في 26 يناير الماضي زار نائب قائد القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا (الأفريكوم)، السفير أندرو يانغ، السودان، على رأس وفد عسكري رفيع المستوى، وهي الزيارة الأولى من نوعها لمسؤول عسكري أمريكي لهذا البلد منذ إزالته من لائحة الدول الراعية للإرهاب. وتُلقي هذه الورقة الضوء على دلالات توقيت الزيارة وأهدافها، وآفاق التعاون العسكري والأمني بين الطرفين.

دلالات التوقيت

جاءت زيارة الوفد الأمريكي بعد أيام قليلة من تنصيب الرئيس جو بايدن، في العشرين من يناير الماضي، لتؤكد اهتمام الإدارة الجديدة بالبناء على نهج الرئيس السابق دونالد ترامب، فيما يتعلق بتعزيز العلاقات مع الخرطوم. وتُدرِك إدارة بايدن حجم الفرص والمكاسب من بناء علاقات وثيقة مع السودان، لاسيما أنه يزخر بثروات هائلة من الموارد الطبيعية، وموقعه الاستراتيجي يجعل منه نقطة ارتكاز وانطلاق مهمة لحماية المصالح الأمنية الأمريكية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

ومن الطبيعي أن تحفز الأهمية الاستراتيجية للسودان اهتمام الإدارة الجديدة بالمحافظة على استقراره السياسي، وترافقت زيارة الوفد الأمريكي مع تصاعد التوترات الحدودية بين السودان وأثيوبيا، وأبدى الوفد الأمريكي اهتماماً بالغاً بهذه التوترات، فيما أوضح الفريق عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة السوداني، أن تحركات قوات بلاده هي داخل الحدود السودانية، ولا تهدف إلى تصعيد المواجهة العسكرية مع أثيوبيا. وتخشى إدارة بايدن من أن يؤدي تصاعد المواجهة بين الدولتين إلى التأثير على المعادلة السياسية الداخلية في السودان، وهيمنة المكون العسكري على العملية الانتقالية[1]، أو أن تؤثر هذه التوترات على أمن البحر الأحمر في حال اتساع نطاقها[2].

ويتقاطع الاهتمام الأمريكي مع اهتمام إسرائيلي بخفض هذه التوترات، وقد تزامنت زيارة الوفد الأمريكي مع زيارة وفد إسرائيلي رفيع المستوى للسودان، برئاسة إيلي كوهين، وزير الاستخبارات الإسرائيلي، تهدف إلى تعزيز العلاقات العسكرية والأمنية مع السودان، وربما تعزيز الوجود الإسرائيلي في البحر الأحمر، وتحجيم نفوذ إيران، وتركيا الطامحة لإقامة وجود عسكري في جزيرة سواكن السودانية.

الأهداف والأبعاد الأمنية للزيارة

تُبدي واشنطن اهتماماً ملحوظاً بتعزيز الشراكة العسكرية والأمنية مع السودان، لاسيما بعد توقيع اتفاق سلام بين الحكومة الانتقالية مع الحركات المسلحة يقضي بدمج الأخيرة في الجيش السوداني، وترغب واشنطن في أن تكون على مسافة قريبة من ملف إعادة هيكلة القوات المسلحة السودانية، وعدم السماح لروسيا بالانفراد بهذا الملف، وهذا ما أكدته تصريحات السفير أندرو يانغ، الذي أبدى الرغبة في تعزيز التعاون الأمني مع السودان في مجال تدريب وتأهيل وتسليح الجيش السوداني، والتعاون الاستخباراتي في مكافحة الإرهاب[3].

ومع ذلك، تَرغب واشنطن في تحجيم توغل الجيش السوداني في المجال السياسي، وضبط تحركاته بما يخدم التوجهات الأمريكية، لاسيما بعد موافقة الكونجرس على قانون التحول الديمقراطي في السودان والمساءلة والشفافية لعام 2020، الذي حَظيَ بدعم من الحزبين. وتَعمل إدارة بايدن، بدورها، على دعم هذا التوجه، وقد عبر وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكين، في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك، عقب تشكيل الحكومة الجديدة مطلع فبراير الجاري، عن دعمه لتحول ديمقراطي بقيادة مدنية في السودان[4].

