تشهد مقاطعة كابو ديلجادو في شمال موزمبيق تصاعداً في هجمات تنظيم "داعش" منذ مارس الماضي، في وقت تحشد الحكومة جهودها ومواردها لمكافحة وباء كورونا ومواجهة تداعياته المحتملة. ويُثير ذلك العديد من التساؤلات حول حدود سيطرة التنظيم وقدرته على التوسُّع، والتحديات التي تواجه الحكومة لمكافحة الإرهاب، والمخاطر المحتملة لتمدد التنظيم الإرهابي في موزمبيق والبلدان المجاورة، والسيناريوهات الممكنة لجهود مكافحته.

مُحفِّزات تفشي وباء كورونا في موزمبيق

  • برغم انخفاض عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في موزمبيق حتى الآن، التي لم تتعدى 200 حالة إصابة، منذ أن أعلنت الحكومة عن أول حالة مؤكدة في 22 مارس الماضي، لكن عودة أربعة عشر ألف مهاجر مؤخراً من جنوب أفريقيا، التي سجلت ما يزيد عن 17 ألف حالة إصابة حتى الآن، يزيد من احتمالات تفشي الوباء[i]. وبرغم إجراءات التباعد الاجتماعي والتدابير الأخرى لمواجهة تفشي الفيروس، لكن توقيت الأزمة يأتي عقب تعرض موزمبيق لإعصارين تركا ما يقرب من 2.2 مليون شخص في حاجة إلى مساعدات إنسانية[ii].
  • هشاشة نظم الرعاية الصحية، إذ تقدر منظمة الصحة العالمية أن 36% فقط من السكان لديهم إمكانية الوصول إلى مرفق صحي في غضون 30 دقيقة من منازلهم، ولا يوجد سوى 24 جهاز تنفس في جميع أنحاء البلاد، وطبيب واحد لكل 15 ألف نسمة. فضلاً عن تفشي العديد من الأمراض مثل الإيدز والملاريا وسوء التغذية. وفي بلد يعيش فيه 46% من السكان تحت خط الفقر، فإن تطبيق إجراءات التباعد الاجتماعي بشكل صارم من المحتمل أن يولد اضطرابات اجتماعية[iii]، ويوفر بيئة ملائمة لتمدد تنظيم "داعش".

تصاعُد نشاط "داعش" في موزمبيق

  • كثَّف تنظيم "داعش" من هجماته، التي بلغت أكثر من 30 هجوماً منذ يونيو 2019، وتشير كثافة الهجمات إلى تنامي عدد مقاتليه (حوالي 1500 مقاتل)، وتنامي قدراته القتالية[iv]، وقدراته التكتيكية والهجومية بعد استقطابه لعسكريين منشقين وسابقين، وتوسُّع شبكته المالية وتجارته غير الشرعية في الأخشاب والياقوت والعاج والفحم، وتطويره شبكة للدعم اللوجستي وفرق للاستطلاع، تقوم بمراقبة تحركات قوات الأمن[v]، وتنسيق هجماته مع هجمات المتمردين (مجلس عسكري رينامو Renamo Military Junta) في مقاطعة سوفالا.
  • مرونة التنظيم وقدرته المتزايدة على الحركة والتنسيق بين خلاياه المنتشرة في المنطقة، وقدرته المتزايدة في السيطرة على المدن والقواعد العسكرية ما يشير إلى تحسن قدراته التسليحية بعد حصوله على أسلحة ومعدات من خلال الغارات على الأهداف العسكرية. فخلال مارس الماضي، هاجم "داعش" عواصم المقاطعات، لاسيما موسيمبوا دابريا (Mocímboa da Praia)، التي تقع قرب الحدود مع تنزانيا، عن طريق البر والبحر وسيطر عليها لمدة يوم واحد، ورفع علم التنظيم على مقر الشرطة. واستولى بعدها على مدينة كويسانجا (Quissanga)، ليُهدد بذلك تطوير حقول غاز "حوض روفوما" Rovuma Basin[vi]. وفي أبريل، هاجم منطقة مايدومبي، واحتل ميانغاليوا وأحرق بها كنيسة كاثوليكية[vii].
  • لا تزال السيطرة الجغرافية لداعش محدودة، لكنه يمارس سيطرة شبه إقليمية على أجزاء من كابوديلجادو، تسمح له بفرض الضرائب وتجنيد المقاتلين، وإقامة معسكرات قريبة ودائمة من المناطق التي يهاجمها تسمح له بإعادة احتلالها وفرض سيطرته عليها، وكسب ولاء السكان المسلمين من خلال توزيع الطعام والمال. ويبدو أن هدفه المباشر عزل المناطق والسيطرة على الطرق، حيث تتولى خمس مجموعات فرعية زمام المبادرة في تنفيذ الهجمات في موسيمبوا دا برايا، ومويدومبي، وكويسانجا، وعلى طول الساحل بين مقاطعتي ماكوميا وموسيمبوا دا برايا، في المناطق الواقعة بين موكوجو وكويتيراجو[viii].

