تواجه جنوب أفريقيا خطر تمدُّد تنظيم "داعش" بعد تصاعُد هجماته في موزمبيق المجاورة. وقد هدد التنظيم جنوب أفريقيا بفتح جبهة قتال فيها في حال انخراطها عسكرياً ضده، لا سيما بعد إرسالها قوات خاصة لدعم جهود مكافحة الإرهاب في موزمبيق، وهو ما يثير العديد من التساؤلات حول محفزات "داعش" للتمدد في جنوب أفريقيا، ومخاطر هذا التمدد والسيناريوهات المحتملة لمكافحته.

مُحفِّزات تنظيم "داعش" للتمدُّد في جنوب أفريقيا

  • التجنيد وتوظيف الأفكار اليمينية المتطرفة والعنصرية. وعلى سبيل المثال، لاتزال جماعات مثل "الكوماندوكور" تتبنى مبادئ الفصل العنصري المعادية للتعايش بين الطوائف والجماعات[1]. كما أن الانقسامات بين الجماعات السنية والشيعية، وانتشار التعصب الديني داخل المجتمع الإسلامي في جنوب أفريقيا يوفران بيئة خصبة لتغلغل فكر "داعش"[2].
  • التخطيط للأنشطة الإرهابية؛ فلطالما استغلت التنظيمات الإرهابية، مثل حركة الشباب الصومالية، السياق الأمني كملاذ آمن يُسهِّل التخطيط للعلميات الإرهابية والاستفادة من تقنية الاتصالات الجيدة[3].
  • التمويل، حيث كشفت الأجهزة الأمنية في أوقات سابقة عن العديد من عمليات التمويل المرتبطة بنشاط القاعدة وحركة الشباب. وتستفيد التنظيمات الإرهابية مثل "داعش" من وجود ممر بين جنوب أفريقيا وموزمبيق يموج بأنشطة غير قانونية مثل تهريب المخدرات التي يمكن أن تساعد "داعش" في تمويل عملياته[4].
  • التدريب، حيث توفر المناطق التي لا تخضع للمراقبة الأمنية الكافية من حكومة جنوب أفريقيا بيئة ملائمة للاستغلال في عمليات التدريب من قبل "داعش"[5].

فرص وتحديات التمدُّد في جنوب أفريقيا

الفرص:

  • تنَّامي قدرات "داعش"، وإخفاق الشركات العسكرية الخاصة في موزمبيق بالتنسيق مع قوات الأمن في وقف هجمات التنظيم[6].
  • عودة المقاتلين من صفوف "داعش" إلى جنوب أفريقيا، حيث تشير المعلومات إلى التحاق ما يقدر بنحو 60 إلى 100 جنوب أفريقي بالتنظيم في سوريا، وعودة أكثر من نصفهم بحلول عام 2016[7].
  • الخلايا النائمة؛ فقد كشفت الأجهزة الأمنية في 30 يوليو عن اعتقال خلية مكونة من خمسة أجانب، وكان من بينهم صومالي وإثيوبي، وهي المسؤولة عن هجمات ديربان في 2018. وتم العثور على أعلام ومقاطع فيديو لـ "داعش"، وأشارت التحقيقات إلى أن الخلية مرتبطة بأفراد سافروا للقتال إلى جانب "داعش" في موزمبيق[8].
  • الروابط المباشرة مع تنظيم "داعش" في موزمبيق، لا سيما بعد تعرُّف الأجهزة الأمنية على اثنين من العناصر الإرهابية من جنوب أفريقيا في صورة نشرها التنظيم في كابو ديلجادو، وهما مرتبطان بقضايا جاري التحقيق فيها[9]. بينما وجهت جهات التحقيق في موزمبيق، في 2019، اتهامات إلى أندريه ماير هانيكوم (ويعرف بـــ" بابا مزونجو" أو "الأب الأبيض")، وهو مواطن من جنوب أفريقيا، بدعم ومساعدة الأنشطة الإرهابية لـ "داعش" في شمال موزمبيق[10].
  • الحدود الرخوة؛ حيث تشترك جنوب أفريقيا مع موزمبيق في حدود يسهل اختراقها، وهي بمثابة ممر للمتطرفين الراغبين في دخول جنوب أفريقيا، ولا سيما المنتمين لـ "داعش"[11]. وقد كشف العديد من التحقيقات عن دخول متطرفين إلى جنوب أفريقيا باستخدام وثائق سفر مزورة[12].
  • الفساد في أجهزة الأمن والهياكل الاستخباراتية، وضعف قدرة قوات الأمن على مواجهة التهديدات[13].

