انحصرت الحرب السورية، في السنتين الأخيرتين من عمرها، بالحرب على الطرقات، وقد أطلق البعض عليها تسمية "حرب الأوتسترادات"، بالإشارة إلى الطريقين الدوليين  M4 وM5، اللذين يربطان شرق سوريا بغربها، وشمالها بجنوبها.

وبالإضافة إلى أهميتها اللوجستية داخل سوريا، فإن هذه الطرق ذات أهمية إقليمية ودولية، متأتية من حاكمية الجغرافية السورية كنقطة عبور إجبارية بين أوروبا والدول العربية، وبين آسيا والقارة الأوروبية، حيث يعتبر طريق M4، الذي يعبر سوريا من معبر اليعربية الواقع على الحدود السورية-العراقية، الناقل الأهم للبضائع القادمة من العراق وإيران ودول آسيا الوسطى وروسيا إلى البحر المتوسط، ويلتقي عند عقدة سراقب مع الطريق M5، الذي يربط سوريا بأوروبا عبر تركيا شمالاً، والأردن والخليج ومصر جنوباً.

الطرق الدولية في الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية للاعبين المؤثرين

النظام السوري

يعتبر الطريق M4 خط الإمداد الرئيس بين الجزيرة السورية، حيث مواقع إنتاج الحبوب والنفط والقطن، ومواقع التصنيع والإستهلاك والتصدير، في حلب ودمشق واللاذقية، ويُراهن النظام السوري على استعادة حيوية حلب كعاصمة اقتصادية، عبر ربطها بواقع الاستهلاك في وسط وجنوب سوريا، وتذهب تقديراته إلى أن من شأن فتح الطريق الدولي تسريع وتحفيز الإنتاج الحلبي.

وفضلاً عن ذلك، سيسمح فتح الطريق بإنعاش تجارة الترانزيت بين دول الإقليم، والتي كانت تدرُّ حوالي 3 مليارات دولار سنوياً، من خلال مرور 150 ألف شاحنة، من تركيا ولبنان والأردن ودول الخليج، ويطمح النظام أن يرتفع عدد الشاحنات العابرة إلى 500 ألف شاحنة، والحصول على أكثر من 10 مليارات دولار، بعد رفع رسوم الترانزيت، وخصخصة الطرق الدولية.

ويطمح نظام الرئيس بشار الأسد إلى إعادة تأهيله إقليميا ودولياً، من خلال فرض سياسة أمر واقع على العالم للقبول بتعويم الأسد وإعادة شرعيته، وجعله شريكاً مهماً في التجارة الدولية، عبر تأمين الاستقرار على طرق نقل البضائع والسلع بين دول العالم. بالإضافة إلى أن الموارد التي سيتحصل عليها كإيرادات ستُشكِّل ضمانة لحصوله على القروض من البنوك الدولية وإنعاش الليرة السورية.

سياسياً وميدانياً، ستضمن السيطرة على الطرق الدولية، إسقاط أوراق فصائل المعارضة، التي ستصبح معزولة في جيوب صغيرة، من دون أي فعالية، وكذلك إخراج تركيا من دائرة التأثير والفعالية، بعد أن يجري، وبمساعدة من الروس، قضم جميع مواقع السيطرة التركية بالقرب من الطرق الدولية.

روسيا

تجلّى اهتمام روسيا بهذه الطرق عبر اقحامها في كلّ الاتفاقات السياسية والمعارك العسكرية، حتى أنها كانت موضوع البند الرئيس في اتفاق "موسكو" الأخير مع تركيا، والذي ركّز على إنشاء "ممر آمن" على الطريق M4، لضمان تشغيله تجارياً. وكان اتفاق "سوتشي" 2018، قد نص في البند رقم 8 على "استعادة حركة الترانزيت عبر الطرق الدولية، ونشر دوريات روسية وتركية لضمان الحركة التجارية".

