انتخابات مجلس الشعب في سوريا: مدلولاتها وأهدافها

مركز الإمارات للسياسات | 29 يوليو 2020

أظهرت الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب في سوريا، التي أقيمت في 19 يوليو الجاري، أن نظام الحكم غير معني سوى برؤيته للحل وسرديته للصراع، وكأن البلاد لم تعبر عقد كامل من الحرب المدمرة، التي كانت نتيجتها هجرة ونزوح نصف الشعب السوري، ورزوح أكثر من 90 بالمئة، ممن تبقوا في سوريا تحت خط الفقر.

ولعل السؤال الذي حيّر المراقبين: ما حاجة النظام السوري لانتخاب مجلس شعب جديد طالما سيتبع ذات الأساليب والأدوات والمنهجية التي كانت سائدة قبل الحرب، وما حاجته لانتخابات لا يعترف بها العالم الخارجي، والمطلوب منه دعم عملية الإعمار والتصديق على عملية السلام وفق قرار مجلس الأمن 2254، الذي ينص على ضرورة التوصل إلى صياغة دستور جديد، يتم على أساسه إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية تحت رقابة دولية؟

الشعب خارج المعادلة الانتخابية

رغم إعلان النظام السوري أن نسبة المشاركة، بلغت بحدود 33% من مجموع من يحق لهم التصويت، إلا أن التقديرات المختلفة، ومواقع موالية للنظام، أكدت أن نسبة المشاركة الفعلية لم تتجاوز الـ 10%، وأن هذه النسبة ناتجة عن الانتخاب الإجباري المفروض على الموظفين وطلاب الجامعات وحتى عناصر القطع العسكرية التابعة للنظام.

وقد امتنعت المناطق الواقعة تحت سيطرة الإدارة الذاتية للأكراد، عن المشاركة في الانتخابات التي أكدت أن إجراءها يعكس إصرار النظام على عدم مشاركة أي طرف سوري في حل الأزمة. كما استثنى النظام مشاركة اللاجئين في الخارج نتيجة اشتراطه أنه لا يحق الانتخاب إلا لكل شخص يحمل جواز سفر ساري المفعول ويملك صاحبه ختم خروج من أحد المعابر الشرعية، وبالطبع استثنى النظام المناطق الواقعة تحت سيطرة الفصائل المعارضة، ما يعني ان أكثر من ثلث الشعب السوري كان ممنوعاً من المشاركة.

صلاحيات مجلس الشعب وأهميته

تأسس البرلمان السوري سنة 1928، ما جعل سوريا صاحبة أول تجربة برلمانية عربية، وكان البرلمان يلعب دوراً مهماً، انطلاقاً من صلاحياته الواسعة وسلطته في التشريع ومراقبة السلطة التنفيذية، لدرجة أن جميع الرؤساء ورؤساء الوزراء في المرحلة التي أعقبت الاستقلال كانوا من خلفيات برلمانية، وهذا ما دفع بحزب البعث السوري عند انقلابه على السلطة سنة 1963 إلى تعطيل البرلمان ومصادرة صلاحياته لصالح الحزب والقيادات العسكرية.

وأعاد الرئيس حافظ الأسد تفعيل البرلمان سنة 1971، بعد تغيير اسمه إلى مجلس الشعب، لكن بعد أن حوله إلى مؤسسة شكلية منزوعة السلطات والصلاحيات لصالح النظام الرئاسي المطلق؛ فجميع القرارات المصيرية والتشريعات الرئيسية والقوانين المؤثرة أصبحت حكراً على رئيس الجمهورية الذي منحه دستور عام 1971 صلاحيات مطلقة، بما في ذلك حق التشريع وإقرار القوانين وتعيين الحكومة والوزراء، بل وردّ القوانين التي يقرها البرلمان، وصولاً إلى الحق بحل المجلس عندما يريد.

ورغم استهانة المراقبين بمجلس الشعب، ووصفه بـ"مجلس المصفقين" و"المجلس الديكوري"، إلا أن نظام الأسد استثمره في قضيتين سيكون لهما تأثير مهم على استقرار النظام وهيمنته:

أولاهما، تحويل مجلس الشعب إلى ساحة للمنافسة على المكانة والنفوذ والزبونية، وخاصة بين الوجهاء ورجال الأعمال الصاعدين، والوصول للمجلس من قبل هؤلاء هو بمثابة مكافأة من النظام لهم، ومن جهة أخرى، مؤشراً على درجة قرب هؤلاء من النظام.

وثانيهما، استخدام المجلس في إبراز وجه مدني" حداثوي" لنظام عسكري استبدادي. وقد حرص نظام الأسد على اظهار تصرفاته بوصفها إجراءات قانونية خاضعة للدستور، والمثال الأبرز على ذلك، تعديل المادة الدستورية الخاصة بعمر الرئيس لانتخاب بشار الأسد، الذي كان يمكنه في ذلك الوقت استلام السلطة دون الحاجة لهذا الإجراء، في ظل سيطرته على مفاصل البلد بأجهزتها الأمنية والعسكرية ووجود قبول دولي له بذريعة حماية استقرار سوريا.

الصاعدون الجدد

رغم أن التعديلات الدستورية التي أجراها النظام سنة 2012 قد ألغت المادة الثامنة التي تنص على أن حزب البعث هو "القائد للدولة والمجتمع"، إلا أن ذلك لم يؤثر على حصة البعث، والأحزاب المتحالفة معه في "الجبهة الوطنية التقدمية" البالغة 183 نائباً (منها 166 للبعث وحده)، من أصل 250 مجموع أعضاء المجلس، الذي يقوم نظامه الانتخابي على اعتماد الدائرة الكبرى (المحافظة)، وبحساب مقعد عن كل 80 ألف مواطن.

