وقَّعت الحكومة السودانية الانتقالية في 3 أكتوبر 2020، اتفاق سلام مع الفصائل المسلحة المنضوية تحت لواء الجبهة الثورية. وتضمَّن الاتفاق ثمانية بروتوكولات، من أبرزها الترتيبات الأمنية ودمج الحركات المسلحة في جيش سوداني موحَّد. ومع ذلك، فقد جرى التوقيع على هذا الاتفاق في ظل مقاطعة العديد من الحركات المسلحة، لاسيما حركة جيش تحرير السودان (جناح عبد الواحد نور)، والحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال (جناح عبد العزيز الحلو)، وهو ما يُثير العديد من التساؤلات حول مستقبل دمج الحركات المسلحة في الجيش السوداني.

مضمون الاتفاق

تضمَّن اتفاق الأطراف السودانية، مُمثلة في الحكومة الانتقالية، والفصائل المنضوية تحت لواء الجبهة الثورية، وأبرزها: حركة العدل والمساواة، وحركة تحرير السودان - المجلس الانتقالي، والحركة الشعبية لتحرير السودان - قطاع الشمال (جناح مالك عقار)، وحركة تحرير السودان (جناح مني أركو مناوي)، على الشروع في وقف دائم لإطلاق النار، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج للمقاتلين، وذلك من أجل تهيئة بيئة آمنة ومستقرة لدعم تنفيذ الاتفاقيات الشاملة من أجل السلام والانتقال السياسي في السودان[1].

ونص الاتفاق على دمج الحركات المسلحة في المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية على ثلاثة مراحل تنتهي بانتهاء الفترة الانتقالية التي تم مدَّها 39 شهراً، حيث يتم الدمج بعد اكتمال عمليتي التجميع (90 يوماً) والتدريب (15 شهراً)، وبحيث تبقى القوات التي يتم دمجها في دارفور لمدة أربعين شهراً من تاريخ توقيع الاتفاق قابلة للتمديد. على أن تدمج القوات في شكل وحدات عسكرية كاملة حسب تنظيم القوات المسلحة السودانية. كما نص الاتفاق على تشكيل مجلس أعلى مشترك لمتابعة عمليات الدمج، وتعيين عدد من ضباط الحركات في القوات البرية والشرطة والمخابرات العامة حسب حجم القوات التي يتم دمجها، وتشكيل قوة مشتركة قوامها 12 ألف جندي لحفظ الأمن وجمع السلاح في دارفور[2].

الفرص والتحديات

1. الفرص:

  • المكاسب التي حققتها الحركات الموقعة على الاتفاق، لاسيما تمثيلها في المؤسسات الانتقالية والوظائف الحكومية، ومنح منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان حكماً ذاتياً، وهو ما يشجع هذه الحركات على المضي قدماً في تنفيذ إجراءات الدمج، لاسيما بعد منحها ثلاثة مقاعد في المجلس السيادي وخمسة حقائب وزارية في الحكومة التنفيذية و75 مقعداً في المجلس التشريعي الانتقالي. واستثنى الاتفاق قادة هذه الحركات من أحكام المادة (20) من الوثيقة الدستورية، والتي تحظر كل مَنْ تولى منصباً في السلطة الانتقالية من الترشح في الانتخابات المقبلة[3].
  • الدعم الإقليمي لاتفاق السلام، لاسيما من جانب حكومة دولة جنوب السودان، والتي تهدف إلى تحقيق الاستقرار السياسي في الخرطوم، وتعزيز العلاقات بين البلدين. وتعمل على تجنُّب الصراعات الحدودية، وتجنُّب خطر حدوث فوضى في الخرطوم وانتقالها إليها، وهو ما قد يؤدي إلى انهيار اتفاق السلام الحالي في جنوب السودان[4].

