أن الموانئ السورية تصلح لأن تكون الناقل والمورد والمستورد لإقليم يمتد من العراق وإيران إلى أذربيجان وروسيا ودول آسيا الوسطى، وأنه على الأقل يمكنها تخديم كتلة سكانية يتجاوز تعدادها 200 مليون نسمة، كما أن طرقاتها، التي كثيراً ما أغفلتها الخرائط الاقتصادية، هي الرابط ما بين تركيا وأوروبا، والعالم العربي، فطريق M5 يمتد من غازي عينتاب في تركيا إلى نصيب على الحدود الأردنية، ومن هناك إلى مصر والخليج العربي، وطريق M4، يعبر العراق إلى إيران وما بعدها. وتُشكِّل هذه الطرق جزءاً مهماً من الحركة التجارية بين هذه العوالم. بالإضافة إلى أن الأراضي السورية تُمثِّل معبراً لخطوط الطاقة، التي من شأنها تغيير المعادلات، خاصةً في السوق الأوروبية، الأكثر إغراءً لمُنتجي النفط والغاز في العالم.

الإمعان في الخراب: قانون "قيصر" وتكريس التقسيم

 يؤشر التعقيد الحاصل في الأزمة السورية إلى تزايد إدراك الفاعلين للأهمية الجيوسياسية لسورية، وصعوبة التنازل للأطراف الأخرى، لما سيمنحه هذا التنازل من أوراق قوّة على صعيد إدارة الصراعات الجيوسياسية في المنطقة، ويبدو أن السوريين، والعرب من خلفهم،  وقعوا ضحية الكليشيهات التي أطلقتها دبلوماسية الفاعلين المنخرطين في الأزمة السورية، من نوع أن الأطراف الإقليمية والدولية المُتخاصِمة في سوريا، مختلفةٌ على نظام الحكم ومن يحكم، لكنها متفقة على "السلامة الإقليمية" لهذا البلد، مع أن القوّة التشغيلية لهذه الأطراف نَحَت باتجاه تقاسُم الغلَّة الاستراتيجية التي توفرها سوريا.

تجلَّت أولى أشكال التقسيم في الامتيازات التي تحصّلت عليها روسيا وإيران، بالضغط على النظام الحاكم، ولقاء حماية النظام ومنعه من السقوط في مواجهة قوى تحالف الغرب، حسب الروايتين الروسية والإيرانية، وأخذت الامتيازات في الغالب طابع سداد تكاليف المهمات الحربية، التي تحوّلت إلى ديون يصعب على النظام الحاكم الوفاء بها، بعد أن أفرغت الحرب خزائنه، وهذا نمط جديد من التعاطي مع الحلفاء رسمته الصين في العالم، حيث بدأت باسترداد ديونها من خلال السيطرة على الأصول الاستراتيجية للدول المَدينَة (موانئ ومطارات وحقول نفط وغاز)، كما حصل في سريلانكا وباكستان وبعض دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية.

هذه السياسات التي يُراد منها الحصول على أكبر قدر من القيمة المضافة التي يوفرها الموقع الاستراتيجي السوري، ستكون نتيجتها تحطيم القيمة الاستراتيجية لسوريا، عبر تقاسمها بين أطراف متعددة، بعد أن تم تحويل المؤقت إلى دائم، والتكتيكي إلى استراتيجي.

وتقوم فلسفة العقوبات التي يفرضها "قيصر" على منطق تجميد القيم التي تحصلت عليها الأطراف المنافسة للولايات المتحدة الأمريكية وتحويلها إلى قيم عديمة الجدوى، وربما مستقبلاً ذات تكاليف مرتفعة على خصومها في سوريا، وهذا في الواقع ترجمة للقوّة الأمريكية، المتميزة عن سواها من القوى العالمية الأخرى التي تدخل حلبة المنافسة معها باستخدام أدوات تقليدية (القوّتين العسكرية والدبلوماسية) وإغفال حقيقة أن القوّة الإقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية، وتحكّمها بالعملة العالمية الأساسية (الدولار) يتيحان لها هامش قوّة لا يملكه أي من منافسيها، وهي قوّة لا يمكن مقارعتها بالرؤوس النووية ولا بالصواريخ العابرة للقارات.

إذن، يُكرّس قانون "قيصر" وقائع موجودة في الأرض السورية ويمنحها شرعية الأمر الواقع، واحتمالية الخروج من هذا المأزق ستكون مُكلِفَة، إذ قد تتسبب في نشوب حروب بين اللاعبين الكبار، أما الخيار الآخر، فهو تعفُّن الأوضاع الراهنة وتحوّلها إلى بؤر ملتهبة؛ فالبلاد التي دمّرت الحرب أغلب بنيتها التحتية، وحوّلت مدنها إلى ركام، وعطلّت مكائن إنتاجها، كانت بحاجة إلى اجتراح معجزة للخروج من هذه الورطة التاريخية؛ أما أن يأتيها "قيصر" في هذه الظروف، فهذا يعني أن أزمتها ذاهبة إلى مزيدٍ من الخراب.

أحدث الإيجازات