أدى الانسحاب الأمريكي "غير المنظم" من أفغانستان إلى صدمة للأوروبيين على نحوٍ دفعهم إلى عقد اجتماعات طارئة على مستوى كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين؛ لبحث التعاطي مع تداعيات هذا الانسحاب، وسيطرة حركة طالبان على كابُل في 15 أغسطس 2021. وبعد أن شاب العلاقات الأمريكية-الأوروبية فتور واضح إبان حكم "ترمب"، وانعقدت الآمال على عودتها إلى مسارها السليم في عهد "بايدن"، إلا أن تفرد واشنطن بقرار الانسحاب ذاك، ودون تنسيق مع الحلفاء في "الناتو"، قوض مصداقية الإدارة الأمريكية ومبدأ التعاون مع الحلفاء الذي رفعته.

والأسئلة التي أخذت تُطرح في أروقة السياسة الأوروبية منذ ذلك الحين هي: هل بإمكان الاتحاد الأوروبي إصلاح بنى السياسة الخارجية بحيث يكون قادراً على الاستجابة بطريقة سريعة وفعالة للأزمات التي تمس مصالحه بشكل مباشر؟ وهل بإمكان الدول الأوروبية الاستقلال عن التبعية السياسية والعسكرية للولايات المتحدة؟ هذا ما تبحثه هذه الورقة.

الرؤية الأوروبية للتأثيرات السلبية لفوضى الانسحاب الأمريكي

أصاب الانسحابُ الأمريكي "المتعجل" من أفغانستان، واستيلاء طالبان السريع على مقاليد الحكم فيها، قادةَ الدول الغربية بخيبة أمل كبيرة، وقد حدا هذا بهم إلى التعبير عن التشكك في المواقف السياسية للإدارة الأمريكية، ومستقبل علاقاتها بأوروبا. وقد وصفت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التطورات في أفغانستان بأنها "مؤلمة ومخيفة"، واعتبرت أن "مسؤولية الانسحاب العسكري الغربي من أفغانستان تقع على عاتق الولايات المتحدة".[1] كما وصف وزير الدفاع البريطاني بن والاس قرار الولايات المتحدة بسحب قواتها من أفغانستان "بالخطأ الكبير".[2] في حين اعتبر عديد من الساسة والمحللين تطورات الأوضاع على الأرض في أفغانستان بأنها صفعةٌ قوية للمصداقية السياسية والأخلاقية للغرب.

ويعود استياء الحلفاء الأوروبيين إلى ما يلي:

  1. الانسحاب الأمريكي جاء دون استشارة الجانب الأوروبي، وعدم مراعاة مصالحه الاقتصادية والأمنية في أفغانستان.
  2. القلق من العواقب الإنسانية المترتبة على الانسحاب، سواء للرعايا الأوروبيين أو للأفغان الذين خدموا الدول الأوروبية طوال عشرين عاماً، أو بالنسبة لتدفقات الأفغان الراغبين في اللجوء هرباً من الواقع الأليم.
  3. الإحباط الذي أصاب دول أوروبا من فشل جهودها في بناء نظام سياسي سليم قائم على خلق حكومة أفغانية قادرة على بناء الدولة ومؤسساتها.
  4. شعور الأوروبيين بعدم وفاء بايدن بوعده بضرورة تحالف الديمقراطيات الغربية بقيادة بلاده التي "عادت" إلى موقعها على قمة الهرم العالمي، والاكتفاء بتحقيق مصالح بلاده بعيداً عن مصالح وأمن الحلفاء الأوروبيين.
  5. فهم الأوروبيين لعملية الانسحاب على أنها رسالة أمريكية مفادها أن أمن ورخاء أوروبا، وتسخير الدرع الأمريكية لحمايتها لم يعد يحظى بالأولوية لدى واشنطن، وأن رؤية ترامب، المتمثلة في "أمريكا أولاً"، لا تزال هي نهج إدارة بايدن.

وقد كشفت أحداث أفغانستان عن الاعتمادية الكاملة لدول أوروبا على الإمكانات العسكرية واللوجستية الأمريكية. ففي بريطانيا تعرض رئيس الوزراء بوريس جونسون لانتقادات لاذعة من مجلس العموم بسبب انقياد بلاده لواشنطن إلى الحد الذي دفع رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي، إلى التساؤل في جلسة لمجلس العموم عن "صحة الشعار الذي رُفع بعد البريكست في بريطانيا ويتحدث عن حلم بريطانيا العظمى".[3] وما زاد من اشتداد أزمة الخروج المنظم والكامل من أفغانستان لدول أوروبا هو رفض بايدن الضغوط التي مورست عليه من أطراف أوروبية وأمريكية لتأجيل موعد إتمام الانسحاب.

انعكاسات أزمة الانسحاب على السياسة الأوروبية

أكدت أحداث أفغانستان حاجة أوروبا إلى بلورة استراتيجية سياسية وعسكرية مستقلة وواقعية، تأخذ في الاعتبار متطلبات التغيير الدولي المتواترة. وهذا ما أشار إليه جوزيب بوريل، المفوض الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية، في حين أشار شارل ميشيل رئيس المجلس الأوروبي خلال "منتدى بليد الاستراتيجي" في سلوفينيا، الذي انعقد في مطلع سبتمبر 2021،[4] إلى "ضرورة أن يسعى الاتحاد الأوروبي إلى استقلالية أكبر في صنع القرار وقدرة أكبر على التصرف في العالم"، لذا بحث وزراء الدفاع لدول الاتحاد إنشاء قوات خاصة للتدخل السريع في الأزمات والطوارئ الدولية التي تشكِّل تهديداً لأمن ومصالح دولها، لتقليل الاعتماد الكامل على المقدرات العسكرية لواشنطن.