وتستهدف روسيا، من وراء السيطرة على الطرق الدولية، خدمة استثماراتها في سوريا، في قطاعات الفوسفات والنفط والأسمدة. وتتطلع روسيا لجعل سوريا منصة تجارية لها في المنطقة، وخاصة على صعيد تجارة القمح، حيث تخطط لبناء العديد من الصوامع لتخزينه وتسويقه إقليمياً. ويقع ميناء طرطوس في صلب الاستراتيجية الروسية بعد أن قامت باستئجاره لمدة 49 عاماً، ورغبتها في تحويله إلى ميناء إقليمي، حيث تخطّط لرفع الطاقة الاستيعابية لهذا الميناء من 12 مليون طن سنوياً، إلى نحو 40 مليون طن. ويتركز طموحها في استقطاب تجارة العراق وإيران، عبر طريق M4، وثمة احتمال لأن تقوم روسيا بخصخصة الطرق وإدارتها من قبل الشركات الروسية.

سياساً، تُساعِد السيطرة على الطرق الدولية روسيا في الإعلان عن بدء مرحلة إعادة الإعمار وحشد الدعم من الدول المانحة بضمانتها. ومن جهة أخرى، تسعى روسيا لكسب معركة المعابر التي تمر عبرها المساعدات الإنسانية إلى سوريا، والتي حصرها قرار مجلس الأمن مؤخراً بمَعْبَري السلامة في إعزاز وباب الهوى في إدلب، حتى الشهر السادس، إذ تتيح لها السيطرة على الطرق الدولية فرض أمر واقع على الأوروبيين عبر حصر التعامل مع حكومة الأسد مباشرة.
إيران

يعتبر الطريق M4 حيوياً جداً لمشروع إيران في المنطقة، فهو أقرب الطرق إلى البحر المتوسط، وأكثر أمناً من الطريق الذي يمر عبر البادية السورية، كما أنه يصل العراق بحلب، حيث توجد أكبر القواعد العسكرية الإيرانية في سوريا، وسيكون هذا الطريق موازياً لأنابيب النفط والغاز التي ستمدها إيران الى البحر المتوسط.

وبالنسبة لإيران، فإن هذا الطريق الدولي يشكل معبراً مثالياً لمنتجاتها، ومنتجات العراق، إلى أوروبا وبالعكس، ويُخفّف عنها آثار العقوبات الأمريكية والدولية المفروضة عليها. وعكست مشاركة الميليشيات الإيرانية في الحرب الأخيرة في حلب الغربية وسراقب، حيث يمتد الطريقان الدوليان، رغبة إيران في فرض نفسها كلاعب مؤثر في الترتيبات التي تخص الطرق، وعدم تركها بيد الروس والأتراك، لإدراكها الأهمية الجيوسياسية لهذه الطرق، ودورها المستقبلي في عملية الإعمار السورية.

تركيا

يعد طريق M5 أهم شرايين التجارة بين تركيا وسوريا منذ توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين عام 2004، واتفاقية التوأمة بين تجار حلب وتجار غازي عنتاب عام 2009، وتتطلع تركيا إلى تنشيط اقتصاد ولاياتها الجنوبية القريبة من الطريق M4، بالإضافة إلى غازي عينتاب التي تعتبر بداية طريق M5، وتُخطط لعبور مليون شاحنة سنويا نحو بلدان الخليج العربي، مروراً بالأردن.

تعتبر تركيا أن إشرافها على الطريقين الدوليين، يمنحها ورقة تفاوضية مهمة في ترتيبات مستقبل سوريا، بالإضافة إلى حصولها على حصة معتبرة في عملية إعادة الإعمار، وخاصة من خلال قطاع شركات البناء، التي تعتبر تركيا رائدة فيه، وتطمح بأن تتحوّل إلى مصدر لمواد البناء التي ستحتاجها سوق الإعمار السورية. لذلك تستشرس تركيا في المعركة حول الطرق لإدراكها أن خسارتها لهذه المعركة تعني إخراجها من المعادلة السورية.

الصين

تقع الطرق الدولية السورية، في صُلْب مشروع الصين "طريق الحرير" الجنوبي الذي يمر عبر العراق وسوريا وتركيا وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط ويُكمِل إلى أفريقيا عبر الأردن ومصر. ومثل روسيا، ترى الصين أن النظام الحالي هو الضمانة لتمرير مشروعها، وبالتالي فهي تدعمه عسكرياً ومالياً ودبلوماسياً (استخدمت الفيتو 7 مرات ضد قرارات تدين النظام في مجلس الأمن). وتتطلع الصين إلى جعل سوريا مركزاً استراتيجياً ومرتكز عبور لبضائعها صوب أفريقيا ودول الخليج العربي، ضمن خططها لاستكمال هيمنتها التجارية على العالم.