التحديات:

  • اتجاه بعض دول المنطقة للتحرُّك عسكرياً ضد "داعش". وتشير المعلومات إلى أن زيمبابوي أرسلت بالفعل 30 عنصراً من القوات الخاصة إلى موزمبيق لتدريب القوات الأمنية على مكافحة الإرهاب، بينما زادت تنزانيا من وجودها العسكري على الحدود الجنوبية، وهي تقف على أهبة الاستعداد لمحاربة "داعش" من الشمال[14].
  • التعاون الأمني بين جنوب أفريقيا وموزمبيق. وقد كشفت وزيرة الخارجية، ناليدي باندور، في مايو، عن مباحثات جارية بين حكومتها وحكومة موزمبيق حول مساعدة الأخيرة في مواجهة "داعش". وتشير المعلومات إلى أن قوات من الدفاع الوطني والقوات البحرية لجنوب أفريقيا تستعد للتدخل في موزمبيق. وفي تصريح لوزيرة المخابرات بجنوب أفريقيا، أياندا دلودلو، قالت "إنها كانت تتعامل مع تهديد الدولة الإسلامية بجدية بالغة...."[15].
  • اجتماع أعضاء جهاز السياسة والدفاع والأمن في مجموعة التنمية لأفريقيا الجنوبية (السادك) في هراري، في 19 مايو، وتوصيته للدول الأعضاء بتقديم المساعدة العسكرية لموزمبيق[16].

مخاطر تمدُّد "داعش" في جنوب أفريقيا

  • تنفيذ عمليات إرهابية في جنوب أفريقيا؛ حيث تنخرط شركة "ديك للاستشارات العسكرية" بالفعل في توجيه ضربات عسكرية جوية لمعاقل "داعش" في موزمبيق، فضلاً عن وجود قوات خاصة من جنوب أفريقيا لتدريب قوات الأمن في موزمبيق على مكافحة الإرهاب. وتمتلك جنوب أفريقيا بنية تحتية متطورة يمكن أن تُحفِّز "داعش" على تنفيذ هجمات انتقامية[17].
  • استهداف مصالح جنوب أفريقيا ودول المنطقة في موزمبيق، حيث تعتمد زيمبابوي، التي أرسلت قوات خاصة لتدريب قوات الأمن في موزمبيق، على استيراد الكهرباء والغذاء من موزمبيق[18]. وتمتلك شركات من جنوب أفريقيا استثمارات كبيرة في مشاريع التنقيب عن الغاز الطبيعي في كابو ديلجادو[19]. وتستثمر شركة ساسول الجنوب أفريقية للطاقة والكيماويات بشكل كبير في مشاريع التنقيب عن الغاز[20].
  • استهداف المصالح الأجنبية في جنوب أفريقيا، إذ يُحفِّز السياق الأمني في جنوب أفريقيا التنظيمات الإرهابية مثل "داعش" على تنفيذ هجمات إرهابية، لا سيما الهجوم على السفارات والرعايا الأجانب.

سيناريوهات الحرب على الإرهاب في المنطقة

السيناريو الأول: تدخُّل جنوب أفريقيا عسكرياً بهدف مكافحة الإرهاب في موزمبيق، وخاصة في ظل تنَّامي المطالب الدولية والداخلية بالتدخل العسكري لمكافحة إرهاب "داعش". وهناك مباحثات جارية بين جنوب أفريقيا وموزمبيق في هذا الصدد. وتشير المعلومات إلى أن جنوب أفريقيا قد نشرت، في يوليو، بالفعل قوات خاصة في كابو ديلجادو[21]. وتقوم وحدة التدخل السريع للقوات المسلحة لجنوب أفريقيا بتدريب مجموعة من الكوماندوز لمكافحة الإرهاب في موزمبيق[22]. ولكن لا تزال جنوب أفريقيا مترددة في توسيع عملياتها العسكرية خشية الانخراط في حرب ممتدة على الإرهاب في المنطقة[23]، وخاصة في ظل انخراطها في تنفيذ تدابير مكافحة تفشي وباء كورونا (كوفيد-19).

السيناريو الثاني: تدخُّل إقليمي من خلال قوة عسكرية مشتركة لدول تجمُّع "السادك"، وخاصة أن هناك آلية عسكرية للتدخل لمكافحة الإرهاب والتدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية. وقد طلبت حكومة موزمبيق من تجمُّع تنمية الجنوب الإفريقي (السادك) في مايو 2020 المساعدة، لا سيما مع تولي موزمبيق الرئاسة الدورية للتكتل، وهو ما يساعدها في الحصول على المساعدة العسكرية[24]. ولكن برغم إعلان بعض الدول عن استعدادها للتدخل مثل حكومة زيمبابوي[25]، ما تزال بعض الدول الأخرى تتردد بسبب الضغوط الاقتصادية المرتبطة بتحويل الإنفاق العسكري للاستجابة لأزمة فيروس كورونا[26].

