تجددت في شهر مايو 2020 المواجهات بين الصين والهند في مناطق مختلفة على "خط السيطرة الفعلية" The Line of Actual Control الذي يحدد الحدود الصينية الهندية بشكل غير رسمي (بطول 3448 كيلو متر)، خاصة في منطقتي لاداخ Ladakh (5-6 مايو)، وسيكيم Sikkim بمنطقة ناكو لا Naku La (10 مايو).

وليست هذه المرة الأولى التي تحدث فيها مواجهات بين الجانبين، إذ تعد جزءاً من نزاع حدودي تاريخي بين الجانبين لم تتم تسويته حتى الآن حول عشرات المناطق عبر خط السيطرة، تتركز في مناطق لاداخ Ladakh، وهيماشال براديش Himachal Pradesh، وأوتاراخاند Uttarakhand، وسيكيم Sikkim، وأروناتشال براديش Arunachal Pradesh. ويحدث الصدام بسبب وجود خلافات بين الجانبين حول حقوق السيادة في هذه المواقع. ورغم أنه تم الاتفاق حول خط الحدود في بعض هذه المواقع (خاصة في منطقة الوسط على خط السيطرة)، لكن لم يتم تحديد هذه الحدود بشكل رسمي. وقد عُقِدَت حتى ديسمبر 2019 أكثر من عشرين جولة مفاوضات، لكنها ما نجحت في وضع نهاية للنزاع.

وتفاوتت أسباب هذه المواجهات تاريخياً بين قيام قوات أحد طرفي النزاع بالدخول إلى إحدى هذه المناطق المتنازع عليها، أو سعيه إلى تنفيذ بنية أساسية داخل هذه المناطق، بشكل يدفع الطرف الآخر إلى التدخل لوقف تنفيذها. ورغم أن هذه المواجهات اتسمت بالاستخدام المحدود للعنف، إلا أن هذا لا ينفي أهمية هذا النزاع وخطورته، وإمكانية تحوله إلى صدام عسكري ضخم، على نحو ما حدث في عام 1962، خاصة مع تقدم القدرات العسكرية لطرفي النزاع، من ناحية، والتطورات الاستراتيجية في منطقتي المحيط الهادئ والهندي، الأمر الذي يفرض الحاجة إلى فهم هذا النزاع ووضعه في سياقه العام الأكبر.  

مداخل ثلاثة لتفسير تجدُّد النزاع الحدودي

هناك مداخل عدة لتفسير تجدُّد النزاع بين الصين والهند، من أهمها المداخل التفسيرية الثلاثة الآتية:

المدخل الأول، النظر إلى الأزمة الراهنة على أنها مجرد فصل من فصول متكررة، ولا تحمل أية دلالات محددة فيما يتعلق بتوقيت حدوثها. ويستند هذا التحليل إلى أن النزاع الحدودي بين البلدين هو نزاع تاريخي يعود إلى ما يقرب من سبعة عقود، كان سببا في حرب مباشرة في عام 1962. ورغم توصل الطرفين إلى اتفاق ثنائي في عام 1993 (Agreement on the Maintenance of Peace and Tranquility)، إلا أنه لم يتضمن تسوية نهائية للنزاع أو ترسيماً رسمياً للحدود، بقدر ما تضمن تجميداً لهذا النزاع من خلال تأكيد التزام الطرفين "بالمشاورات السلمية والودية" لحل النزاع، والتخلي عن التهديد باستخدام القوة. كما التزم الطرفان بموجب الاتفاق باحترام خط السيطرة لحين تسوية النزاع نهائيا، وبحل أي مشكلات أو أزمات قد تنشأ عبر هذا الخط من خلال الحوار المباشر بين الجانبين.

المدخل الثاني، يتعلق بالمقولة التقليدية حول العلاقة بين الأزمات الداخلية واللجوء إلى إحياء أو افتعال المشكلات الخارجية بهدف تخفيف الضغط على الأنظمة الداخلية أو لفت الانتباه بعيداً عن المشكلات الداخلية. ووفقاً لهذه المقولة، ذهب بعض التحليلات إلى أن النظامين الصيني والهندي اتجها إلى إحياء هذا النزاع في هذا التوقيت بهدف تخفيف الضغوط الداخلية عليهما بسبب أزمة كورونا المستجد وما تبعها من تحديات داخلية.

