إن جولة الصراع الحالية في قطاع غزة وإسرائيل تؤكد الحاجة الماسّة لإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية. ولن تكتمل فوائد الاتفاقيات الإبراهيمية من دون إيجاد حلّ شامل للقضية الفلسطينية؛ حلٌّ يُعطي الفلسطينيين حقوقهم السياسية الوطنية المشروعة بدولة عاصمتها القدس الشرقية ويُنهي الاحتلال، ويُوقف الاستيطان ويَمنع الإضرار بالحقوق الشرعية للفلسطينيين في القدس: في ممتلكاتهم وحرية تنقلهم وعبادتهم، ويعطي بالمقابل للإسرائيليين الأمن والاستقرار والعيش بسلام وازدهار في دولتهم، وفي المنطقة.

لا أعتقد أن التصعيد العسكري في غزة وإسرائيل سيدفع إلى إعادة النظر في الاتفاقيات الإبراهيمية. هذا قرار استراتيجي للدول التي اتخذته، وما تزال الدوافع والأسباب التي قادت إلى اتخاذه قوية وحاضرة ومتعددة على جميع المستويات.

 إن روح الاتفاقيات الإبراهيمية تقوم على أهمية الحلول الدبلوماسية وتخفيف حدة الصراعات ووقف حالة العداء وانتهاج التهدئة من أجل إشاعة أجواء من الاستقرار والانشغال بالتنمية بدلاً من الحروب والصراعات.

لا شك في أن جولة الصراع الساخنة في قطاع غزة تشكّل اختباراً لهذه المعاني، إلا أنها لن تكون دعوة إلى التراجع والانكفاء، بل التصميم على أن الحلول السلمية والدبلوماسية هي مصلحة مشتركة للجميع؛ باستثناء المتطرفين على كلا جانبي الصراع، الذين يخدم الصراع والاقتتال أجندتهم السياسية والحزبية ومصالحهم الانتخابية والشخصية.

ينبغي أن يكون ما حصل على مدى الأسبوعين الماضييْن حافزاً للمجتمع الدولي والإقليمي للدفع باتجاه حل سياسي دائم، وليس مجرد هدنة أو إدارة للأزمة. هذا المنطق يتوافق تماماً مع المنطق الذي انطلقت منه الاتفاقيات الإبراهيمية: أيْ مواجهة التهديدات المشتركة من خلال دعم عناصر الاستقرار والازدهار ووقف العداء والاقتتال، والانشغال بالتنمية والتعاون الإقليمي والشراكات الاستراتيجية بدلاً من العنف والحروب.

إن دولة الإمارات أكدت مجدداً في أتون هذه الجولة من الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بأن إنهاء العنف، وحماية أرواح الناس وصون كرامتهم، وإيجاد حل سياسي للقضية الفلسطينية، وعلى مبدأ حل الدولتين، هو الطريق الأجدى والأمثل. كما أكدت الإمارات ضرورة حماية حق العبادة في القدس لجميع المؤمنين: مسلمين ومسيحيين ويهود، وأن هذه المدينة المقدسة ينبغي أن تظل مكاناً مفتوحاً للتعايش والتسامح والتنوع الثقافي والديني، وينبغي عدم تغيير معالمها التاريخية والحقوق الراسخة لسكانها، وفي مقدمتهم سكان حي الشيخ جراح من الفلسطينيين.

وهذه الجولة من الصراع أكدت مجدداً الأهمية المتزايدة لإبعاد المدنيين، ومن ضمنهم الصحفيون والإعلاميون، عن الصراعات والحروب، ودللت على أن التنازلات السياسية المتبادلة، والمساواة في العدالة والحقوق للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، هي أقصر الطرق لحل النزاعات المستعصية.

ما يحدث في غزة لا يُقوّض العلاقات الدبلوماسية الجديدة بين إسرائيل والدول العربية التي أقامت علاقات معها في العام الماضي، لكنّه يعزز أهمية تحقيق السلام والهدوء وتجنُّب مسلسل العنف الأعمى.

