عاد النقاش في لبنان مجدداً حول وجود اهتمام دولي جدي ومتزايد بضبْط الحدود مع سوريا. وقد كثُرَت المواقف التي تسلط الضوء على ظاهرة التهريب من خلال 161 ممراً على الحدود الشرقية للبنان، ما يشكل أكبر منفذ هدر للموارد الاقتصادية للبلد. وكان هذا النقاش يستعر ويخفت وفق الظروف. ولطالما أبدت الأطراف السياسية اللبنانية المتحالفة مع دمشق رفضها تقييد ومراقبة الحدود بين البلدين، داعيةً إلى المحافظة على ما يعرف بـ "الخط العسكري" بين البلدين، والذي يتيح تنقل البضائع والأفراد وكبار الشخصيات دون المرور من خلال المراقبة الرسمية. من جهتها كانت التيارات المناوئة لدمشق تدعو إلى إمساك الجيش اللبناني والقوى الأمنية بمراقبة الحدود وإقفال جميع المنافذ غير الشرعية التي تحظى بحماية من الداخلين اللبناني والسوري. وسبق أن أعلن رئيس ​الحكومة السابق​ ​سعد الحريري​ في 19 مايو الجاري أنه لم يستطع ضبط التهريب عبر الحدود مع سوريا "لأن هناك مصالح للبنانيين - وحزب الله جزء منهم - أكبر من استطاعة سعد الحريري توقيفها".

ملف التهريب الحدودي على أجندة حكومة دياب

يتعلق النقاش هذه الأيام بالجهود التي تبذلها الحكومة اللبنانية برئاسة حسان دياب لضبط الإنفاق والخروج بخطة اقتصادية بإمكانها أن تكون مادة نقاش مقبولة من قبل المانحين الدوليين، خصوصاً أن لبنان الذي لطالما اعتمد على مساعدات ومنح مالية كانت تأتيه من البيئة العربية، لاسيما الدول الخليجية، لم يعد يرى بُداً من الاتفاق مع صندوق النقد الدولي كونه بات البوابة الوحيدة التي تشترطها الدول المانحة، بما فيها تلك التي تشكل منها مؤتمر "سيدر" في باريس الذي وعد بمنح لبنان 11 مليار دولار للنهوض باقتصاده (عقد المؤتمر في أبريل 2018). ‏وكان السفير الفرنسي المكلف بمواكبة تنفيذ مقررات "سيدر"، بيار دوكان، قد تحدث على نحو جديد ولافت، أثناء اجتماع مع الحكومة اللبنانية في 18 مايو الجاري، عن ارتباط بات عضوياً بين مقررات المؤتمر ونتائج مفاوضات الحكومة اللبنانية مع صندوق النقد ‏الدولي.

ولم تعد ظاهرة التهريب تقتصر، كما في العقود السابقة، على تهريب السلع المستوردة إلى لبنان نحو سوريا (بما قد يعتبر مورداً إضافياً غير شرعي من العملات الأجنبية للبنان)، بل باتت في السنوات الأخيرة تتركز على تهريب السلع المدعومة من الدولة اللبنانية (لاسيما الطحين والمازوت)، كما تهريب الدولار المتوفر في لبنان باتجاه سوريا وإيران.

وتشير مواقف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلى أن انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار سببه عمليات "نهب" الدولار لصالح التهريب الحدودي، كما أن إحجام المصرف عن ضخ الدولار في السوق مَردُّه، بحسب ما أعلن الحاكم، الخوف من تجفيف أية وفورات دولارية جديدة وسحبها باتجاه الخارج (سوريا). وتُشكّل فضيحة تهريب المازوت والمشتقات النفطية التي يدعمها مصرف لبنان اليوم من خلال تأمين استيرادها بالسعر الرسمي للدولار (1507) واحدة من الأسباب الأساسية لاستنزاف احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية خلال سنوات وشحّ الدولار في الأسواق اللبنانية خلال الأشهر الماضية، وهو ما تحدّث عنه بشكل رسمي حاكم مصرف لبنان رياض سلامة منذ أسابيع بقوله "هناك 4 مليارات دولار استُنزفت من الاحتياطي الأجنبي لتمويل استيراد لا يحتاجه السوق اللبناني"، في إشارة إلى عمليات التهريب للمواد النفطية المدعومة من مصرف لبنان.