ويجد الاهتمام الأمريكي المتنامي بتعزيز الشراكة العسكرية والأمنية مع السودان تفسيره في النهج الصارم الذي أعلنت عنه إدارة بايدن في التعامل مع روسيا والصين، وكبْح جماح نفوذ الدولتين في أفريقيا. فعلى الرغم من خطاب الرئيس جو بايدن، أمام قمة الاتحاد الأفريقي، في الخامس من فبراير الجاري، الذي لم يتضمن أية إشارة إلى سياسة القوتين المنافستين في أفريقيا[5]، إلا أن إدارة بايدن تبدو مُهتمةً بملء الفراغ الذي تركته إدارة ترامب في المنطقة، خصوصاً بعد إعلان روسيا عزمها إقامة قاعدة عسكرية في بورتسودان على البحر الأحمر، وتتطلع واشنطن لتعزيز استثماراتها في قطاع النفط والمعادن في السودان، بما لا يدع مجال لهيمنة صينية واقتصادية في السودان والمنطقة[6].

آفاق التعاون الأمني والعسكري

برغم تصاعد دعوات أمريكية لقادة أمنين وعسكريين، مثل الجنرال جيمس جونز، مستشار الأمن القومي السابق للرئيس باراك أوباما، إلى نقل مقر قيادة الأفريكوم إلى أفريقيا[7]، لكن الاهتمام الأمريكي سيظل قاصراً كما يبدو على الرغبة الأمريكية في بناء قاعدة عسكرية، والاحتفاظ بوجود لوجستي لقيادة الأفريكوم في السودان[8]، وخاصة بعد إلغاء إدارة بايدن لقرار سلفه ترامب بسحب القوات الأمريكية من ألمانيا، في سياق اهتمام إدارة بايدن بتعزيز العلاقات عبر الأطلسي[9].

وستُعزز التفاهمات الأمريكية-الإسرائيلية في السودان من دعم إدارة بايدن للطموحات الإسرائيلية، ومساعيها إلى الاندماج في نظام أمني جديد يُعزز التعاون مع السودان والدول العربية. وقد أعربت إسرائيل للسودان عن تطلعها إلى الانضمام إلى تحالف دول البحر الأحمر. ويبدو أن نقل إسرائيل من منطقة عمليات القيادة العسكرية الأوربية (يوكوم) إلى منطقة عمليات القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) يُمهِّد لدور إسرائيلي أمني وإقليمي أوسع[10]، يشمل منطقة البحر الأحمر، وخاصة بعد توقيع إسرائيل اتفاقيات سلام مع بعض الدول العربية، وتوقيع اتفاقيات تعاون عسكري وأمني واستخباراتي مع السودان.

ومع ذلك، لاتزال هناك العديد من التحديات التي تَعوق هذا التعاون الإسرائيلي-السوداني، فحتى الآن لم يوقِّع البلدان على اتفاق رسمي لتطبيع العلاقات. وهناك مخاوف مصرية من الوجود الإسرائيلي في المنطقة، وهو أحد الأسباب التي تُفسِّر إنشاء القاهرة قاعدة برنيس العسكرية على البحر الأحمر، وكانت إسرائيل قد أعلنت اعترافها بسيادة السودان على مثلث حلايب وشلاتين، واستعدادها لمساعدة أثيوبيا في بناء منظومة دفاع صاروخية لحماية سد النهضة. ولم تُبدِ إدارة بايدن، حتى الآن، دعماً واضحاً للموقف المصري، على عكس موقف الرئيس ترامب، الذي حذَّر من ضربة عسكرية مصرية لسد النهضة في حال استمرار "التعنُّت" الأثيوبي.