لا يمكن للإمارات أنْ تقبل بقتل إسرائيل للمدنيين الفلسطينيين، ولا بقتل مدنيين إسرائيليين، بل إن دعوتها للتهدئة والحلول السلمية إنما تستهدف أولاً وأخيراً حماية الأرواح والممتلكات والحقوق وكرامة البشر.

في الواقع، ما حدث خلال الأيام الماضية هو صدمة بكل المعاني، وقد يكون دفع منْ كان متشجعاً من الدول العربية أو الإسلامية لإقامة علاقات مع إسرائيل إلى مزيد من التريّث والحذر، وأخذ مزيد من الوقت أو المراجعة ربما.

إن الأبعاد العاطفية والنفسية للصراع مهمّة في منطقتنا، ومن المهم أن تُؤخذ بعين الاعتبار، حتى لو اتفقنا على أن مصالح العرب مع إسرائيل وبالعكس تتجاوز المسألة الفلسطينية، إلى الأمن والدفاع والتجارة والاستثمارات والشراكات الاستراتيجية المتنوعة والاستعداد لمستقبل آمن وأكثر ازدهاراً.

في جميع الأحوال، من المهم استخلاص الدروس مما حدث ويحدث؛ باتجاه تقوية عناصر الاعتدال والتسامح وحماية حقوق الإنسان والبعد عن العنف وخطاب الكراهية، وهي الركائز الحقيقية التي تتأسس عليها الاتفاقيات الإبراهيمية.

 من المهم للغاية إبعاد المدنيين والأبرياء عن ساحة الصراع وأجندات التنافس السياسي والانتخابي. من المهم تهميش المتطرفين وعدم إعطائهم الفرصة لاحتكار قيادة المشهد وتحديد النتائج.

إن أكثر ما يشجّع على الالتحاق بركب التطبيع مع إسرائيل هو الالتزام بهذه المعايير، وكذلك إظهار نماذج واضحة من ثمار ونجاحات الاتفاقيات الإبراهيمية مع الإمارات والبحرين، وكذلك نجاح الاتفاق الإسرائيلي-المغربي والإسرائيلي-السوداني.

إنّ تفاقم معاناة الفلسطينيين يطرح مزيداً من الضغوط والإحراج للدول التي أبرمت اتفاقيات مع إسرائيل. ومن المهم معالجة ذلك بحكمة وهدوء، وبما يسمح بإقناع الشعوب العربية بجدوى عقد اتفاقيات سلام مع إسرائيل. في هذا الصدد على الإسرائيليين المسؤولية الأكبر؛ بالعمل على إنهاء الاحتلال وضبط المجموعات اليمينية المتطرفة والعنيفة.. وعلى الفلسطينيين مسؤولية كذلك؛ بالتحلي بالواقعية، ووحدة القيادة السياسية، والالتزام بالأدوات السلمية، وعدم انتهاج العنف ضد المدنيين. وعلى المجتمع الدولي أن يساعد في بناء إجراءات الثقة بين الطرفين، تمهيداً لخلق أرضية صالحة لعقد مباحثات جدّية، تُوقف إراقة الدماء، وترسّخ الهدوء والاستقرار في الأراضي الفلسطينية وإسرائيل.

إن من الحكمة العمل الجادّ بكل الوسائل لأْن يكون الفلسطينيون، وليس فقط الإسرائيليين، ضمن فريق الرابحين من اتفاقيات السلام العربية-الإسرائيلية.

إن اشتراط دولة الإمارات وقف ضم 30% من أراضي الضفة الغربية المحتلة وغور الأردن مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل، إنما يؤكد حرص الإمارات الراسخ على حق الفلسطينيين في دولة مستقلة قابلة للحياة، وبأن يكونوا من الرابحين من الاتفاقيات الإبراهيمية.

إن جولة الصراع الجديدة في غزة تُقدّم مزيداً من الأدلة على أن مِنْ حق الفلسطينيين، كما قالت الإدارة الأمريكية، أن يتمتعوا، كما الإسرائيليون، "بإجراءات متساوية" فيما يتعلق بالحرية والأمن والازدهار والديمقراطية... هذا هو الطريق الصحيح، وهو في صُلب أهداف الاتفاقيات الإبراهيمية!

د. ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات.

أحدث الإيجازات