في ظل تخفيض العديد من الجهات المانحة للتمويل المقرر للمساعدات الرسمية المقدمة للدول المتلقية جرّاء تداعيات أزمة وباء كورونا، وفي إطار اعتماد مصر على التوجه نحو الحصول على مساعدات التنمية الرسمية الداعمة للقطاعات الاقتصادية بشكل أكبر من المساعدات الأخرى التي تهتم بالناحية السياسية والاجتماعية، فإن اختبار فعالية هذه المساعدات من الأمور المهمة التي ستحدد دورها الحقيقي في تحقيق التنمية والدعم للقطاعات الاقتصادية في مصر.

ترصد هذه الورقة وتحلل المساعدات في قطاعي الزراعة والطاقة لتحديد مدى فعاليتها ودورها في النهوض بهذه القطاعات.

فعالية مساعدات التنمية الرسمية في قطاعي الزراعة والطاقة بمصر

عند الحديث عن مدى فعالية مساعدات التنمية الرسمية المقدمة للقطاعات الاقتصادية المصرية، فإنه ينبغي النظر في العوائد التي خرجت من المشروعات المنفذة في هذه القطاعات تحت إطار هذه المساعدات. وعلى مستوى قطاع الزراعة نجد أن هناك استفادة واضحة من المؤسسات الدولية العاملة في مجال الزراعة أو الداعمة لهذا المجال، وتضم محفظة المشروعات الجارية لقطاع الزراعة نحو 13 مشروعاً بمبلغ 545.4 مليون دولار أمريكي، يساهم فيها العديد من المؤسسات الدولية، منها الصندوق الدولي للتنمية الزراعية، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والاتحاد الأوروبي، ودول فرنسا وإيطاليا وألمانيا والصندوق الكويتي للتنمية.[1]

وبالنظر إلى أهم البرامج المنفذة في قطاع الزراعة تحت إطار هذه المساعدات، فإن برنامج التنمية الريفية المشترك المنفذ عبر التعاون بين الاتحاد الأوروبي والتعاون الإيطالي يعد من أبرز هذه المشروعات، وقد هدف البرنامج إلى تعزيز التنمية الريفية في ثلاث محافظات مصرية رئيسة وهي مطروح والمنيا والفيوم في الفترة من 2014-2020، وهو مبادرة "قائمة على تنمية المناطق" نفذتها وزارة الشؤون الخارجية والتعاون والتنمية الإيطالية من خلال السفارة الإيطالية في مصر بمساعدة فنية من الوكالة الإيطالية للتعاون، وتم تخصيص 11 مليون يورو للبرنامج من الجانب الإيطالي، فيما خصص الاتحاد الأوروبي منحة قدرها 21.9 مليون يورو لهذا البرنامج. وقام الاتحاد الأوروبي بمحافظة مطروح وحدها بتمويل "مكون إزالة الألغام"، وقد طور المشروع أفضل ممارسات لحصاد المياه في الأراضي الجافة في المنطقة الساحلية الشمالية الغربية في مصر، وزاد المشروع أيضاً من قدرة الرعاة على الصمود وعمل على تعزيز المؤشرات الجغرافية، كما ساهم المشروع في المنيا والفيوم، إلى زيادة إنتاجية الأراضي والمياه من خلال إعادة تأهيل شبكة الري وممارسات إدارة النفايات، فيما أظهر المشروع أهمية النهج التشاركي عندما يتعلق الأمر بتطوير الري وإدارة النفايات في الأراضي القديمة في هاتين المحافظتين. كما أظهر القيمة المضافة المتمثلة في إدخال تقنيات جديدة مخصصة لمحاصيل البستنة عالية الغلة لأغراض التسويق.[2]

