تشهد محافظة درعا السورية توتراً متصاعداً، في ظل وضع أمني هش، وتعدُّد الفاعلين وتضارب أهدافهم وسياساتهم. ورغم خضوع المحافظة لاتفاق تسوية بضمانة روسية وتفاهم أمريكي، ودعم إقليمي، إلا أن الوضع الأمني في المحافظة مُرشَّح للانفجار، على خلفية الفوضى الأمنية الضاربة، وعمليات التصفية والاغتيالات المجهولة الفاعل، ما يُنذِر بخلط الأوراق في منطقة ذات حساسية خاصة، نظراً لموقعها الجغرافي على الحدود مع الأردن وإسرائيل، ووقوعها في خاصرة دمشق، عاصمة القرار السوري.

تحشيدات عسكرية ضخمة

شهدت محافظة درعا في الأسبوع الثاني من شهر مايو الجاري وصول أرتال عسكرية ضخمة شملت عشرات الآليات من مدرعات ودبابات وناقلات جند، باتجاه ريف درعا الغربي ودرعا البلد، مصدرها الفرقة الرابعة وقوات الرضوان (قوات النخبة في حزب الله)، بالإضافة إلى حشود من الفرقتين العسكريتين "الخامسة والتاسعة" اللتين تقع مقراتهما في المحافظة، والتي يتهمهما أبناء المنطقة بالتبعية لإيران، نظراً لوجود ضباط وقادة في هاتين الفرقتين موالين لإيران وحزب الله.

وقد جاءت هذه الحشود على خلفية قيام عناصر من فصائل "التسويات" باقتحام "مخفر المزيريب" في ريف درعا الغربي، وإعدام تسع عناصر من الشرطة، وذلك انتقاماً من قيام قوات النظام باختطاف عنصرين من "الفصائل" وإعدامهما. وتزامنت هذه التطورات مع حصول عمليات اغتيال لضباط النظام في الأمن والجيش في ريفيْ درعا الشرقية والغربية.

كما شهدت مناطق عديدة في درعا مظاهرات طالبت بخروج قوات النظام والتزامها باتفاق التسوية الموقع في قاعدة حميميم بضمانة روسيا في يونيو 2018، الذي أوقف العمليات العسكرية وسمح لقوات النظام السوري بالوجود في أغلب مناطق المحافظة، بعد أكثر من ست سنوات من سيطرة فصائل المعارضة عليها.

اتفاق هش

يختلف اتفاق التسوية الذي وقعه النظام السوري في محافظة درعا عن غيره من الاتفاقات التي جرت فيما يسمَّى "مناطق خفض التصعيد" الأخرى، في الغوطة والرستن، وقبلهما في حمص والغوطة الغربية، وذلك بسبب وجود لاعبين إقليميين ودوليين مؤثرين، بالإضافة إلى التركيبة الإجتماعية للمحافظة ذات الطبيعة العشائرية المترابطة وانفتاح حدودها على الأردن وإسرائيل، ووجود مصالح أمريكية وإسرائيلية هناك، وقد ارتبطت فصائل المعارضة المسلحة في هذه المنطقة بـ"غرفة الموك" التي ترأست قيادتها الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد انعكس هذا التشابك في اتفاق التسوية الذي ضَمِنَته روسيا بالتفاهم مع الأطراف المختلفة، وتعهُّدها بعدم عودة الحرب لهذه المنطقة، وإبعاد الميليشيات الإيرانية عنها، وأن تكون فصائل المعارضة جزءاً من التركيبة الأمنية والعسكرية في المحافظة، ويكون للقوى المحلية دور في إدارة شؤون مناطقهم، ونتيجة ذلك شكَّلت روسيا "اللواء الثامن" بقيادة أحمد العودة، ضمن مرتبات "الفيلق الخامس"، واحتفظت بعض فصائل المعارضة، في درعا البلد وريف درعا الغربي، بأسلحتها الخفيفة، مع امتناع أو منع قوات النظام من الدخول إلى هذه المناطق. كما تم تشكيل "اللجنة المركزية لأهالي حوران"، وهي عبارة عن مظلة تضُم وجهاء وقادة سابقين في المعارضة العسكرية، ورجال دين من أبناء المحافظة، مهمتها التنسيق مع اللجنة الأمنية التابعة للنظام ومُمثلي الجيش الروسي.

