مع احتدام المواجهات بين أذربيجان وأرمينيا في إقليم ناغورني قره باغ المتنازع عليه في أواخر سبتمبر 2020، أحجمت روسيا في البداية عن إطلاق تصريحات أو تحركات سريعة تجاه هذا التطور، لكن اشتداد المعارك واتساع رُقعتها دفعا موسكو إلى التحرك وإجراء اتصالات نشطة مع طرفي الصراع الأذري والأرميني، إضافة إلى تركيا، وأيضاً مع أطراف دولية فاعلة، مثل فرنسا التي تشارك في رئاسة مجموعة مينسك.

تُلقي هذه الورقة الضوءَ على تطور الموقف الروسي من جولة الصراع الأخيرة الدامية بين أذربيجان وأرمينيا حول إقليم ناغورني قره باغ، وتُحلِّل أهم الهواجس الروسية المرتبطة بهذا النزاع، وأبرز محددات موقف موسكو من الأزمة وتداعياتها.

من التحفُّظ إلى الانخراط

على الرغم من مُسارَعة موسكو إلى تنشيط قنوات الاتصال العسكرية والدبلوماسية مع طرفي النزاع، لكنّ رد الفعل الرسمي لوزارة الخارجية الروسية الذي تمثل بدعوة الطرفين إلى "ضبط النفْس ووقف النار والعودة إلى الحوار" بدا متحفظاً وتقليدياً في ظروف بدت غير عادية. فالمواجهات الحاصلة لم تقف عند حدود اشتباكات حدودية محدودة، كما جرى في مرات عدة خلال السنوات الماضية؛ إذ يبدو المشهد الحالي أقرب إلى "حرب حقيقية آخذة في الاتساع" وفقاً لوصف معلّقين روس لفتوا النظر إلى أن هذه الحرب تجري مع كل ما يصاحبها من فرض للأحكام العرفية والتعبئة (في أذربيجان)، وإعلان حالة التأهب القصوى وطلب الاحتياط (في أرمينيا وإقليم ناغورني قره باغ).

وقالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، في 29 سبتمبر، إن موسكو رصدت مقدمات التصعيد بشكل جيد خلال الأسابيع الماضية، من خلال التقارير الكثيرة التي تحدثت عن تعزيزات تقوم بها تركيا في أذربيجان. لكنْ برغم ذلك، بدا أن موسكو لا تُريد التَّسرُّع بإعلان موقف، ويتعلق السبب بشكل واضح في تدنِّي قدرة روسيا حالياً على التدخل بشكل أقوى، لدواعٍ قانونية وأخرى سياسية.

فمن الناحية القانونية، لا يوجد أساس للتدخل الروسي بشكل فاعل ومباشر في الصراع، كون أرمينيا قد أعلنت أنها لن تطلُب مساعدة منظمة معاهدة الأمن الجماعي؛ ففي حين أن أرمينيا عضوٌ في المنظمة إلا أن إقليم ناغورني قره باغ الانفصالي ليس عضواً فيها، ما يعني أنه على المستوى الشكلي فإن أرمينيا نفسها لم تتعرض لاعتداء خارجي يُلزِم بلدان المعاهدة بالتدخل.

لكن الأسباب السياسية أكثر أهمية من البُعد القانوني الشكلي؛ فهناك أولاً الأسباب المتعلقة بوضع أرمينيا الداخلي والخلاف السياسي فيها. فقبل اندلاع الحرب بأيام، اُعتقِلَ زعيم أكبر حزب معارض، وهو "أرمينيا المزدهرة"، غاجيك تساروكيان، بتهمة شراء الأصوات. ومع أنه مُتهم بعمليات فساد رسمياً، لكن كثيرين في موسكو رأوا أن الأساس الحقيقي وراء استهدافه أنه يوصف بأنه "عميل الكرملين". ومع أن رئيس الوزراء الأرميني الحالي نيكول باشينيان حافظَ على خطوط اتصال مع الكرملين منذ وصوله الى السلطة قبل عامين من خلال ثورة شعبية، لكنه لم يُخفِ انفتاحه على إقامة علاقات متوازنة بين روسيا من جانب والغرب من جانب آخر؛ ما يعني أن المخاوف الروسية تزايدت من أن تكون أرمينيا قد بدأت تَخرج تدريجياً من تحالفها الأساسي مع روسيا. وهنا، رأى البعض في أن إشعال جبهة ناغورني قره باغ من جانب تركيا مفيدٌ للروس جزئياً لأنه يُعيد يرفان مجدداً إلى أحضان الكرملين.