ومن الجهات الداعمة لقطاع الزراعة في مصر الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية التي تنفذ العديد من المشروعات في هذا القطاع؛ منها مشروع إنشاء مركز خدمة المحاصيل البستانية بمركز إسنا جنوب الأقصر، وهو أول مركز تعبئة وتخزين مصمم لصغار المزارعين بالمحافظة، ويوفر وحدات حديثة للمعالجة والتخزين لمساعدة صغار المزارعين على تلبية متطلبات السوق، وساهم المركز في زيادة إنتاجية المزارعين ودخولهم وتوفير المئات من فرص العمل، وخلال العام الجاري بلغ حجم التصدير للموسم الشتوي من المركز 120 طن طماطم مجففة و130 طن عنب، و20 طن قرع عسلي، و60 طن مانجو. ومن مشروعات الوكالة الأخرى، مشروع إعادة تأهيل المركز التدريبي للتعبئة والتغليف للحاصلات الزراعية البستانية التصديرية في الأقصر وإعادة تأهيل محطة التعبئة والتغليف ليمتد دورهما للمناطق المحيطة ويساهما في تحسين معيشة صغار المزارعين والمستثمرين، ونجحت هذه المراكز في توفير التدريب والمساعدة الفنية لأكثر من 8000 مزارع في 7 محافظات لإنتاج محاصيل عالية الجودة، وتوفير التدريب والتعليم لأكثر من 12000 ألف سيدة وعائلاتهن، ودعم 45 جمعية زراعية لتحديد المحاصيل واستهداف الأسواق الجديدة، وتسهيل مفاوضات عقود آجلة لأكثر من 1200 مزارع سيحققون ما يقرب من 1.5 مليون دولار من عائد مبيعاتهم، وتساهم هذه المشروعات في تسهيل إنتاج 4.4 ألف طن من المنتجات في الأسواق النهائية خلال عام واحد، وخلق 78 ألف فرصة عمل موسمية، وربط تسويقي في محافظات سوهاج والأقصر وأسوان من خلال 28 عقداً.[3]

 من ناحية أخرى تتعاون مصر مع برنامج الأغذية العالمي من خلال الخطة الاستراتيجية القُطرية الخمسية خلال الفترة من 2018-2023، والمخصص لها نحو 586 مليون دولار، وترتكز على محاور رئيسة من بينها استكمال برامج الحماية الاجتماعية، وتوفير الأمن الغذائي للفئات الأكثر احتياجاً بالتركيز على النساء لاسيما الأمهات منهن، ودعم بناء قدرة المزارعين على الصمود.[4]

وفيما يتعلق بقطاع الطاقة، يُعد مشروع جبل الزيت بالبحر الأحمر لتوليد الكهرباء عن طريق الرياح من المشروعات الرائدة في هذا القطاع بمشاركة عدد من شركاء مصر في التنمية ومن أبرزهم وكالة التعاون الدولي اليابانية (الجايكا)، والوكالة الفرنسية للتنمية، ويضم المشروع أكبر محطة طاقة رياح في العالم من حيث المساحة وعدد التوربينات. وقد تم افتتاح محطة جبل الزيت في يوليو 2018، لتضيف حوالي 1% من إجمالي القدرة الإنتاجية في مصر، ما يؤدي إلى الحد من انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون بحوالي 49400 طن مقارنة بمحطات توليد الكهرباء من الوقود الحفري ذات القدرة الإنتاجية المماثلة، والتخفيف من أعراض التغير المناخي من خلال الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.[5]

التحديات

يعتبر اختلاف الأولويات بين الجهات المانحة والمؤسسات الحكومية المصرية من التحديات التي تواجه تصميم البرامج والمشروعات الموجهة في إطار مساعدات التنمية الرسمية، إذ إن المؤسسات الدولية ترغب في الأغلب في إطلاق مشروعات كبرى ضمن نطاق عملها الإقليمي بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذي قد لا يتقاطع مع التوجه المصري لإطلاق مشروعات جزئية تدعم تنفيذ المشروعات القومية المصرية في المجالات الاقتصادية المختلفة. هذا بالإضافة إلى اختلاف منهجية العمل في المشروعات، والتي تؤدي في كثير من الأحيان إلى تأخير تنفيذ المشروع أو تقليل الاعتمادات المالية الموجهة له.