2. التحديات:

  • عدم شمول الاتفاق كل الحركات السودانية المسلحة، إذ تشير المعلومات إلى وجود حوالي 85 حركة مسلحة في البلاد. فضلاً عن كلٍّ من مقاطعة الجبهة الشعبية لتحرير السودان - قطاع الشمال (جناح عبد العزيز الحلو)، وحركة تحرير السودان (جناح عبد الواحد نور) للاتفاق، وذلك لأن تحقيق سلام شامل يتطلب إشراك هاتين الحركتين، بالنظر إلى سيطرتهما على مساحات كبيرة من الأراضي السودانية[5].
  • التنافس بين المكونين العسكري والمدني داخل الحكومة الانتقالية، لاسيما بعد الانقسام بين قوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين السودانيين[6]. كما أن انضمام أعضاء جدد من الحركات المسلحة من شأنه أن يزيد من هذه التوترات، لأنه يزيد من تمثيل النخبة العسكرية على حساب النخبة المدنية وقوى الحرية والتغيير[7].
  • اتجاه الجبهة الشعبية لتحرير السودان - قطاع الشمال (جناح عبد العزيز الحلو) للتحالف مع تجمّع المهنيين السودانيين، ما يعزز من مطالب الأخير بمزيد من الإصلاحات السياسية، وضغوط الجبهة من أجل تقرير المصير لجبال النوبة[8].
  • تَنامي العنف العرقي والتوترات القبلية، لاسيما في شرق البلاد وغربها وجنوبها، وزيادة التنافس على ملكية الأراضي والوصول إلى الموارد الطبيعية. وعلى سبيل المثال، اندلعت في يونيو الماضي اشتباكات بين قبيلتي المسيرية والنوبة في لقاوة، في غرب كردفان، وكذلك اشتباكات بين قبيلتي يني عامر والهدندوة في شرق السودان، أسفرت عن مقتل أكثر من ثلاثين شخصاً، وإصابة أكثر من مائة آخرين[9]. وفي بعض الأحيان تتحول هذه الصراعات القبلية إلى صراعات بين الجيش وفصائل الحركات المسلحة.
  • التحديات المتصلة باجراءات جمع القوات وتسريح العناصر غير اللائقة، وتحديد عدد المقاتلين الذين سيتم دمجهم أو تسريحهم، وهو ما يُغري قادة الحركات بتضخيم أعدادهم وتقليل حجم التسريح، وقد يؤدي ذلك إلى إعادة إنتاج المشكلات التي أوجدت مؤسسة عسكرية وأمنية مجزأة. كما أن تشكيل وتوزيع القوات المدمجة في شكل وحدات سوف يؤثر على انصهارها في القوات المسلحة[10].
  • التحديات الاقتصادية، والتحديات المرتبطة بجائحة كورونا (كوفيد-19)، والفيضانات المدمرة[11]، وهي تحديات تتطلب تمويلاً هائلاً لتجاوز تداعياتها الاقتصادية والإنسانية، بينما تحتاج عملية الدمج والتسريح، بالمثل، إلى تمويل كبير قد يتجاوز بكثير إمكانيات الحكومة الانتقالية[12].

مستقبل عملية دمج الحركات المسلحة في المؤسسة العسكرية (سيناريوهات ممكنة)

السيناريو الأول، المُضي في عملية الدمج. إذ تعتزم الحكومة الانتقالية إطلاق مفاوضات جديدة، لاسيما مع الحركة الشعبية لتحرير السودان (جناح عبد العزيز الحلو) التي وقعت بالفعل مع الحكومة الانتقالية في 3 سبتمبر الفائت اتفاقاً لوقف الأعمال العدائية إلى حين الاتفاق على الترتيبات الأمنية. ومع ذلك، لا يزال التفاوض مع حركة جيش تحرير السودان (جناح عبد الواحد نور) من بين أهم التحديات التي تواجه هذه العملية، إذ ترفض هذه الحركة الاعتراف بالحكومة الانتقالية ومفاوضات السلام[13]. ويضاف إلى ذلك التحديات المرتبطة بتنفيذ الاتفاق واتمام عملية الدمج. فضلاً عن عدم تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي حتى الآن، وهو ضروري لتضمين الاتفاق في الوثيقة الدستورية.

السيناريو الثاني، عودة حالة عدم الاستقرار والقتال بين الحركات المسلحة. فقد أدت المفاوضات مع الحكومة إلى إثارة ردود فعل عنيفة في بعض المناطق[14]، ولا يزال بعض الجماعات العرقية تطعن في شرعية تمثيل الجبهة الثورية لمناطقها مثل النوبة[15]. وقد يؤدي ذلك إلى حدوث مواجهات بين الحركات المسلحة. ولكن يتحدى هذا السيناريو الجهود المستمرة لتوقيع اتفاق سلام مع باقي الحركات التي لم تُوقِّع على الاتفاق.