الولايات المتحدة الأمريكية

تنبع أهمية الطريق M4 بالنسبة للاعب الأمريكي، من كونه يمثل جسر الوصول إلى العراق والقواعد العسكرية الأمريكية هناك، وخسارته لصالح روسيا تعني وقوع القوات الأمريكية أسيرة الحصار الروسي.

بالإضافة إلى أن هذا الطريق يعتبر أحد الأدوات الفاعلة في الخطة الأمريكية لحصار النفوذ الإيراني في سوريا. فضلاً عن أن سيطرة القوات الأمريكية على أجزاء من الطريق، بالإضافة إلى سيطرتها على حقول النفط، يؤمنان لها موقعاً تفاوضياً في ترتيبات المستقبل السوري.

خريطة السيطرة

سيطرت قوات النظام السوري، عبر الحرب التي شنتها، بمساعدة حلفائها الروس والإيرانيين، على كامل طريق M5، جراء سيطرتها على الأجزاء التي كانت خاضعة للمعارضة بين حلب وحماة. وبذلك يستعيد النظام السيطرة التي كان قد افتقدها طيلة سنوات الحرب على هذه الطريق الذي أصبح سَالِكاً من حلب حتى معبر نصيب مع الاردن.

ولا تزال أجزاء من طريق M4، خارج سيطرته، وقد استفاد النظام وروسيا من الانسحاب الأمريكي، بعد عملية "السلام التركية" نهاية العام الماضي، وسيطرا على أجزاء واسعة من الطريق الدولي، من محافظة الحسكة حتى حلب، بعد أن انسحبت تركيا والفصائل الموالية لها من المناطق التي سيطرت عليها، بالاتفاق مع روسيا، واتفاقهما على تسيير دوريات مشتركة على الطريق.

وبقيت المناطق الشرقية من الطريق تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، التي تفرض سيطرتها على المنطقة الممتدة من بلدة تل تمر وحتى معبر اليعربية مع الجانب العراقي بطول 160 كلم، كما تسيطر فصائل المعارضة على المنطقة الواقعة من سراقب إلى جسر الشغور، بطول 55 كلم، واتفقت تركيا وروسيا على إنشاء ممر آمن في هذه المنطقة وتسيير دوريات مشتركة واستعادة الحركة على هذا الطريق.

ويشهد الطريق M4، تناوشاً وتصارعاً روسياً-أمريكياً، تحوّل إلى روتين شبه يومي، من خلال مساعي روسيا الحثيثة إلى عبور هذا الطريق، واعتراض القوات الأمريكية للدوريات الروسية ومنعها من السيطرة على الطريق.

خلاصة ونتائج

يشكل الصراع على الطرق الدولية في سوريا، عنوان المرحلة المقبلة، والخطر الكامن لتحوّل الصراع إلى صدام مباشر بين الفاعلين، روسيا وإيران، وتركيا والولايات المتحدة، وذلك للأهمية الاستراتيجية لهذه الطرق وتوظيفاتها الجيوسياسية.

ورغم جميع التفاهمات والترتيبات التي توصلت لها أطراف الصراع، ما تزال احتمالات التصادم بينها قائمة، وذلك بالنظر لإدراك اللاعبين أن خروجهم من معادلة الطرق الدولية في سوريا سيعني خروجهم النهائي من دائرة التأثير والفعالية في ترتيبات المستقبل السوري، كما أن روسيا لن توقفها جميع الاتفاقيات عن متابعة سيطرتها على الطرق الدولية لارتباط هذه السيطرة بتحقيق مصالحها الجيوسياسية في سوريا.

ولا تنفصل إشكالية الطرق السورية عن الإشكالية الأساسية، المتمثلة بحقيقة أن عدم الوصول لحل سياسي سيُجمِّد جميع الفرضيات والتقديرات حول فرص الاستفادة من المزايا السورية؛ فلن يستفيد النظام من جعل الطريق سَالِكاً إلى حلب، لأن حلب يصعب أن تستعيد عافيتها وتسترجع زخمها الإنتاجي من دون تغيير سياسي في دمشق، كما أن روسيا والصين لن يُحقّقا الفوائد المرجوّة في ظل عقوبات دولية قاسية على سوريا.

 

أحدث الإيجازات