لا تزال السيطرة الجغرافية لداعش محدودة، لكنه يمارس سيطرة شبه إقليمية على أجزاء من كابوديلجادو، تسمح له بفرض الضرائب وتجنيد المقاتلين، وإقامة معسكرات قريبة ودائمة من المناطق التي يهاجمها تسمح له بإعادة احتلالها وفرض سيطرته عليها

تحديات مكافحة الإرهاب وانعكاساتها على الجهود الحكومية

  • ضعف الجاهزية القتالية والروح المعنوية لدى قوات الأمن للتصدي للتهديدات الإرهابية، بالإضافة إلى تحديات تطبيق إجراءات التباعد الاجتماعي في بيئة حاضنة للتمرد، إذ يتوقع أن يؤدي إغلاق كابو ديلجادو في حال تزايد حالات الإصابة بوباء كورونا إلى احتجاجات عامة. وقد تم بالفعل في بعض المناطق (مثل بالما) تنظيم احتجاجات على ممارسات قوات الأمن[ix].
  • تحدي الاستعانة بشركات عسكرية خاصة، فبعد إخفاق العمليات العسكرية لمجموعة "فاغنر" الروسية (أغسطس 2019-مارس 2020)، اتجهت الحكومة إلى التعاقد مع مجموعة ديك الاستشارية الجنوب أفريقية، التي تقوم بتوفير غطاء جوي لتحركات قوات الأمن، وقد هاجمت قواعد "داعش" في مباو في موسيمبوا دابرايا ومويدومبي (9 أبريل)، لكن الإرهابيين نجحوا في إسقاط إحدى طائراتها[x]. وتواجه الحكومة صعوبات عدة في الاستمرار بالاستعانة بهذه الشركات، إذ لم تحصل مجموعة ديك الاستشارية على إذن قانوني من حكومتها.
  • تحديات تنفيذ اتفاق السلام الموقع في أغسطس الماضي مع حزب المقاومة الوطنية الموزمبيقية (رينامو RENAMO)، لاسيما بعد انشقاق ما يسمى مجلس عسكري رينامو، الذي أعلن مسؤوليته عن عدد من الهجمات في الأجزاء الوسطى من البلاد[xi].
  • ضعف التنسيق الإقليمي في جهود مكافحة الإرهاب في ظل انشغال دول المنطقة بجهود مكافحة وباء كورونا، وتوتر العلاقات الموزمبيقية-التنزانية الذي لا يزال يمثل تحدياً كبيراً للتعاون بين الدولتين في مكافحة الإرهاب[xii].

مخاطر تمدد تنظيم "داعش" في موزمبيق والمنطقة

  • هناك مؤشرات متزايدة على إمكانية دمج التنظيمات المبايعة لداعش في جمهورية الكونغو الديمقراطية وموزمبيق والصومال في هيكل واحد (إمارة "داعش" وسط أفريقيا)، من بينها تنامي الصلات القائمة  بين هذه التنظيمات عبر شبكات التهريب والتجنيد والتمويل والتدريب (دور الكيني وليد أحمد زين في تحويل أموال إلى "داعش" في الكونغو الديمقراطية)، فضلاً عن الروابط مع الشبكات المتطرفة في كينيا وتنزانيا[xiii].
  •  يُساعد دمج هذه التنظيمات في تمدد "داعش" وسط أفريقيا بشكل أكبر وأوسع في شرق وجنوب القارة الأفريقية، وتنسيق عملياتها وتعزيز قدراتها العسكرية. ويوفر جاذبية إقليمية أوسع، حيث يساعد على جذب جيوب باقية من الأفراد المتطرفين من كينيا وتنزانيا وأوغندا[xiv].

السيناريوهات المحتملة لتمدد "داعش" وجهود مكافحة الإرهاب

السيناريو الأول: سيطرة "داعش" على مقاطعة كابو ديلجادو وإعلانها إمارة للتنظيم. حيث يستفيد من الوجود المحدود لقوات الجيش والأمن، وانشغالها بمكافحة تفشي وباء كورونا، واستمرار حزب رينامو في توسيع عملياته في وسط البلاد، ناهيك عن تداعيات تفشي فيروس كورونا التي تهدد بتأجيل مشاريع الغاز الطبيعي والتعدين، إلى جانب حالة الطوارئ التي تهدد بحصول اضطرابات اجتماعية كبيرة، وهذا يساعد "داعش" على تجنيد المزيد من العاطلين عن العمل. ولكن عمليات إعادة الإنتشار الأمني المدعومة من الشركات العسكرية الخاصة لا تزال تمثل تحدياً لسيطرة "داعش" على مساحات واسعة، فضلاً عن تركيز التنظيم في الفترة الراهنة على تعزيز قدراته التسليحية والقتالية وطرد القوات الحكومية من المنطقة.