وتُقدَّر المبالغ التي استنزفها التهريب أو الاستيراد لصالح الأسواق السورية من خلال الأسواق اللبنانية خلال السنوات الخمس الماضية بما يزيد على العشرين مليار دولار، وهو الفارق بين احتياطات مصرف لبنان قبل خمس سنوات (أكثر من أربعين مليار دولار) وما هو عليه اليوم (حوالي عشرين مليار دولار).

وتتهم مصادر إعلامية النائب في مجلس النواب اللبناني جميل السيد، المقرب من دمشق، بممارسة ضغوط على رئيس الحكومة اللبنانية المقرَّب منه، حسان دياب، للضغط على سلامة لتوفير الدولار، وأن هذه الضغوط قد تكون في جانب منها أحد مصادر التوتر الذي سُجِّل مؤخراً بين رئيس الحكومة وحاكم المصرف المركزي. وكانت الأجهزة الأمنية اللبنانية قامت بحملة أدت إلى توقيف العديد من الصرّافين والعاملين على خط الدولار وتصديره إلى سوريا، وبعضهم من الجنسية السورية أيضاً، الذين أقروا بتحويل الدولارات إلى سوريا. ويُعتقد أن سبب هذه الضغوط المستجدة هي استباق لدخول "قانون قيصر" حيز التنفيذ خلال أسبوعين (يونيو 2020). ويفرض القانون الأمريكي الذي أقره الكونغرس في ديسمبر الماضي (2019) عقوبات قاسية على النظام السوري وأية جهة متعاونة معه في العالم.

مسألة ضبط الحدود اللبنانية مع سوريا وتعقيداتها

إن مسألة ضبط الحدود اللبنانية السورية ليست جديدة ولطالما وضعت داخل الأولويات الداخلية والخارجية، وكثيراً ما أُطلِقت دعوات لتدويل هذه الحدود ونشر قوات أممية على منوال ما هو حاصل على الحدود اللبنانية الإسرائيلية في جنوب البلاد. وقد قامت بريطانيا من خلال اتفاق تعاون مع بيروت في السنوات السابقة ببناء أبراج متخصصة يفترض أن مهمتها مراقبة هذه الحدود.

ومنذ عام 2012، تقدم بريطانيا برنامجاً "لتدريب وتجهيز وتوجيه" أفواج الحدود البرية الأربعة للجيش اللبناني ولتقديم التدريب على العمليات في المناطق المأهولة في قاعدتي حامات ورياق الجوية. وتقوم هذه الأفواج بمراقبة أنشطة العناصر المسلحة غير الشرعية في المناطق الحدودية، وتحديدها وردعها ومنعها، مما يضع الحدود اللبنانية تحت سلطة الدولة. ويهدف التعاون مع بريطانيا إلى السماح للجيش اللبناني بالسيطرة الكاملة على حدوده مع سوريا، وهذا يعني أن الحدود ستكون تحت إشراف متزايد، مما يسمح للجيش اللبناني باكتشاف وردع وطرد النشاط غير المشروع عبر الحدود.

غير أن أمر معالجة الخلل الحدودي ليس شأناً تقنياً يمكن ضبطه من خلال الجيش وقوى الأمن والجمارك كما في سائر دول العالم، بل هو شأن سياسي بامتياز لطالما كان حساساً بين بيروت ودمشق منذ الاستقلال، حتى أن سوريا عملت على عدم الانخراط في عملية نهائية لترسيم الحدود، بحيث بقيت تلك الحدود متداخلة لا اتفاق على خرائطها بين البلدين.

