روسيا وإدارة بايدن: تقديرات متشائمة لمستقبل العلاقات

مركز الإمارات للسياسات | 13 ديسمبر 2020

أعلن الكرملين بعد بروز السجالات في واشنطن حول نتائج الانتخابات أن الرئيس فلاديمير بوتين سوف يقوم بتهنئة الرئيس المنتخب فقط بعد الإعلان رسمياً عن النتائج النهائية. حملَ هذا الموقف إشارات إلى ترقُّب روسي للوضع، ورغبة في معرفة مدى تأثير الخلافات الداخلية على عملية انتقال السلطة في واشنطن. برغم ذلك أعلن وزير الخارجية الروسي في منتصف نوفمبر الماضي أن موسكو "سوف تتعاون مع أي رئيس يظهر فوزُه بعد إعلان النتائج الرسمية".

تأثيرات فوز بايدن على الملفات المعلَّقة

في مقابل التحفُّظ على المستوى الرسمي، انشغلت مراكز الدراسات ووسائل الإعلام الروسية بوضع تصورات للعلاقات المحتملة وتأثيرات فوز بايدن على الملفات المعلقة بين البلدين. وفيما يلي أبرز الملاحظات على هذا الصعيد:

تكريس خيبة الأمل إزاء إدارة ترمب: ثمة خيبة أمل عميقة لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تجاه فترة رئاسة ترمب، الذي علّقت عليه موسكو آمالاً في البداية، لكن تبين لاحقاً أنه قليل الفائدة بالنسبة للكرملين. وبدلاً من رفع العقوبات، وتحسين العلاقات الاقتصادية، قامت حكومة ترمب بفرض 46 رزمة عقوبات جديدة خلال أربع سنوات، أو مددت عقوبات سابقة. فضلاً عن ذلك، ففي عهد ترامب انسحبت الولايات المتحدة من معاهدات الأسلحة التي سعت روسيا إلى الاحتفاظ بها، وهو أمر مهم للكرملين الذي حاول تجنب سباق تسلح مكلف ومرهق.

وفي التقديرات الروسية، سيكون بايدن قادراً على رأب الصدع الذي تسبب به ترمب في العلاقة مع أوروبا، وحشد تأييد أوسع لممارسة ضغوط أكبر على روسيا في عدد من الملفات المهمة، وبرغم كل الملاحظات السابقة على سياسة ترمب فقد كانت مفيدة للكرملين في عدد من النواحي؛ فهو في سوريا تخلى بالفعل عن ساحة المعركة لروسيا، وفي أوروبا أضعفت سياسات ترمب تحالف الديمقراطيات الغربية، وأربكت شركاء الناتو، وقوضت الثقة في المؤسسات الديمقراطية، وفي كل هذا استفادت موسكو.

أولويات إدارة بايدن: بحسب العديد من التحليلات الروسية، ستكون أولويات الإدارة الأمريكية المقبلة داخلية بامتياز؛ كون الولايات المتحدة تقف أمام مجموعة من الأزمات، بدءاً من كورونا إلى الاقتصاد إلى البطالة وحاجة الناس إلى المساعدات المالية، وصولاً إلى العنف والعنصرية والانقسام الكبير في المجتمع الأمريكي. وستكون أمام إدارة بايدن مهمات عديدة شاقة خلال الفترة الأولى من إدارته، وممكن أن تمتد على مدى السنوات الأربع المقبلة.

ولم يحصل الحزب الديمقراطي على أغلبية في مجلس الشيوخ، لكن على الأرجح أن يحتفظ الحزب الديمقراطي بأغلبية في مجلس النواب، هذا يعني أن بايدن سيواجه تحدياً في الكونغرس على الأغلب، وأن عليه أن يحكم بالقرارات التنفيذية التي يحق للرئيس إصدارها (كما فعل أوباما وترامب).