السيناريو الثاني: الاستعانة بالشركات العسكرية الخاصة لإضعاف داعش، وإعادة التفاوض مع المتمردين، خاصة أن سيطرة "داعش" الجغرافية لا تزال محدودة، ولدى الحكومة اهتمام متزايد بضرورة التوصل إلى اتفاق سلام، وهناك دعم دولي وإقليمي لهذه الجهود. ولكن يتحدى هذا السيناريو استمرار الانشقاق بين المتمردين ورفض بعض الفصائل التفاوض مع الحكومة. كما أن الاستمرار في الاستعانة بشركات عسكرية خاصة يواجه تحديات قانونية وانتقادات محلية تغذي بيئة التمرد والإرهاب.

السيناريو الثالث: طلب التدخل الإقليمي والدولي لمكافحة الإرهاب. وكان الرئيس فيليبي نيوسي قد دعا خلال القمة البريطانية-الأفريقية في يناير الماضي إلى تدخل دولي، وحضر اجتماعاً خاصاً لجهاز جماعة التنمية للجنوب الأفريقي (السادك) المعني بالسياسة والدفاع والأمن في 15 مايو، والذي أصدر بياناً لدعم مكافحة الإرهاب في موزمبيق. وتشير المعلومات إلى أن اللواء 43 التابع للجيش الجنوب أفريقي يدرس إمكانية تقديم مساعدة لقوات الأمن في موزمبيق[xv]. ومع ذلك، فإن انشغال الدول الغربية ودول الجنوب الأفريقي بمواجهة أزمة كوفيد-19 لا يزال يمثل تحدياً كبيراً لجهود مكافحة الإرهاب في المنطقة.

المراجع والمصادر

[i]"UNICEF Mozambique COVID-19 Situation Report No.3, 14 MAY 2020," available at: https://reliefweb.int/report/mozambique/unicef-mozambique-covid-19-situation-report-no-3-14-may-2020

[ii] Miguel Angel Jimenez and Egas Daniel, "Mozambique’s response to COVID-19: Challenges and questions," The International Growth Centre (IGC), available at: https://www.theigc.org/blog/mozambiques-response-to-covid-19-challenges-and-questions

[iii] United Nations University World Institute for Development Economics Research, "Is Mozambique prepared for a lockdown during the COVID-19 pandemic?," available at: https://www.wider.unu.edu/publication/mozambique-prepared-lockdown-during-covid-19-pandemic

[iv] Armed Conflict Location & Event Data Project (ACLED), Cabo Ligado Weekly: 10-17 May 2020, 20/5/2020, available at: https://acleddata.com-Cabo%20Ligado%20Weekly%2010-17%20May%202020.pdf

[v] Salvador Forquilha and João Pereira, Faced With The Conflict In The North, What Can Mozambique Learn From Its Civil War (1976 – 1992)? An Analysis Of The Dynamics of The Insurgency In Cabo Delgado, Informação sobre Desenvolvimento Instituições e Análise Social, 12 May,  2020.

[vi]  محمد عبد الكريم أحمد، "عين على أفريقيا (1-8 أبريل 2020): تصاعد العنف الخفي في موزمبيق"، قراءات أفريقية، متاح على الرابط: https://bit.ly/3dvdluA

[vii] Sérgio Chichava, ”Who is “The Enemy” Attacking Cabo Delgado? Short Presentation of The Hypotheses of The Mozambican Government”, Informação sobre De senvolvimento, Instituições e Análise Social, 28 de Abril de 2020.

[viii] Armed Conflict Location & Event Data Project (ACLED), op.cit, available at: https://acleddata.com-Cabo%20Ligado%20Weekly%2010-17%20May%202020.pdf

[ix] Ideam.

[x] Shannon Ebrahim, "The AU must act against Mozambique’s very real IS threat," 19/4/2020 ,available at: https://www.iol.co.za/news/opinion/the-au-must-act-against-mozambiques-very-real-is-threat-46895025

[xi] "New threats to peace in Mozambique," PSC REPORT, 24/11/2019, available at: https://bit.ly/3cmVxR8

[xii] Alex Vines OBE, "Why The Insurgency in Northern Mozambique Has Got Worse," 1/4/2020, available at: https://www.chathamhouse.org/expert/comment/why-insurgency-northern-mozambique-has-got-worse

[xiii] Brian M. Perkins, "The Emerging Triad of Islamic State Central Africa Province," Terrorism Monitor, Volume Xviii, Issue 5, March 11, 2020 ,pp.7,8.

[xiv] Ibid, p. 8.

[xv] Armed Conflict Location & Event Data Project (ACLED), Cabo Ligado Weekly: 18-24 May 2020, May 26, 2020.

 

أحدث الإيجازات