ويبدو أن هذا الاتفاق يتعارض مع مصالح النظام السوري وإيران وأذرعها في المنطقة، الذين يسعون إلى استعادة السيطرة الكاملة على المحافظة، ذات الموقع الإستراتيجي، من حيث كونها بوابة العبور إلى الخليج العربي، والحدود مع إسرائيل، ويحاولون التَّفلُّت من اتفاق التسوية والضغط على روسيا وإجبارها على الحسم العسكري ضد فصائل المنطقة.

الأوضاع الأمنية والاقتصادية

يتصف الوضع الأمني في محافظة درعا بالهشاشة والتعقيد، وذلك ناتج بدرجة كبيرة عن تعدُّد الفاعلين واختلاف مرجعياتهم وأهدافهم. وتشهد المحافظة استقطاباً ملحوظاً بين الأدوات الروسية والإيرانية؛ وبينما يتبع لروسيا "الفيلق الخامس" و"الأمن العسكري"، تستقطب إيران "الفرقة الرابعة"، بقيادة ماهر الأسد، وفرع "المخابرات الجوية"، وتشهد هذه الأطراف صراعاً خفياً حول السيطرة والنفوذ في هذه المناطق. ويُعتَبر عناصر التسويات وتجنيدهم أحد مجالات التنافس بين هذه الأطراف، إذ بينما تعمل روسيا على توسيع ملاك "الفيلق الخامس" وتحويله إلى قوّة موازية لميليشيات إيران وأذرعها في المنطقة، تسعى إيران إلى تجنيد أكبر عدد من هذه العناصر، وقد ذكر "المرصد السوري لحقوق الإنسان" أن إيران استطاعت تجنيد حوالي خمسة آلاف عنصر في الأشهر الأخيرة عبر ما يسمى "سرايا العرين التابع للواء 313".

ويتهم ناشطون وحقوقيون سوريون الأذرع الإيرانية بتدبير عمليات الفوضى والاغتيالات، بغرض نسف اتفاق التسوية مع فصائل المعارضة، وخاصة فرع الأمن العسكري، الذي نسج، كما يُقَال، علاقات مع تجار المخدرات والأسلحة والعقارات، وجنَّد العديد من العناصر التي تعمل على استهداف الاستقرار والأمن في المحافظة. وبحسب "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، فقد بلغ عدد عمليات الاغتيال التي شهدتها محافظة درعا منذ توقيع اتفاق التسوية في صيف 2018 وحتى نهاية شهر أبريل 2020 ما مجموعه 352 عملية مُحققة، إضافة إلى 32 محاولة اغتيال فاشلة، ولم يتم القبض على الفاعل في جميع هذه العمليات وسُجِّلت ضد مجهول، واستهدفت هذه العمليات عناصر قوات النظام والدوريات الروسية، وعناصر المصالحات، وقادة سابقين في الفصائل.

ويلعب العامل الإقتصادي، دوراً مهماً في مفاقمة حالة الفوضى وعدم الاستقرار، حيث تعاني المحافظة من نسبة بطالة مرتفعة، تفوق ما هو موجود في المناطق السورية الأخرى، ويعاني الإنتاج الزراعي الذي يعتبر العنصر الاقتصادي الأساسي للمحافظة من بطء شديد في عجلة الإنتاج. ووفق نتائج مسح الأمن الغذائي المنفّذ عام 2017 بين الحكومة السورية وبرنامج الغذاء العالمي فقد وصلت نسبة عدد الأشخاص غير الآمنين غذائياً في محافظة درعا الى 42.5%، كما أن حوالي 40.4% من سكان المحافظة مُعرّضون لانعدام أمنهم الغذائي، وهذا ربما ما حدث فعلاً مع موجة الارتفاعات السعرية الأخيرة، التي زادت عن 100% لكثير من السلع الأساسية.

وترجع غالبية مشاكل درعا الإقتصادية إلى سياسات انتقامية يقوم بها النظام السوري ضد المحافظة، حيث تتسبب الملاحقات الأمنية في منع جزء كبير من الشباب من التنقل إلى العاصمة ومناطق أخرى للعمل، ويُمنَع التجار من شراء البضائع من المدن الأخرى، كما تعمل الحواجز الأمنية والعسكرية المنتشرة حول المحافظة على فرض إتاوات على البضائع الواردة للمحافظة الأمر الذي يساهم في مضاعفة أسعارها المرتفعة أصلاً.