والأمر سياسي أيضاً في طبيعة العلاقة التي أرادتها دمشق مع لبنان من حيث الترويج الأيديولوجي بأن لبنان جزء من سوريا وبالتالي لا ضرورة لحدود داخل "البلد الواحد". حتى أن سوريا لم تتبادل السفارات مع لبنان إلا في مرحلة حديثة (2008) جاءت بحكم الضغوط العربية والدولية الاستثنائية على دمشق بعد اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري عام 2005.

على أن أمر الحدود مع سوريا بات يرتبط بخطط إيران لشق ممر من طهران يصلها بالبحر المتوسط عبر العراق وسوريا وصولاً إلى لبنان. وكانت تقارير غربية أثارت هذا الأمر خلال السنوات الأخيرة، فيما كشف رئيس أركان الجيش الأردني محمود فريحات عام 2017 عن استراتيجية تعمل عليها إيران لتحقيق هذا الغرض. وعملت الولايات المتحدة وإسرائيل على تقويض هذه الخطة من خلال ممارسة ضغوط عسكرية لمنع إيران من التحكم بالمنافذ الحدودية العراقية السورية. وقد تحدث "المرصد السوري لحقوق الإنسان" في الأسابيع الأخيرة عن وجود تفاهمات أمريكية روسية إسرائيلية لإزاحة الوجود الإيراني عن مناطق شرق سوريا على الحدود مع العراق ضمن خطة لوقف التواصل البري الذي تريده إيران من حدودها صوب شواطئ البحر المتوسط في لبنان.

وربما يأتي هذا التنسيق في سياق الاجتماع الأمني الثلاثي الشهير بين إسرائيل والولايات المتحدة وروسيا، والذي عقد في يونيو من عام 2019 لترتيب التنسيق بخصوص سوريا. وترأس الاجتماع في القدس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بحضور مستشار الأمن القومي الإسرائيلي مائير بن شبات، ومستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون، ونظيره الروسي نيكولاي باتروشيف. وواضح في هذا الصدد أن مسألة السيطرة على الحدود اللبنانية السورية من قبل الدولة اللبنانية هي هدف يصب في المصالح الاستراتيجية لإسرائيل والولايات المتحدة اللتين تعملان على وقف التمدد الإيراني من خلال أذرعته بما يهدد أمن إسرائيل مباشرة من خلال الجبهات الشمالية في لبنان وسوريا.

التشابكات الدولية لملف الحدود اللبنانية

تثير وسائل الإعلام اللبنانية أن المداولات الجارية بين الحكومة اللبنانية الحالية وصندوق النقد الدولي قد يصل إلى اشتراط ضبط ومراقبة المعابر، بما يعني اتخاذ تدابير قد تطلب مراقبة دولية للمطار والمرافئ كما للحدود اللبنانية السورية. وتترافق هذه الأجواء مع أخرى في نيويورك تتحدث عن سعي غربي تقوده الولايات المتحدة وسيثيره الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في جلسة التجديد لقوات اليونيفل (أغسطس المقبل) لتطوير مهام قوات الأمم المتحدة المنتشرة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، من بينها الانتشار على الحدود اللبنانية شرقاً وشمالاً. ونقلت الصحافة اللبنانية هذه المعلومات عن أجواء ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيتش.

وبغض النظر عن نجاح هذه المساعي بالنظر إلى احتمال الاعتراض الصيني الروسي، إلا أن الأمر يوفر مناخات ضاغطة وجدية تفرج عن السيناريوهات المحتملة لمقاربة الشأنين اللبناني والسوري من ضمن أية تسوية تعمل عليها روسيا وتسعى لتسويقها لدى المجتمع الدولي لإنهاء الحرب في سوريا. وتبدو تلك المناخات متقدمة إلى درجة تقلق حزب الله في لبنان وتدفع أمينه العام، السيد حسن نصر الله، إلى رفض فكرة تدويل الحدود مع سوريا رغم قبوله قبل ذلك (إثر حرب عام 2006) بتدويل الحدود مع إسرائيل.