العلاقة مع بوتين: يُعد جو بايدن من أكثر المناهضين لبوتين. وكان مكلَّفاً من قبل باراك أوباما بمفاوضة الكونغرس الأمريكي لتمرير معاهدة "ستارت" جديدة لخفض الرؤوس النووية بين أمريكا وروسيا، بمعنى أنه كان معنياً بشكل مباشر بالتعامل مع الرئيس بوتين. ونقلت وسائل إعلام أن العلاقات الشخصية بين الطرفين شبيهة بالعلاقة بين الرئيس السابق أوباما وبوتين، وهي علاقة كانت تخلو من الثقة المتبادلة.

الملف الأفغاني: عمل بايدن أيضاً بشكل مباشر على تقييم الوجود الأمريكي في أفغانستان، وكان من أنصار الإبقاء على العمليات العسكرية الأمريكية لمكافحة الإرهاب في أفغانستان، وواجه صعوبة الانسحاب من أفغانستان في ظل الدور الروسي المعطل هناك. واليوم مع تسريب تفاصيل برنامج المكافآت الروسي لقتل الجنود الأمريكيين في أفغانستان، فإن التفاهم حول أفغانستان الذي كان قائماً بين ترمب وبوتين سينتهي بدخول بايدن البيت الأبيض.

الأزمة السورية: بحسب التقديرات الروسية، أن بايدن الذي رفض سابقاً أي دور عسكري أمريكي في سوريا، غيّر موقفه خلال السنوات الماضية، وشن هجوماً قاسياً على ترمب عقب إعلانه الانسحاب من شمال شرقي سوريا، ويعتبر الإبقاء على عدد محدود من الجنود الأمريكيين في سوريا أمراً ملحاً. ويرى محللون أن مناكفة الروس في شمال شرقي سوريا سيكون أمراً شبه مؤكد لإدارة بايدن، لكن ليس معروفاً بعد ما إذا كان هذا سوف ينعكس عبر إرسال المزيد من الجنود الأمريكيين أم المزيد من العتاد أو دعم الإدارة الذاتية للأكراد بشكل أكبر لمنع أي إمكانية تعامل بينها وبين دمشق. وفي هذا الموضوع يفضل المحللون الروس الانتظار لمعرفة فريق بايدن، ومَن سيكون مبعوث بايدن إلى سوريا. لكن في الموضوع السوري، يجب التذكير أن موسكو كانت تعوّل على الْتزام ترمب في حال فوزه بالانسحاب من سوريا، وبفتح حوار شامل حول ملفات التسوية في سوريا.

وجو بايدن أيضاً، كما يعتقد كثير من المحللين الروس، من غير المعجبين بالدور التركي في سوريا وفي المنطقة، لذلك من المتوقع أن تتوافق خطواته مع تصريحاته السابقة بشأن إدانة مثل هذا الدور في سوريا، وربما يعني هذا الضغط على تركيا لمغادرة شمال شرقي سوريا. وكان واضحاً أن الطرفين الروسي والتركي يترقبان حالياً الخطوات الأولى لبايدن، وكانت هناك مكالمة روسية-تركية لمناقشة فوز بايدن، لكن هل سيعني هذا دفع تركيا أكثر إلى أحضان روسيا أم محاولة لإعادة تركيا، الحليف في الناتو، إلى المحور الغربي، وبالتالي السماح لها بدور أكبر في شمال سوريا؟ يصعب التكهن بذلك أيضاً قبل معرفة فريق الرئيس الجديد وخطواته الأولى. وفي إطار الملف السوري أيضاً، فإن نائبة الرئيس المنتخب كمالا هاريس كان لها موقف إيجابي من الضربة العسكرية التي وجهها ترامب إلى الأسد. ففي حين طالبت ترامب باستشارة الكونغرس قبل التحرك عسكرياً، لكنها وصفت بشار الأسد بـ"مجرم الحرب الذي لا يمكن للمجتمع الدولي تجاهله"، وطالبت إدارة ترامب بقبول المزيد من اللاجئين السوريين وقتها. وربما سيكون لها دور أكثر نشاطاً في السياسة الخارجية.