وثانياً، تخوضُ روسيا الآن حرباً باردةً واسعة مع أوروبا على خلفية الأزمة في بيلاروسيا وقضية تسميم المعارض الروسي أليكسي نافالني، وهي تنتظر نتائج الانتخابات الأمريكية في نوفمبر المقبل لتحديد القدرة على فتح حوار مع واشنطن حول قضايا التسلح والأمن الاستراتيجي وملفات خلافية أخرى، لذلك تبدو قدراتها محدودة على الانخراط النشط في صراع آخر ليس مفيداً لها. وقد وجدت موسكو الآليةَ المناسبة للتحرك عبر إحياء "مجموعة مينسك" (التي ترعى بتفويض من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا وقفَ إطلاق النار في ناغورني قره باغ منذ العام 1994)، وعملت على استصدار بيان رئاسي ثلاثي (روسي-أمريكي-فرنسي) عن المجموعة، فقد دعا البيانُ الأطرافَ المتصارعة إلى وقف إطلاق النار، والعودة إلى طاولة الحوار.

عامل المرتزقة

برز عنصر آخر في الصراع الأذري-الأرميني زاد من قلق موسكو؛ إذ تبادل الطرفان الأرميني والأذري اتهامات باستقدام مرتزقة من سوريا وبلدان أخرى إلى ساحة القتال. وكانت تقارير روسية عدة تحدثت مؤخراً عن وصول مجموعات من السوريين التركمان المدعومين من أنقرة إلى أذربيجان في إطار تعزيز الوجود التركي العسكري هناك. وفي المقابل، قال فاجيف دارجاهلي المسؤول في وزارة دفاع أذربيجان إنه "وفقاً للمعلومات الاستخباراتية الواردة، فإن بين خسائر العدو العديد من المرتزقة من أصل أرمني من سوريا ومختلف دول الشرق الأوسط".

وتَحوَّل هذا الموضوع إلى عنصر محرك أساسي لتنشيط روسيا خطواتها مع إبراز تحذير الرئيس الأرميني أرمين سركيسيان من مخاطر نشوء "سوريا جديدة" في جنوب القوقاز. لذلك عقد مجلس الأمن القومي الروسي اجتماعاً برئاسة فلاديمير بوتين في 29 سبتمبر 2020، ركَّز على موضوع إرسال تركيا مرتزقة إلى المنطقة، ومخاطر تحوُّل الصراع إلى جبهة مواجهة مفتوحة طويلة الأمد، مع دخول عامل التدخلات الخارجية بشكل يفاقم الموقف. وبعد الاجتماع مباشرة بدأت الاتصالات الروسية مع فرنسا وتركيا والولايات المتحدة، فضلاً عن طرفي الصراع المباشرين تتخذ أبعاداً أكثر نشاطاً.

القلق الروسي من الوجود العسكري التركي

في الأثناء، تابعت موسكو معطيات حول تعزيز تركيا وجودها العسكري المباشر في أذربيجان، وذكرت تقارير إعلامية روسية أنه بعد المناورات الأذرية-التركية التي جرت في يوليو وأوائل أغسطس الماضيين، أبقت أنقرة جزءاً من جيشها في أذربيجان، بما في ذلك طائرات "إف-16" مع جزءٍ من قوات الأفراد، بالإضافة إلى مجموعة من الطائرات من دون طيار التركية. وتم تأكيد هذه الاستنتاجات بشكل غير مباشر من قبل عالم السياسة التركي، والخبير البارز في شبكة الخبراء التحليلية "أنقرة-موسكو"، إنجين أوزر، الذي نَقَلَت عنه وسائل الإعلام قوله إن "الجيش التركي موجود بالفعل في إقليم ناخيتشيفان بأذربيجان، فلماذا لا نعطيه وضعاً رسمياً، إذ لا توجد عقبات قانونية أمام ذلك". ولفتت وسائل إعلام روسية إلى أن الرئيس الأذري إلهام علييف ناقش مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان إنشاء قاعدة عسكرية تركية في ناخيتشيفان (أو نَخجَوان) وإنشاء قاعدة عسكرية أخرى في شبه جزيرة أبشيرون.

من جهتها، سعت موسكو إلى احتواء مثل هذه التطلعات. وبعد أن اتصل الرئيس الأذري إلهام علييف بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مُعرِباً عن عدم رضاه بسبب إمداد يريفان بتقنيات عسكرية روسية، توجَّه وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إلى باكو، وأعلن هناك أن الطائرات سلَّمت إلى أرمينيا "موادَ بناء للقاعدة العسكرية الروسية"، وأن الاتحاد الروسي لا يقوم بأعمال عدائية ضد أذربيجان. لكنْ من غير المعروف ما إذا كان الوزير قد نجح في إقناع باكو.

ويبقى العنصر البارز أن موسكو كانت تتوقع التطورات الجارية في ناغورني قره باغ، فقد رصدت مقدماتها خلال الأسابيع الماضية، وعشية التصعيد في ناغورني قره باغ أجرت فحصاً مفاجئاً للجاهزية القتالية للمنطقة العسكرية الجنوبية، حيث تقع قاعدة غومري العسكرية الروسية في أرمينيا. وصدرت تقارير عدة في موسكو في الفترة الماضية تحدثت عن تعزيزات تقوم بها تركيا في أذربيجان تزامناً مع تأخير الجانب الأرميني تنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل إليها سابقاً، وهي عودة خمس مناطق (من أصل سبع محتلة) حول ناغورني قره باغ إلى سيطرة باكو، والتي كان ينبغي أن تكون نقطةَ الانطلاق لمزيد من الخطوات نحو تسوية نهائية.