وتَأمُل كلٌّ من واشنطن وتل أبيب في تعزيز دور السودان في مكافحة الإرهاب؛ فمع أن السودان كان ملاذاً آمناً لبعض التنظيمات الإرهابية خلال فترة النظام السابق، لكنه لعب لاحقاً دوراً مهماً في تقديم الدعم الاستخباراتي في جهود مكافحة الإرهاب، ويبدو أن الخرطوم مستعدة للتعاون في هذا المجال، لاسيما في ظل تطلع السلطة الجديدة هناك إلى الدعم العسكري الأمريكي، وإعادة تأهيل الجيش السوداني. لكن لايزال هناك العديد من التحديات أمام هذا الدور، لاسيما التحديات الأمنية في دارفور، ووجود بعض الحركات المسلحة التي لم توقع على اتفاق السلام الأخير، وأبرزها حركة عبد الواحد نور المتمركزة في جبل مرة.

خلاصة

تُشير زيارة وفد الأفريكوم إلى السودان إلى اهتمام إدارة بايدن بتعزيز الوجود العسكري الأمريكي في السودان لحماية المصالح الأمريكية، واحتواء نفوذ روسيا والصين. وثمة تفاهم أمريكي-إسرائيلي على تعزيز الحضور الإسرائيلي في السودان والبحر الأحمر، وهو ما يُثير مخاوف بعض الدول العربية، مثل مصر، التي تنظر بقلق للدعم الإسرائيلي للسودان بشأن مسألة مثلث حلايب وشلاتين، ودعم تل أبيب لأديس أبابا في أزمة سد النهضة. ومن ثمَّ، فمن المتوقع أن تعمل تل أبيب وواشنطن على عقد صفقة سياسية مع القاهرة والخرطوم وأديس أبابا تضمن توفير ظروف أفضل لإدماج إسرائيل في كيان أمني إقليمي، يضم دول عربية وأفريقية، مقابل فرض تسوية سياسية لقضية سد النهضة، وإنهاء أزمة الحدود بين أثيوبيا والسودان.

المراجع والمصادر

[1] Michael Rubin, Biden Can Bolster Horn of Africa Security without Huge Deployments, January 24, 2021, available at: https://nationalinterest.org/blog/buzz/biden-can-bolster-horn-africa-security-without-huge-deployments-177014

[2] Souha Majidi, What Could President-Elect Joe Biden’s African Strategy Be?, November 26, 2020, available at: https://www.policycenter.ma/opinion/what-could-president-elect-joe-biden-s-african-strategy-be#.YBdqXtSF6CQ

[3] Sudan: U.S. Military Delegation - 'Partnerships Key to Lasting Security' in Sudan, 30 January 2021, available at: https://allafrica.com/stories/202102010189.html

[4] Joyce Karam, US secretary of state makes first call to Sudan, February 10, 2021, available at: https://www.thenationalnews.com/world/the-americas/us-secretary-of-state-makes-first-call-to-sudan-1.1163277

[5] Patsy Widakuswara, Biden Signals New Tone on US-Africa Relations, February 06, 2021, available at: https://www.voanews.com/africa/biden-signals-new-tone-us-africa-relations

[6] Countering Terrorism and Insecurity in Sub-Saharan Africa: Opportunities for the Biden-Harris Administration, January 25, 2021, available at: https://thesoufancenter.org/intelbrief-2021-january-25/

[7] James L. Jones, How the US can build on its success with AFRICOM, February 3, 2021, available at: https://www.atlanticcouncil.org/blogs/new-atlanticist/how-the-us-can-build-on-its-success-with-africom/

[8] Kirsten Fontenrose, and others, How President Biden can tackle the Middle East’s biggest problems, February 1, 2021, available at: https://www.atlanticcouncil.org/blogs/menasource/how-president-biden-can-tackle-the-middle-easts-biggest-problems/

[9] Jan Dörner, Biden stoppt Abzug der US-Truppen, February 6, 2021, available at: https://www.badische-zeitung.de/biden-stoppt-abzug-der-us-truppen--199914801.html

[10] John Vandiver, CENTCOM mission expands to include Israel, January 15, 2021, available at: https://www.stripes.com/news/middle-east/centcom-mission-expands-to-include-israel-1.658602

 

أحدث الإيجازات