ومن التحديات الأخرى التي تواجه مشروعات الجهات المانحة خاصة في قطاع الزراعة، التركيز على مناطق بعينها بشكل أكبر، وبصورة تعكس رغبة هذه الجهات في استمرار إنجاح مشروعاتها الجديدة بدون النظر إلى توسيع عملية التنمية الناتجة عن هذه المشروعات لتمتد لمناطق ومحافظات جديدة، والمثال الواضح على ذلك مشروعات التنمية الريفية التي نُفِّذ الكثير منها في نطاق محافظات الفيوم والمنيا ومطروح وذلك من قِبَل العديد من المانحين.

وبالإضافة إلى ما سبق تبرز مشكلة التمويل في ظل أزمة كورونا كأحد التحديات التي يمكن أن تواجه المشروعات المنفذة حالياً في القطاعات الاقتصادية المختلفة من جانب المانحين في مصر، أو المشروعات المخطط تنفيذها مستقبلاً. وبالرغم من قيام بعض الجهات باستئناف العمل والتوقيع على اتفاقيات جديدة خلال الفترة الماضية، إلا أنه لا تزال هناك العديد من الجهات التي لم تُقدم على التفاوض حول مشروعات جديدة نتيجة لتداعيات الأزمة الحالية.

وتبقى طريقة إدارة المنح والمشروعات المقدمة من المانحين والإدارة البيروقراطية داخل العديد من القطاعات الحكومية المصرية من أهم التحديات التي لا تُقلل من فاعلية البرامج والمشروعات المنفذة في إطار هذه المنح فحسب، بل قد تؤدي إلى فقدان الفرص المستقبلية لتنمية التعاون مع الشركاء بشكل أكبر وأكثر فاعلية.            

خلاصة وتوقُّعات

تُنفِّذ مصر العديد من المشروعات المهمة والمؤثرة مع شركاء التنمية الدولية ضمن نطاق مساعدات التنمية الرسمية خاصةً في قطاعي الطاقة والزراعة، إلا أن هذه المشروعات تحتاج لتوسيع في نطاق عملها لتمتد لمناطق جديدة داخل مصر. ومن المتوقع أن ينخفض تمويل المؤسسات الدولية في إطار أزمة كورونا، إلا أن تعزيز إطار المساعدات الرسمية في مصر عبر المنصات الجديدة للتنسيق والمتابعة التي طورتها وزارة التعاون الدولي المصرية (المسؤولة عن إدارة المنح والمساعدات الرسمية لمصر) يمكن أن يُسهِم في تحسين الاستفادة من أية فرص تمويلية جديدة متاحة في حال تحسّن الوضع الخاص بانتشار الوباء، أما في حال استمراره فإن الوضع سيكون صعباً خاصةً في ظل وجود مشروعات قائمة حالياً تحت إطار مساعدات التنمية الرسمية وتحتاج لتمديد زمني ومالي من أجل تحقيق أهدافها.

الهوامش والمصادر

[1] "وزيرة التعاون الدولي من الأقصر: الزراعة والتنمية الريفية أولوية للحكومة حاليا"، متاح على الرابط: http://gate.ahram.org.eg/News/2482989.aspx، الدخول بتاريخ 10 أكتوبر 2020.

[2] European Union Joint Rural Development Programme, available at: http://www.eu-jrdp.org/about/, access on: 10-10-2020.

[3] USAID in Egypt: AGRICULTURE AND FOOD SECURITY, available at: https://www.usaid.gov/egypt/agriculture-and-food-security, access on: 10-10-2020.

[4] World Food Programme in Egypt, available at: https://www.wfp.org/countries/egypt, access on: 10-10-2020.

[5] "محطة جبل الزيت لتوليد الكهرباء من طاقة الرياح"، متاح على الرابط: https://www.jica.go.jp/egypt/arabic/activities/activity16.html، الدخول بتاريخ 10 أكتوبر 2020.

 

أحدث الإيجازات