صراع نفوذ صامت روسي-إيراني في سوريا

مركز الإمارات للسياسات | 31 مارس 2020

تمضي إيران، برغم الخسائر والأضرار الكبيرة التي تكبَّدتها داخلياً وخارجياً، في مساعي تدعيم مشروعها الجيوسياسي في سوريا. ورغم رهان بعض الفاعلين الإقليمين والدوليين، على أن الأوضاع الاقتصادية المتردية نتيجة العقوبات الأمريكية، وتداعيات أزمة فيروس كورونا، ستحدّ من فعالية السياسة الإيرانية وتدخلاتها الإقليمية، لاسيما في سوريا، إلا أن السلوك الإيراني يكشف عدم دقة هذه الرهانات، لأنها تنطلق من فرضية أن صناعة السياسة في إيران لا تختلف عنها في الدول الطبيعية، وبالتالي حتمية تأثُّرها بالمتغيرات واضطرارها للتكيُّف معها.

تؤيد المؤشرات الصادرة مؤخراً من سوريا، حول النشاط الإيراني، صحة مقولة إن فَهْماً أدق للسياسة الإيرانية، يستدعي التعاطي معها بوصفها استثناءً في إدارة السياسات، وقد صدر مؤخراً تقرير عن المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية يوضح قيام إيران بتكثيف جهودها مؤخراً لإقامة "الممر البري" إلى الموانئ السورية، وتُشير تقارير أخرى إلى تزايد نشاط الميليشيات الإيرانية وتحشيدها في شمال سوريا في محاولة لتخريب اتفاق وقف إطلاق النار في إدلب بين روسيا وتركيا.

والمؤكد أن هذه السياسة تضع إيران في مواجهةٍ مباشرةٍ، ليس مع منظومة خصومها المكونة من الولايات المتحدة وإسرائيل، ودائرة الدول العربية التي ترتبط مصالحها الأمنية بالوضع في سوريا، ولكن مع أقرب حلفائها في هذه الساحة، روسيا، والتي ساهم انخراطها في الحرب السورية بتعزيز مكانة إيران الإقليمية وتثبيت نفوذها في هذا البلد.

مركزية سوريا في الاستراتيجيتين الروسية والإيرانية

كشف الاتفاق الروسي-التركي بخصوص إدلب في 5 مارس 2020، أعطابَ العلاقة بين موسكو وطهران، إذ قرأت إيران في الاتفاق محاولة لتجاوزها، وخطة ممنهجة لإخراجها من سوريا، وأن روسيا تعاملت معها بوصفها لاعباً ثانوياً في الساحة السورية، وبالتالي ليس من الضرورة إشراكها في اتفاقات لها علاقة بترتيب الوضع السوري، ويُعزِّز هذا التفسير توجُّساً إيرانياً سَبَق وأن عبَّرت عنه جهات سياسية مُتعدّدة في البرلمان الإيراني والمؤسسات الأخرى، تحدثت أكثر من مرة عن وجود نوايا روسية للاستحواذ على سوريا وتهميش إيران.

ويكشف هذا الأمر عن مركزية سوريا في استراتيجيتي الصديقين اللدودين؛ فسوريا مثَّلت، ولا تزال بالنسبة لروسيا، فرصةً لصعود سُلَّم القوّة الدولي، وإعادة تعريفه من جديد، بحيث تستعيد روسيا تصنيفها كثاني قوّة في العالم. وما حققته روسيا من "انتصارات" ميدانية على قوى المعارضة، لا يبدو كافياً طالما لم يتم التوصل، حتى اللحظة، إلى اتفاق سياسي واضح المعالم ينطوي على إقرار دولي بدور روسيا في إحداث هذا التحوّل، أي نقل سوريا من الحرب إلى السلم، وحصول ذلك بإرادة روسية ووفق خططها، ويستدعي هذا الأمر بالضرورة، خَفْض دور إيران وفاعليتها تدريجياً وقدرتها التأثيرية في المجال السوري عموماً.

في المقابل، تعتقد إيران أنها مَنَحت روسيا فرصة لتحسين موقعها في سُلَّم النظام الدولي، ليس فقط عبر دعوتها للتدخل في المعترك السوري، ولكن عبر بذل أقصى مجهود لإنجاح هذه المهمة، فقد وفَّرت الميليشيات والقوات البرية، ودفعت ثروات هائلة للحيلولة دون إسقاط النظام والإبقاء على مؤسسات الدولة، وحصدت روسيا نتائج كبيرة بتكلفة قليلة، وهو ما اعترف به الروس أنفسهم الذي أكدوا دائماً أن المهمة الروسية في سوريا كانت غير مكُلِفة؛ فضلاً عن كون سوريا تمثل عقدة المواصلات الاستراتيجية للمشروع الجيوسياسي الإيراني في المنطقة، وبالتالي فإن مسألة الخروج منها غير مطروحة بالنسبة للإيرانيين.

وتحاول إيران باستمرار تعظيم وزنها الإقليمي والدولي، من خلال وضع علاقتها مع روسيا على سكة النضال من أجل بروز عالم متعدّد الأقطاب ومواجهة الهيمنة الأمريكية والغربية، لكن ما يصعب على الإيرانيين تجاوزه هو محاولة روسيا الاستفراد بتشكيل مستقبل سوريا وصناعة عملية سلام على مقاسها، بالاتفاق مع أمريكا وتركيا والدول العربية؛ فهذا من شأنه تحطيم كامل البنية التي صنعتها إيران على مدار سنوات واستثمرت فيها عشرات الآلاف من ميليشياتها، والذي سقط كثيرٌ منهم بين قتيل وجريح، وكذلك عشرات مليارات الدولارات من ثرواتها.