خريطة السيطرة

تتوزع مناطق السيطرة في المحافظة على أربع قوى رئيسة:

الفيلق الخامس: يسيطر "اللواء الثامن" التابع لـ"الفيلق الخامس" المدعوم من قبل روسيا، على جزء من مناطق شرق درعا، المحيطة بمدينة بصر الشام، ويمنع ميليشيات ايران من التغلغل في هذه المناطق، وتتمتع المناطق التي يسيطر عليها الفيلق بالاستقرار وتوفر الخدمات الأساسية، مثل المياه والكهرباء.

الميليشيات والقوات الحليفة لإيران: تتركز هذه القوى في أجزاء من شرق وشمال حوران، وتمثلها الفرقة الرابعة والمخابرات الجوية، بالإضافة إلى سرايا العرين، اللواء 313 التابع للحرس الثوري، بالإضافة إلى حزب الله الذي أسس معسكرات في منطقة اللجاة، المتصلة مع هذه المنطقة، لتدريب وتجهيز من يتم تجنيدهم من أبناء درعا. وتشهد هذه المناطق عمليات يقوم بها عناصر التسوية، ضد أذرع إيران، كما بدأت تشهد نشاطاً لعناصر داعش الذين يقيمون على تخوم المنطقة لجهة البادية.

قوات النظام: تسيطر قوات النظام على غالبية مدينة درعا (درعا المحطّة) بالإضافة للقطاع الأوسط، وجزء من مناطق الريف الغربي. وتعاني هذه المناطق، وخاصة في الريف الغربي، من فوضى وعدم توفر الخدمات، ويتبع النظام سياسات أمنية متشدّدة فيها.

مناطق سيطرة المعارضة: تسيطر المعارضة على بؤر متفرقة (درعا البلد، وطفس وجاسم)، ولا تزال المعارضة تحتفظ بأسلحتها الخفيفة في هذه المناطق، وهي المناطق التي يسعى نظام الأسد لاستعادة السيطرة عليها في عمليته التي يحشد لها حالياً.

خلاصة واستنتاجات

تتعدد عناصر الأزمة في درعا؛ فهي من جهة أزمة مجتمع محلي مع السلطة، ومن جهة أخرى صراعات بين الأجهزة الحاكمة، بالإضافة إلى تنافس اللاعبين الذين يديرون اللعبة في سوريا (روسيا وإيران)، ويسعى نظام الأسد إلى استعادة فرض سيطرته في ظل وضع يفتقد فيه لهياكل السيطرة الأمنية والاجتماعية التي كان يرتكز عليها قبل الثورة في درعا، في حين تحاول إيران صناعة بُنى ميليشياوية من أبناء المنطقة لتقوية أوراقها في منطقة استراتيجية مهمة، وفي المقابل تسعى روسيا إلى إيجاد معادلة مُطمئِنَة للجوار الإقليمي.

يدفع النظام السوري الأمور باتجاه الصدام، ويلقى دعماً إيرانياً لتغيير المعادلة الحالية، ويحاول الطرفان الاستفادة من الفوضى الحاصلة لإجبار روسيا على الحسم العسكري ضد فصائل المعارضة، التي من جهتها تعمل على مبدأ ردة الفعل على سياسات النظام الانتقامية ومحاولات إيران الحثيثة لاختراق المجتمعات المحلية في درعا وتغيير هويتها، ويساهم انفلات السلاح وتصاعد الغضب في خلق ظروف مواتية لعودة العنف.

وإذ يصعب تصوُّر حدوث صدام واسع، نظراً لاختلال ميزان القوى لصالح النظام والميليشيات الإيرانية المساندة له، وعدم وجود داعم دولي أو إقليمي لفصائل التسويات، فالأرجح أن يذهب النظام إلى تطبيق استراتيجية القضم التدريجي للسيطرة على المناطق الخارجة عن سيطرته وإجبار الروس على القبول بهذه المعادلة، دون اسقاط احتمال حصول حرب إقليمية بين إسرائيل وقوات النظام والميليشيات الإيرانية، نتيجة تغلغل الأخيرة في المناطق المحاذية للجولان المحتل.

أحدث الإيجازات