في نهاية شهر ديسمبر الفائت، قال وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، خلال زيارة رسمية إلى العاصمة الروسية موسكو، إن الانتخابات الرئاسية في سوريا [والتي من المقرر انعقادها منتصف العام الجاري] "ستُجرى في وقتها المعتاد دون أي تأجيل"، مؤكداً أنها ستُعقَد بمعزل عن نتائج عمل اللجنة الدستورية السورية.

إصرار دمشق على الانتخابات

من الواضح أن النظام الحاكِم في دمشق لا يُبالي بعمل اللجنة الدستورية، وهو الذي أرسل إليها وفداً قال الرئيس بشار الأسد في نهاية العام قبل الفائت في مقابلة صحفية إنه (أي الوفد) يتماهى مع رؤية حكومة دمشق دون أن يكون مُمثلاً رسمياً عنها، ما يعني أن الحكومة سواء إن كانت جادة في التزامها باللجنة الدستورية أم لا، فإن ما يهمها تمرير خط استمرار سيطرتها على الحكم عبر المحافظة على العمل بدستور عام 2012، الذي يضمن صلاحية وجود بشار الأسد في الحكم لولاية ثانية وأخيرة مدتها سبع سنوات بحسب الدستور، ما يعني بقاءه في السلطة إلى عام 2028، وبعد ذلك يصبح التفكير بشخصية جديدة في الرئاسة أمراً ممكناً.

ومن هذا المنطلق، تأتي مماطلة دمشق في إبطاء أعمال اللجنة، وعدم الاكتراث بتحقيق أي تقدم في عملها، وبالتوازي أيضاً يبرز إصرار دمشق على إقامة الانتخابات الرئاسية في موعدها، تلافياً لأية موانع تعيق إقامتها فيما إذا تم تأجيلها ومُرِّر دستور مُعدّل/جديد.

لا تريد دمشق أي تغيير جذري يُغيّب المنظومة الحاكمة في سوريا، ويُفرَض عليها كليّاً من الخارج، وهذا ما ترفضه موسكو أيضاً التي تعتبر أي تغيير لا يأتي من قبلها، وبموافقة ضمنية من دمشق، بمثابة خسارة ستؤدي إلى خلط أوراقها في المنطقة، وتُربِك تفاهماتها مع تركيا. لذا، فإن إقامة انتخابات رئاسية جديدة تُجدِّد للأسد بقاءه على سدة الحكم، ومن ثمَّ الشروع في العمل على تلبية المطالب الغربية لضمان بدء مرحلة إعادة الإعمار، هو ما تعمل عليه موسكو ويصب في مصلحة دمشق، وعلى نحو يضمن عدم تحجيم دور روسيا في الملف السوري.

وسيؤدي استمرار عمل اللجنة الدستورية مقابل تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى خسارة حكومة دمشق كل ما سعت إليه بعد التدخل العسكري الروسي في سبتمبر 2015، ولعل أهمها بناء الاقتصاد المتدهور، والاستفادة من أموال إعادة الإعمار في إنعاش الاقتصاد السوري الخاضع لها، فضلاً عن خسارتها (أي دمشق) لأوراق جديدة على الصعيد السياسي يمكن أن تلعب بها خلال الفترة المقبلة وتساوم بها الأطراف الأخرى المتدخلة في الملف السوري، والتي تقف على النقيض من حليفها الروسي.

وسيكون إجراء انتخابات 2021، إن حصلت، بمثابة إعلان انتصار بالنسبة لدمشق، بحيث تكون نتيجة الانتخابات رسالة رمزية مُعبّرة للمجتمع الدولي، مفادها أن السوريين يريدون الأسد في السلطة مرة أخرى، في الوقت الذي سيتم اعتبار مسائل إعادة الإعمار وإعادة اللاجئين؛ تحديات حكومية مُفْرَغَة تماماً من أي بعد سياسي.