الملف الإيراني: يبقى لملف إيران أهمية خاصة بالنسبة إلى روسيا. فقد أعلن بايدن أنه سيعود إلى الاتفاق النووي الإيراني لكن من دون الكثير من التفاصيل. ماذا سيعني ذلك، هل سيتم رفع العقوبات عن إيران بشكل تلقائي أم أن العقوبات ستتيح لبايدن صفقة أفضل مع إيران؟ وروسيا من جهتها تُعوِّل على أن بايدن سيكون أكثر مرونة في التعامل مع الملف، لكنه كما يبدو سيعود إلى طرح شرط إضافة ملف إيران الصاروخي وسياستها الإقليمية. وهنا تتباين مواقف الخبراء الروس بين متفائلين يرون أن موسكو سيكون لها دور إيجابي في دفع مفاوضات جديدة، ومتشائمين يرون أن بايدن مهما كانت مرونته في هذا الملف فإنه لن ينطلق من تقويض ما عمله ترمب أساساً، بل البناء على المكاسب التي تحققت للغرب لإيجاد تسوية جديدة، بمعنى أنه سيسعى إلى اتفاق جديد وهذا أمر لا يبدو سهلاً، خصوصاً أن التيار الإصلاحي في إيران الذي تعاملت معه الإدارات الأمريكية السابقة غاب تقريباً لصالح الأطراف المحافظة الأكثر تشدداً، ما يعقد أكثر أي مهمة روسية في هذا الشأن.

الأوضاع في الفضاء السوفيتي وملف التسلُّح: تتوقع الأوساط الروسية أن تتعرض موسكو لمزيد من الضغوط في الفضاء السوفيتي السابق، لأن بايدن سيكون قادراً على حشد تأييد واسع في العالم الغربي، لمواجهة تحركات موسكو في أوكرانيا، وحمايتها نظام الرئيس ألكسندر لوكاشينكو في بيلاروسيا، فضلاً عن توقعات بدعم أمريكي أوسع للجمهوريات السوفيتية السابقة للتخلص من الهيمنة الروسية.

في المقابل ستكون موسكو وواشنطن في ظل إدارة بايدن قادرتين على تقريب وجهات النظر في ملف التسلح والأمن الاستراتيجي، فقد أكد بايدن خلال حملته الانتخابية على ضرورة تمديد معاهدة "ستارت"، وشدد على أهمية عودة واشنطن إلى الاتفاقات الدولية التي انسحبت منها في ظل إدارة ترامب. وأيضاً مهما كانت آليات تعامل الإدارة الجديدة مع إيران فإن موسكو ترى أن الضغط القوي الذي مارسته إدارة ترامب، وصولاً إلى التلويح مراراً بعمل عسكري، سوف تتراجع بقوة، وهو أمر ينسحب أيضاً على تخفيف الضغط والتهديدات ضد حلفاء آخرين لموسكو، مثل فنزويلا.

خلاصة عامة

تريثت موسكو في إعلان موقفها من نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية، إلى حين انتهاء السجالات الداخلية وإعلان نتائج رسمية لعمليات الفرز، فيما انشغلت الأوساط السياسية والبحثية الروسية في ترقب خطوات الإدارة الأمريكية الجديدة المحتملة حيال روسيا والملفات الإقليمية والدولية المهمة.

وفي حين أن التوقعات مالت نحو احتمال حدوث تحسُّن ملحوظ على صعيد ملف الأمن الاستراتيجي على خلفية إعلان الرئيس المنتخب جو بايدن خلال حملاته الدعائية أنه سيُعيد الولايات المتحدة إلى اتفاقات حظر التسلح، وأنه ينوي التعاون مع موسكو لتمديد معاهدة تقليص السلاح النووي (ستارت)، فإن الترجيحات الروسية بدت متشائمة حيال غالبية الملفات الأخرى، مع توقُّع سياسة أكثر تشدداً للإدارة الديمقراطية في موضوع حقوق الإنسان وملاحقة المعارضين، وفي ملفات السياسة الإقليمية المرتبطة بالأوضاع في الفضاء السوفيتي السابق، وفي العلاقة مع الملفات الساخنة، وعلى رأسها سوريا وأفغانستان.

أحدث الإيجازات