السيناريو الثالث، تعثُّر عملية الدمج وتنامي الصراعات داخل المؤسسة العسكرية السودانية. ويساعد على ذلك تأثير الانتماءات العرقية على التكوينات العسكرية للجيش السوداني، وعلى سبيل المثال، تأثير الأبالة الرُّعاة على قوات الدعم السريع، وتأثير النوبة على بعض الوحدات العسكرية، وقيام الحركات المسلحة ذاتها بناءً على دوافع وانتماءات أثنية[16]. ومن ثمَّ قد يؤدي دمج الحركات المسلحة إلى امتداد الصراعات العرقية إلى داخل المؤسسة العسكرية، ما يهدد استقرارها، بفعل اختلاف العقيدة العسكرية والولاءات الأثنية وتفاوت مستويات التدريب[17]. وكثيراً ما اتهم بعض الحركات المسلحة قوات الجيش بدعم القبائل ضد بعضها البعض.

خلاصة

يواجه اتفاق الترتيبات الأمنية في السودان تحديات عديدة، ويتطلب تنفيذه دعماً مستداماً وسخياً من الشركاء الإقليميين والدوليين. ومع ذلك، من غير المتوقع أن يضع اتفاق السلام حلاً جذرياً للصراعات العرقية السائدة في البلاد اليوم. ويبدو أن عملية دمج الحركات المسلحة في المؤسسة العسكرية لن تكون عملية سهلة وإنما ستستغرق وقتاً، لذلك يُتوقَّع أن يتأرجح مستقبلها بين السيناريوهين الأول والثاني، بمعنى أخذ عملية دمج الحركات المسلحة فترة أطول مما هو محدد لها، في الوقت الذي تستمر الصراعات العرقية في بعض المناطق، لاسيما حول الأراضي والموارد والموقف من اتفاق السلام، والخلاف حول توزيع المناصب والوظائف داخل الحركات المسلحة، وهو أمرٌ يتطلب من الدول الراعية والضامنة للاتفاق تكثيف جهودها وتنسيقها لضمان التزام وتعاون الحركات الموقعة على الاتفاق واقناع الحركات الأخرى بالجلوس على مائدة التفاوض.

مَراجِع

[1] "اتفاق وقف إطلاق النار الدائم والترتيبات الأمنية النهائية"، مركز الدراسات السودانية، 1/9/2020، متاح على الرابط: https://bit.ly/3dOyUr7

[2] المرجع السابق نفسه.

[3] Dame Rosalind Marsden, "Is the Juba Peace Agreement a Turning Point for Sudan?", 14/9/2020, available at:

https://www.chathamhouse.org/2020/09/juba-peace-agreement-turning-point-sudan

[4] Armed Conflict Location & Event Data Project (ACLED), Riders on the Storm: Rebels, Soldiers, and Paramilitaries in Sudan’s Margins, August 27, 2020.         

[5] Dame Rosalind Marsden, op. cit.

[6] "تقرير الأمين العام عن الحالة في السودان وأنشطة بعثة الأمم المتحدة الكاملة لتقديم المساعدة خلال الفترة الانتقالية"، مجلس الأمن الدولي التابع لمنظمة الأمم المتحدة، 17/9/2020، ص 3.

[7]Jean-Baptiste Gallopin, A Chance for Peace?: The Impact of The Juba Peace Deal on Sudan’s Fragile Transition, September 22, 2020, available at: https://warontherocks.com/2020/09/a-chance-for-peace-the-impact-of-the-juba-peace-deal-on-sudans-fragile-transition/   

[8] Armed Conflict Location & Event Data Project (ACLED), op. cit.

[9] "تقرير الأمين العام عن الحالة في السودان وأنشطة بعثة الأمم المتحدة..."، مرجع سبق ذكره، ص 3.

[10]Jean-Baptiste Gallopin, op. cit.

[11] "تقرير الأمين العام عن الحالة في السودان وأنشطة بعثة الأمم المتحدة..."، مرجع سبق ذكره، ص 3.

[12] Dame Rosalind Marsden, op. cit.

[13] Armed Conflict Location & Event Data Project (ACLED), op. cit.

[14] Idem.

[15]Jean-Baptiste Gallopin, op. cit.

[16] Armed Conflict Location & Event Data Project (ACLED), op. cit.

[17]  Idem.

 

أحدث الإيجازات