السيناريو الثالث: تدخُّل إقليمي من خلال منظمة الاتحاد الأفريقي، حيث ناقش القادة الأفارقة التهديد الإرهابي المتصاعد في موزمبيق، في القمة الثالثة والثلاثين للاتحاد الأفريقي في أديس أبابا في يناير 2020. ووُصِفَ هذا التهديد بأنه "تهديد جديد تماماً" وصل إلى "مستويات غير مسبوقة". ولكن برغم استعداد الاتحاد الأفريقي لتقديم المساعدة العسكرية، إلا أنه قصر هذه المساعدة على تبادل المعلومات وتوفير المعدات وتدريب قوات الأمن في موزمبيق[27].

خلاصة

يبدو أن السيناريو المرجح للتدخُّل العسكري لمكافحة الإرهاب في المنطقة في ضوء التحديات السياسية والأمنية التي تواجه الدول الأعضاء في تجمُّع "السادك"، هو التدخل العسكري المحدود لجنوب أفريقيا من خلال تقديم مساعدات لوجستية وتدريب عسكري لقوات الأمن في موزمبيق، والتعاون والتنسيق العسكري مع دول الجوار مثل زمبابوي وتنزانيا.

الهوامش

[1] Raeesah Cassim Cachalia and Albertus Schoeman, Violent extremism in South Africa: Assessing the current threat, Southern Africa Report 7 , May 2017, p.8.

[2] Peter Fabricus, Is Islamist terrorism starting to emerge in South Africa?, 25/10/2018, available at: https://issafrica.org/iss-today/is-islamist-terrorism-starting-to-emerge-in-south-africa

[3] Leigh Hamilton, Dave Bax and Rami Sayed, Understanding and Responding to Extremist Threats in Southern Africa, Policy Brief, Issue No. 1, March 2018, p.3.

[4] Tonderayi Mukeredzi, Mozambique’s Insurgency Is a Regional Problem,  1/7/2020,  available at: https://foreignpolicy.com/2020/07/01/mozambique-islamist-insurgency-regional-problem-cabo-delgado/

[5] Isabel Kreifels, Violent Extremism in South Africa: Is there a Risk?, 5/9/2018, available at: https://www.saferspaces.org.za/blog/entry/violent-extremism-in-south-africa-is-their-a-risk

[6] Sirwan Kajjo and Amancio Vilanculos, Can Regional Powers Help Combat Insurgency in Northern Mozambique?, 23/8/2020,  available at: https://www.voanews.com/extremism-watch/can-regional-powers-help-combat-insurgency-northern-mozambique

[7] Leigh Hamilton, Dave Bax and Rami Sayed, op. cit, p.3.

[8] Brian M. Perkins, Motivations and Roadblocks for South African Intervention in Mozambique, Terrorism Monitor, Issue: 16, August 14, 2020, p.3.

[9] Idem.

[10] SA man accused of terror-related activities in Mozambique to appear in court, 31/2019, available at: https://satac.co.za/sa-man-accused-of-terror-related-activities-in-mozambique-to-appear-in-court/

[11] Isabel Kreifels, op. cit.

[12] Idem.

[13] Leigh Hamilton, Dave Bax and Rami Sayed, op. cit, p.3.

[14] Tonderayi Mukeredzi, op. cit.

[15] Idem.

[16] SADC seized with regional security situation …as action is taken on insurgency in Mozambique, 20/5/2020, available at: https://www.sardc.net/en/southern-african-news-features/sadc-seized-with-regional-security-situation-as-action-is-taken-on-insurgency-in-mozambique/

[17] Isabel Kreifels, op. cit.

[18] Raeesah Cassim Cachalia and Albertus Schoeman, op. cit, p.4.

[19] Jacco van der Veen,  A Very Private War: The Failure of Mozambique’s Approach to Defeating an Islamist Insurgency, JASON Institute for Peace and Security Studies, 19/7/2020, available at: https://bit.ly/2EWVbFS

[20] Theo Neethling, South Africa’s interest in extremist violence in northern Mozambique, 223/6/2020, available at: https://www.theafricareport.com/30898/south-africas-interest-in-extremist-violence-in-northern-mozambique/

[21] Jacco van der Veen, op. cit.

[22] Pedro Tadeu, A África do Sul deve entrar em Moçambique?, 30/7/2020, available at: https://www.plataformamedia.com/2020/07/30/a-africa-do-sul-deve-entrar-em-mocambique/

[23] Leighton G. Luke, op. cit.

[24] Idem.

[25] Brian M. Perkins, op. cit. p.3.

[26] Tonderayi Mukeredzi, op. cit.

[27] Liesl Louw-Vaudran, Can the African Union help Mozambique combat terrorism?, 13/2/2020, available at: https://issafrica.org/iss-today/can-the-african-union-help-mozambique-combat-terrorism

 

أحدث الإيجازات