وأشار مجتمع الخبراء العسكريين الروس إلى اهتمام بلادهم بحقيقة أن تركيا، الدولة العضو في حلف الناتو والتي تمتلك أكبر جيش في الحلف بعد الولايات المتحدة، تُعزِّز وجودها العسكري في منطقة جنوب القوقاز. ويرى هؤلاء الخبراء أن احتمال ظهور وجود عسكري مُعزز لتركيا في أذربيجان، علاوة على موضوع المسلحين السوريين الموالين لتركيا، يزيدان من التصعيد ويفاقمان الوضع بشكل خطر بالنسبة إلى روسيا.

وفي وقتٍ لاحق، أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن بلاده تُشارِك في الجهود الدولية لتهيئة الظروف لتسوية الأزمات والصراعات المختلفة، بما في ذلك الصراع في ناغورني قره باغ. وأضاف "نحن لا نخلق سيناريوهات لحل المشكلة، لكننا نخلق الظروف التي تسمح لهم بالتوصل إلى اتفاق. وعكف الجانبان على صياغة الوثائق الأولى على مدى السنوات الـ 18 الماضية. لقد تم إنجاز الكثير. إنهم يُنشئون أساساً يعكس مبادئ ميثاق الأمم المتحدة ووثيقة هلسنكي النهائية بشأن الأمن والتعاون في أوروبا، وكذلك المعايير المحددة التي يجب الاتفاق عليها حتى تتم التسوية".

آفاق التحركات الروسية إزاء النزاع

قاد احتدام الموقف عسكرياً واتساع رقعة المواجهات بين أرمينيا وأذربيجان مع تصاعد عمليات استهداف المدن في عمق الأراضي لدى الجانبين المتصارعين، إلى تكثيف نداءات التهدئة ووقف إطلاق النار، وبدا أن الخيارات المطروحة أمام روسيا تتركز، حتى الآن، في القبول بالنتائج التي قادت إليها المواجهات خلال أسبوع، في تثبيت محتمل لتمكُّن باكو من استعادة السيطرة على القرى السبع المحاذية للإقليم المتنازع عليه، في مقابل التوصل الى وقف للقتال.

وعكس اقتراح موسكو إدخال قوات فصل روسية بين المتحاربين بدعم من مجموعة مينسك، قناعة روسية بأن هذا الحل الذي سارعت يرفان لإعلان المواقفة عليه قد يشكل عنصر ضمان لوقف النار وإطلاق عملية المفاوضات مجدداً. وفي حال وافقت باكو وأنقرة على هذا الاقتراح، يكون الطرفان قد حققا "انتصاراً" جزئياً يحتاجه الرئيس إلهام علييف داخلياً بقوة، وتكون موسكو ضمنت في الوقت ذاته عدم انزلاق الموقف لمواجهة أوسع تمنح مبررات اضافية لتوسيع عمليات الزج بالمقاتلين الأجانب في المنطقة، كما يعفيها من التدخل المباشر في أعمال عسكرية، خصوصاً إذا طلبت أرمينيا حماية مباشرة من موسكو في حال اتساع جبهة المواجهات ووصولها إلى مناطق في العمق الأرمني. وهذا الحل المؤقت يرتبط بموافقة أنقرة بالدرجة الأولى، وقد تكون موسكو مضطرة لخوض مفاوضات صعبة مع الجانب التركي في هذا المجال.  

استنتاجات

ساهم تبدُّل الوضع السياسي داخل أرمينيا خلال العام الأخير، وتعدُّد مشكلات روسيا الخارجية حالياً في تقليص قدرات موسكو على التحرك العاجل لوقف التصعيد الأذري-الأرميني، وفي الوقت ذاته برز حضور "مرتزقة" جُلِبوا من سوريا والشرق الأوسط لدى طرفي النزاع، باعتباره عاملاً جديداً فاقَمَ من خطورة المسألة، خصوصاً أنه يكشف عن احتمال تَحوُّل المواجهات الحالية إلى بؤرة حرب ساخنة لفترة طويلة.

ومع هذا، فقد أظهر اقتراح موسكو إدخال قوات فصل بين المتحاربين بدعم من مجموعة مينسك، أن روسيا تعطي الأولوية لمسار فصل القوات المتحاربة، وإطلاق مسار التفاوض بين أرمينيا وأذربيجان. وفي حال وافقت باكو وأنقرة على هذا الاقتراح، والذي سبق ليريفان القبول به، يكون الطرفان قد حققا "انتصاراً" جزئياً، وضمنت موسكو بذلك عدم انزلاق الموقف إلى مواجهة مفتوحة ومن ثمَّ توسيع عمليات استجلاب المرتزقة الأجانب إلى المنطقة، كما يُعفيها من التدخل العسكري المباشر في أتون الصراع.  

أحدث الإيجازات