وتتخوّف إيران من تحوُّل الاتفاق التركي-الروسي الأخير في إدلب، إلى نموذج للتفاهم مع اللاعبين الآخرين، بحيث يتم استثناء إيران واستبعادها من دائرة التأثير في الملعب السوري، وصولاً إلى تهميشها نهائياً، لذا تعمل على إيصال رسالة واضحة لروسيا بأن لديها المقدرة على عكس التطورات لصالحها، وعرقلة أي ترتيبات لا تلحظ تأثيرها ونفوذها ولا تعطيهما اعتباراً وازِناً.

نقاط التصادم المحتملة بين روسيا وإيران

تلاقت روسيا وإيران حول قضية بقاء الأسد في السلطة، وإن كانت روسيا قد حاولت إظهار مرونة حول الاستعداد للحد من صلاحياته أو عزله على المدى البعيد، فيما تمسكت إيران بالأسد وصلاحياته باعتبار ذلك هدفاً استراتيجياً يخدم مصالحها في المدى المنظور.

كما تلاقى الطرفان في عدائهما للإسلاميين، حيث تُصنِّف روسيا الجماعات الإسلامية ضمن مصادر التهديد لأمنها القومي، بالنظر إلى وجود ارتباط بين هذه الجماعات ونظائرها في القوقاز ودول آسيا الوسطى، وعلى الرغم من تكيُّف إيران النسبي مع الجماعات الإسلامية، إلا أن خلافها في سوريا كان مع حالة معينة، وهي الجماعات التي ظهرت زمن الثورة السورية وكان من ضمن أهدافها إخراج النفوذ الإيراني من هذا البلد.

ودفعت هذه التوافقات الطرفين إلى تقديم أداء متماسك في الساحة السورية، أما نقاط الخلاف بينهما، والتي برز بعضها بين حين وآخر فقد كان يجري تأجيل البت فيها، بيد أن تسارع التطورات، ووصول الأزمة إلى خواتيمها، دفع بهذه التناقضات والخلافات الصامتة مُجدداً إلى السطح، وأهمها:

  • هوية الدولة السورية ومستقبل علاقاتها الإقليمية: تريد إيران جذب سوريا نهائيا إلى مدارها ومنحها هيكلاً هوياتياً جديد تحت عنوان "المقاومة" لإدراك إيران أن هذه الهوية قادرة على كسر الهوية العربية لسوريا، وقد وظَّفت إيران جهوداً ومبالغ مالية كبيرة لتمرير هذه الهوية، وبالنسبة لروسيا فإن الأمر لا يعنيها كثيراً، بل إن إبقاء الهوية العربية لسوريا سيُحقق لموسكو عوائد مهمة من خلال تدعيم العلاقة مع الأطراف العربية الأخرى.
  • مستقبل الجيش السوري: يسعى الروس إلى بناء الجيش السوري وإعادة مأسسته، لأنه المؤسسة القادرة على ترسيخ السلام الذي ترتئيه روسيا، ولأنه عامل مساعد لاستقرار النفوذ الروسي على المدى الطويل، باعتباره مؤسسة خاضعة دستورياً للسلطة السياسية. وعلى العكس من ذلك، ترى إيران أن الجيش النظامي مصدر خطر على وجودها في سوريا؛ فالجيش الوطني المستقل والمتحرِّر من التأثيرات الإيرانية، سيتصادم معها، وسيرفض عمل ميليشياتها، وسيقاوم احتلال تلك الميليشيات للبوكمال والقصير ومشاريعها للتغيير الديمغرافي.
  • توظيف المكانة الجيوسياسية لسوريا: الخلاف الجوهري الأكثر تأثيراً ربما بين الروس والإيرانيين هو خلاف جيوسياسي، تفرضه مكانة سوريا الجغرافية، بوصفها الميناء الأقرب إلى أوروبا بالنسبة للبر الإيراني، والمَعبَر الضروري لوارداتها من الطاقة إلى أسواق أوروبا، التي تحاول روسيا احتكارها، وبالتالي تضع العراقيل أمام "الممر البري" التي تسعى إيران لإنشائه بهدف الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط.

الخلاصة

تُشكّل سوريا مسألة جوهرية في استراتيجيتي روسيا وإيران، ومع اقتراب النزاع من مشارف نهايته، بدأت تظهر التناقضات بينهما، لجهة الأسلوب الواجب اتباعه من قبلهما لتحقيق الأهداف الاستراتيجية المتوخاة. وإذا كان من غير المنطقي ذهابهما لصدام مباشر، نظراً لتشابك العلاقة وتعقدها بين روسيا وإيران، فإن المرجح أن يأخذ الصراع على سوريا طابعاً صامتاً، وسيكون من بين أهم أدواته: الوكلاء، والأجهزة الاستخباراتية، وربما بعض التحالفات المتضاربة، قبل توصلهما إلى تسوية "معقولة" من منظور مصالحهما، تُحدِّد وضع كل طرف في المعادلة السورية ومقدار هامش حركته في هذا البلد مستقبلاً.

أحدث الإيجازات