وقد تم تقديم مقترح في مايو 2021 لإنشاء قوة أوروبية تضم خمسة آلاف فرد، وذلك في إطار المراجعة الاستراتيجية لدول الاتحاد والمزمع مناقشتها خلال نوفمبر 2021، والتي قد تشمل محاولة تعديل شرط الإجماع إلى موافقة الأغلبية، لتفعيل نظام "التجمعات التكتيكية" الذي دشَّنه الاتحاد عام 2007، بيد أن بعض المراقبين يشكك في إمكانية تحقق هذا الهدف فعلياً، للأسباب الآتية:

  1. إبداء ألمانيا على لسان وزيرة دفاعها عدم رغبتها في أن تصبح القوة الأوروبية المراد إنشاؤها بديلاً من حلف شمال الأطلسي أو القدرات العسكرية للولايات المتحدة.
  2. خشية واشنطن من أن تتعارض مهام القوة الأوروبية مع مهام حلف شمال الأطلسي، وبالتالي تمثل نذيراً بانهياره كليةً، وهذا ما دفع المتحدث باسم الخارجية الأمريكية إلى القول بضرورة تكاتف الديمقراطيات التي يتألف منها الاتحاد الأوروبي لتشكيل قوة هائلة من أجل نظام دولي مستقر ومنفتح، على أن يتم التنسيق بين الاتحاد الأوروبي والناتو "لتجنب الازدواجية والهدر المحتمل للموارد الشحيحة".

محددات العلاقات الأمريكية-الأوروبية

ثمة محددات تحكم العلاقة بين جانبي الأطلسي أثبتتها أحداث أفغانستان الأخيرة، منها افتقار أوروبا إلى سياسة خارجية ودفاعية موحدة؛ فالاختلافات في الرؤى حيال القضايا ذات الأهمية الأمنية أو العسكرية لدول الاتحاد لا تزال قائمة.

وحتى في الأزمات الأوروبية، مثل كوسوفا، لم يستطع الأوروبيون التعاطي معها بعيداً عن واشنطن وحلف الناتو، وهو ما يؤكد عدم قدرتهم على تدشين سياسة خارجية ودفاعية متكاملة تجاه القضايا الإقليمية والدولية التي تهمهم. فهناك اختلاف في المواقف الأوروبية من روسيا، والملف الإيراني، ومن ملف الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. والأكثر من ذلك أن محللين غربيين نظروا إلى الشراكة الأوروبية-الأمريكية باعتبارها ذريعةً للأوروبيين للتهرب من مسؤولياتهم الاستراتيجية، وتفويض أمنهم الإقليمي واستقرارهم العالمي إلى الولايات المتحدة.

لكن من جانب آخر، فإن واشنطن في حاجة إلى أوروبا لتكوين تحالف مع الديمقراطيات الغربية؛ لمواجهة صعود القوى المناوئة للهيمنة الأمريكية، وخاصةً في ظل نظام عالمي يَشي بانتهاء التفردية الأمريكية، وبزوغ قوى صاعدة جديدة على الساحة العالمية، على رأسها الصين وروسيا اللتين يشكل تحالفهما في قضايا كثيرة (الملف النووي الإيراني، والملف السوري، والتعاون الاقتصادي) تحدياً خطيراً للغرب ولواشنطن.

ويمثل التحالف الصيني-الروسي معضلة بالنسبة للإدارة الأمريكية من عدة زوايا:

  1. التعاون في المجال التقني والتسليح، ومساعدة الدول المناوئة لواشنطن، كإيران، عسكريّاً، وهو ما يفرض على واشنطن وحلفائها سيناريوهات غير مرغوبة، ومزيداً من الاستنزاف المالي لميزانية الدفاع.
  2. دعم الدول الديكتاتورية التي لا تحترم حقوق الإنسان، وهو ما يشكِّل إضعافاً للأعراف والمؤسسات الدولية المعنية بالديمقراطية وحقوق الإنسان.
  3. التعاون السيبراني، وهو ما يؤثر بشكل كبير على أهم مجال للتفوق الأمريكي، ومن ثم مكانتها ونفوذها الدوليين. وبالتالي تأتي الرغبة الأمريكية في التحالف مع أوروبا لتكوين جبهة قوية لردع محاولات روسيا والصين اختراق المصالح والمجتمعات الغربية والأمريكية.

الخلاصة والاستنتاجات

تقف العلاقات الأمريكية-الأوروبية في مفترق طرقٍ بعد انتهاء الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وعلى الرغم من المأزق الذي وجدت الدول الأوروبية نفسها فيه بسبب الانسحاب، إلا أنه لا يتوقع حدوث تصدعٍ في العلاقات بين جانبي الأطلسي، فقد أظهرت التجارب السابقة عجز الدول الأوروبية على اتخاذ قرار "بالإجماع" بشأن تكوين قوة ردع عسكرية، فضلاً عن وضوح الهدف الذي يزمع إنشاء تلك القوة من أجله (ردع الروس أم محاربة الإرهاب أم حصار النفوذ الصيني؟)، إلى جانب ترجيح استمرار إدارة بايدن في نهجها المتمثل بـ"عودة أمريكا" إلى قيادة العالم؛ لنشر النموذج الديمقراطي فيه، وتحجيم النفوذ الصيني المتزايد سياسيّاً واقتصادياً وتقنيّاً وعسكريّاً.

الهوامش

[4] انظر: https://bit.ly/3hD5wr0

_____

تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ"مركز الإمارات للسياسات"، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من المركز، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى المركز بوصفه الناشر الأصلي. 

 

أحدث الإيجازات