ويعتبر حزب الله أن مراقبة هذه الحدود دولياً يَحرِم الحزب من خطوطه اللوجيستية التي تصله بإيران، والتي لطالما وفرت له خلال العقود الأخيرة موارد تسليحية ومالية، وأن أمرا كهذا قد يسبب نشوب حرب.  وكان رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله هاشم صفي الدين، قد أعلن في 20 مايو الجاري أن الأصوات التي تطالب بنشر قوات دولية على الحدود السورية اللبنانية "ليست بحجم تحقيقه، ولو كانوا قادرين على ذلك لفرضوه إبان حرب تموز (يوليو) عام 2006". وحذر من مغبة التفكير في نشر قوات دولية على الحدود، وقال "نعلم أن هذا الأمر دونه ما دونه"، في إشارة إلى احتمال نشوب حرب لمنع ذلك، مُشيراً إلى أنه "بعد 2006 هناك من تحدث في لبنان عن نشر قوات دولية عند الحدود مع سوريا وكان في مواقع سياسية (...)"، وأن "البعض كان يعمل على إيجاد غرفة عمليات مشتركة مع الأمريكيين لضبط الحركة بين لبنان سوريا وفشل".

ولوحظ أن لهجة رفض قيادة حزب الله لتدويل الحدود اللبنانية السورية كانت هادئة، وقد تعود إلى حجم الضغوط التي تمارس عليها خارجياً وداخلياً، مُقترحةً أن يكون الحل من خلال التنسيق المكثف بين الحكومتين اللبنانية والسورية والتعاون سوياً لمنع ظاهرة التهريب والتحكم بالحدود.

إشكاليات داخلية وخارجية

ويطرح أمر العلاقة بين بيروت ودمشق إشكالية سياسية ينقسم بشأنها اللبنانيون. فإضافة إلى الموقف المعارض لدمشق الذي تتخذه التيارات السياسية التي كانت منضوية داخل "تحالف 14 آذار" مقابل الموقف المؤيد لحزب الله والقوى المتحالفة معه، فإن لبنان يخشى من القيام بعلاقات متقدمة مع النظام في سوريا على نحو يتعارض مع موقف المجتمع الدولي (لاسيما الدول والمؤسسات المانحة) الذي ما زال يضع فيتو على أي تطبيع مع دمشق قبل الولوج بعملية سياسية توافق عليها الأمم المتحدة، ما يضع بيروت في موقف محرج ومعزول.

وليس يسيراً السيطرة على الحدود اللبنانية السورية من قبل الدولة اللبنانية إلا في حال قويت تلك الدولة وحصل إجماع داخلي على حصرية إمساكها بالسلاح والأمن والسيادة في لبنان، وهو أمر ما زال بعيد المنال في الجدل اللبناني الداخلي. كما أن الضغوط التي تمارسها القوى الغربية، والولايات المتحدة بصفة خاصة، لا يمكنها أن تحقق هذا الهدف دون التوصل إلى تسوية إقليمية شاملة تشمل العراق وسوريا تتحدد داخلها مساحة النفوذ الإيراني. ولم يحصل تدويل للحدود اللبنانية مع إسرائيل ولم يوافق حزب الله على إرسال الجيش اللبناني إلى هذه الحدود ونشر القوات الأممية هناك وفق القرار الصادر عن مجلس الأمن رقم 1701، إلا بعد تَعرُّض لبنان إلى حرب مدمرة في يوليو 2006. وفي غياب أية خطط إسرائيلية أو دولية للانتقال إلى منطق الحرب فمن المستبعد أن يفرض المجتمع الدولي على لبنان نشر قوات أممية على حدوده الشرقية مع سوريا.

أحدث الإيجازات