حل روسي وعوائق دستورية

يُدلل تصريح وزير الخارجية السوري فيصل المقداد في موسكو، أن روسيا توافق على مضمون ما تحدث به حول الانتخابات الرئاسية، وهذا يعني بحال من الأحوال أن روسيا تُمهِّد لمرحلة جديدة تتناسب مع عقد الانتخابات الرئاسية، وتحتاج فيها إلى تذليل عقبات مشاركة المعارضة السورية فيها لإضفاء نوع من الشرعية والقبول الدولي عليها.

وكانت لدى الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، شروطاً واضحة للخوض في مرحلة إعادة الإعمار (المرحلة التي تشغل بال روسيا خلال الفترة الحالية)، تتمثل أهمها في الوصول إلى حل سياسي حقيقي ودائم في سوريا، ولعل الاستراتيجية الروسية في الملف السوري باتت مكرسة في تجاوز تراتبية القرار الأممي 2254 وإعادة صياغته/مَرْحلتِهِ كما تريد هي، فبدأت بالإصرار على بدء عمل اللجنة الدستورية وتغاضت عن هيئة الحكم الانتقالي، والآن، وفي هذه الفترة، قد تسعى لاستكمال هذه الاستراتيجية من خلال إقامة انتخابات رئاسية يُشارك بها جزء من المعارضة التي تدعمها أنقرة، ولعل قرار تأسيس "الائتلاف السوري" المعارض مفوضية للانتخابات والتراجع عنه مُحرجَاً مُقدِمة لذلك.

تَعلَم روسيا العوائق الدستورية أمام إمكانية المشاركة في الانتخابات لأية شخصية من المعارضة تقيم خارج البلاد منذ 10 سنوات أو أكثر؛ فهي ستواجه عائقاً بحسب دستور عام 2012 يتمثل في عدم جواز الترشح لمن هو غير مقيم في سوريا لمدة لا تقل عن عشر سنوات إقامة دائمة متصلة عند تقديم طلب الترشح. إضافة إلى عدم جواز الترشح لمن يحمل جنسية ثانية، إلى جانب الجنسية السورية. كما يوجب دستور 2012 أن يكون المرشح مُتمتعاً بالجنسية السورية بالولادة، ومن أبوين متمتعين بالجنسية السورية بالولادة، وغير متزوج من غير سورية. كذلك يشترط الدستور السوري الحالي على الراغب بالترشح، الحصول على تأييد خطي من 35 عضواً من أعضاء مجلس الشعب.

وبهذا، فإن المواد الدستورية السابقة تُمثل مانعاً دستورياً قد يدفع روسيا إلى حض دمشق على إحداث تغيير دستوري يُلغي تلك المواد أو يستثني سريان مفعولها على مَنْ يرغب بالترشح للرئاسة في الانتخابات المقبلة.

ورغم إعلان كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في وقت سابق رفضهما لشرعية أية انتخابات رئاسية في سوريا قبل تنفيذ القرار الدولي 2254، إلا أن المصالح التي تحكم العلاقات الدولية قد تكون أكبر من التصريحات التي أشارت إلى عدم شرعية الانتخابات دون الشروع في عملية انتقال سياسي. وهنا يتوجب الإشارة إلى أن أولويات الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن قد تتمثل في إنهاء الأزمات والتوترات في المنطقة، وعلى رأسها التعامل مع مسألة نفوذ طهران الإقليمي وبرنامجها النووي، فضلاً عن التعاطي مع ملف مكافحة الإرهاب المستعصي ومسألة الوجود العسكري الأجنبي في شمال شرق سوريا. وعلى الجانب الآخر، تبدو أزمة جائحة "كورونا" وملف اللاجئين، من أهم المسائل التي تؤرق الأوروبيين الذين يسعون إلى حل عقدة بقاء اللاجئين في بلادهم ما دام الحل مستعصياً في سوريا.

خلاصة

تُشكل الانتخابات الرئاسية في سوريا، في موعدها الذي يتمسَّك به نظام الرئيس بشار الأسد، ورقة ضغط سياسية جديدة بيد موسكو ودمشق. لكن اعتراف المجتمع الدولي بشرعية الانتخابات الرئاسية مرهون بمشاركة المعارضة السورية فيها أكثر من أي عوامل أخرى، وهو أمر مُمكِن الحدوث.

أحدث الإيجازات