ويتمحور الصراع والتنافس في الغالب على الـ67 مقعد الباقية، أي مقاعد المستقلين، والتي تتكون في الغالب من القوى الاقتصادية الصاعدة والمقربة من نظام الأسد. وقد أظهرت الانتخابات الأخيرة القوى التي برزت أثناء الحرب، إذ وصل للمجلس 8 من قادة الميليشيات العسكرية، و12 من الضباط المتقاعدين والمشاركين في الحرب، كما وصل بعض "رجال الأعمال" الذين برزوا في مرحلة الحرب، مثل حسام القاطرجي، مقابل خروج شخصيات اقتصادية مؤيدة للنظام، مثل محمد حمشو، وفارس الشهابي، الذي حمّل مسؤولية خسارته لـ"تحالف أمراء الحرب مع منظومة الفساد" التي اتهمها بمحاربته بكل شراسة. ودخل إلى المجلس شخصيات عديدة محسوبة على إيران، وخاصة من ضمن قادة الميليشيات وبعض الاقتصاديين، مقابل عدم اهتمام روسيا بإيصال أي من المحسوبين عليها إلى المجلس.

ويؤشر فوز العديد من تجار الحرب وقادة الميليشيات، وخسارة عدد كبير من طبقة التجار والصناعين ووجهاء العشائر لمقاعدهم، إلى تعديل خريطة تركيبة القوى المجتمعية المؤيدة له، لتتناسب مع التغيرات التي أفرزتها الحرب، وتتوافق من جهة أخرى مع استحقاقات المرحلة السورية المقبلة.

ومن المتغيرات التي طرأت على المجلس، تغيّر نسبة ممثلي الطوائف، إذ ارتفعت نسبة العلويين الفائزين بمقاعد في البرلمان إلى الخمس، بعد وصول 39 من الطائفة إلى المجلس للمرة الأولى، حسب ما رصدته دراسة أمريكية، بينما ذهب 171 للسُّنة، و23 للمسيحيين، وخمسة مقاعد للشيعة.

أهداف النظام من العملية الانتخابية

أراد نظام الأسد تحقيق جملة من الأهداف من وراء اصراره على إنجاز العملية الانتخابية، التي جرت في ظروف اقتصادية واجتماعية سيئة، وفي ظل انتشار وباء كورونا، الذي تؤكد تقارير المنظمات الدولية توسُّع انتشاره في هذه الفترة، وأهم هذه الأهداف:

  1. إدارة لعبة التوازنات داخل النظام، وذلك من خلال إدخال مُمثلي الفئات الصاعدة في الحكم، وتحديداً رجال الأعمال ورجال الدين والزعامات القبلية وأسر قتلى الجيش قوات النظام، باعتبار أن هذه الفئات تشكل الركيزة الأساسية لاستقراره.
  2. إيصال رسالة للعالم الخارجي، الذي يطالب بإجراء تغييرات هيكلية ودستورية تستجيب للتغيرات التي حصلت في العقد الماضي، سياسياً واجتماعياً، ومحتوى رسالة النظام بهذا الخصوص، أن كل شيء يسير على ما يرام ولا داعي لتغيير أي شيء.
  3. إنتاج مجموعة من البرلمانيين المرتبطين عضوياً بالنظام ورأسه، تكون القضية الأساسية بالنسبة لهم بقاء بشار الأسد في السلطة تحت أي ظرف، إذ إن أعضاء المجلس الحالي هم الذين سيصوتون على التعديلات الدستورية التي قد تحاول روسيا فرضها عبر اللجنة الدستورية المدعومة من قبل الأمم المتحدة، وفي ظل التركيبة الحالية للمجلس يستحيل تمرير أي بند دستوري يخفض من صلاحيات الأسد ولا المدّة التي يحق له البقاء فيها في السلطة. كما أن أعضاء مجلس الشعب الحاليين هم الذين سيرشِّحون الرئيس المقبل، بناء على مادة دستورية تنص على أن مجلس الشعب يرشح رئيس الجمهورية.

وانطلاقاً من ذلك، حرص نظام الأسد على أن يكون أعضاء المجلس الحالي من أشخاص يرتبطون مصلحياً به، بل متورطون معه في الفساد والانتهاكات التي شهدتها سوريا أثناء مرحلة الحرب.

خلاصة واستنتاجات

تعكس عملية انتخاب مجلس الشعب السوري إصرار نظام الأسد على رفض إجراء أي تغييرات، أو تقديم تنازلات، حتى لو كانت شكلية، سواء للداخل السوري أو للمجتمع الدولي، الأمر الذي سيعقّد أي إمكانية لتحريك العملية السلمية، وإبقاء البلاد في حالة عدم الاستقرار، بالإضافة إلى إغلاق الباب في وجه أي محاولة خارجية للانفتاح على النظام وإعادة تأهيله والمساعدة في عملية إعادة الإعمار.

وتؤشر العملية إلى طبيعة تعامل النظام مع استحقاقات المرحلة المقبلة، وخاصة على مستوى صياغة دستور جديد وإجراء انتخابات رئاسية حرة ونزيهة، وفق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ذلك أن تعاطي النظام مع هذه الاستحقاقات سيكون على شاكلة تعامله مع انتخابات مجلس الشعب الأخيرة.

ويمكن في الختام، التأكيد على أن الحرب في سوريا، ما يزال أمامها وقت طويل قبل الإعلان عن انتهائها فعلياً، إذ ما زال النظام يتعاطى بأساليب أمنية وعسكرية في إدارة شؤون سوريا، ويتعامل مع الأطراف الداخلية والخارجية على أنه المنتصر في الحرب وليس مضطراً لإجراء تعديلات جوهرية في سلوكه ونهجه.

أحدث الإيجازات