لكن هذا التفسير يفتقد إلى الدقة. فمن ناحية، نجحت الصين إلى حد كبير في تجاوز أزمة كورونا، بعد سيطرتها بشكل كامل تقريبا على معدلات الانتشار والإصابة والوفيات، وبدء استئناف الحياة الطبيعية، بما في ذلك في مركز ظهور الفيروس (مدينة ووهان). أضف إلى ذلك، وجود أزمة خارجية مهمة يواجهها النظام الصيني مع الولايات المتحدة، بسبب الفرضية الأمريكية حول الطبيعة المخلقة لفيروس كورونا، والتوظيف الأمريكي لقضيتي هونغ كونغ وأقلية الإيغور الصينية المسلمة، الأمر الذي ينفي حاجة النظام الصيني إلى افتعال أو إحياء أزمة خارجية لتخفيف الضغوط الداخلية الواقعة عليه. ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للنظام الهندي؛ فرغم أن الهند تأتي في الترتيب التاسع عالمياً من حيث عدد الإصابات، وإجمالي حالات الوفاة، لكن يصعب القول بأن الأزمة الحدودية الراهنة هي جزء من محاولة للتخفيف من ضغوط داخلية، لأسباب تتعلق بطبيعة جائحة كورونا نفسها بوصفها أزمة عالمية، ومن ثمّ فإنها لا تعكس فشلاً محدداً للنظام السياسي الهندي. أضف إلى ذلك، أن تهديد الجائحة بات يتطلب تعبئة جميع القدرات الداخلية المتاحة للدولة (الاقتصادية، والمالية، والصحية، والإعلامية، إلخ) جنباً إلى جنب مع القدرات العسكرية اللوجيستية، الأمر الذي تنتفي معه الحاجة إلى تشتيت قدرات الدولة أو النظام السياسي بافتعال أزمة خارجية.

رغم أن المواجهات الحدودية بين الصين والهند اتسمت بالاستخدام المحدود للعنف، إلا أن هذا لا ينفي أهمية هذا النزاع وخطورته، وإمكانية تحوله إلى صِدام عسكري ضخم

المدخل الثالث، يتصل بالسياق العام للأزمة الصينية-الأمريكية؛ فرغم عدم ارتباط الأزمة الحدودية الصينية-الهندية الراهنة بالأزمة الصينية-الأمريكية ارتباطاً مباشراً لكن لا هذا لا يعني عدم وجود علاقة بين الأزمتين، ليس فقط بالنظر إلى العلاقات الاستراتيجية الأمريكية-الهندية، والدور الذي تحتله الهند في إطار الاستراتيجية الأمريكية لاحتواء الصين، لكن بالنظر أيضاً إلى التحولات الاستراتيجية المهمة التي تشهدها منطقة المحيطين الهادئ والهندي، واتجاه الهند -بالتنسيق مع كل من الولايات المتحدة واليابان وأستراليا - إلى التعامل مع هذه المنطقة باعتبارها وحدة استراتيجية واحدة ومسرح لاحتواء ومواجهة السياسات الصينية في هذه المنطقة الممتدة من السواحل الشرقية للمحيط الهادئ إلى السواحل الغربية للمحيط الهندي.

ووفقاً لهذا المدخل، يمكن فهم الأزمة الحدودية الراهنة في أكثر من اتجاه. فمن ناحية، هي رسالة صينية مقصودة وموجهة للولايات المتحدة بأنه في مواجهة التوظيف الأمريكي لأوراق عديدة - داخلية وإقليمية وعالمية- ضد الصين، فإن الأخيرة لن تتردد في استهداف حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. وهي رسالة موجهة للهند أيضاً، مفادها أن التحالف الهندي مع الولايات المتحدة، وتوسيع الدور الأمني للهند على حساب المصالح الصينية في منطقة المحيط الهادئ-الهندي بشكل عام، وداخل منطقة المحيط الهادئ، وبالقرب من المضايق البحرية، بشكل خاص، لن يمر دون تكلفة. وتمثل ورقة النزاع الحدودي بين البلدين ورقة ذات مغزى بالنظر إلى وجود خبرة صراعية طويلة بين البلدين حول هذه القضية. ومن ثمَّ، فإن التلويح بهذه الورقة يمثل ورقة ردع مهمة.

بجانب هذه الرسائل المهمة، هناك قلق هندي وصيني متبادل بشأن مشروعات البنية الأساسية التي يقوم بها كل طرف، سواء في مناطق النزاع المباشرة أو مناطق أخرى ذات صلة، والتي يمكن أن تغير من مسار الصراعات القائمة. من ناحية، هناك قلق هندي كبير من "الممر الاقتصادي الصين-باكستان"، والذي يتضمن عدداً من المكونات المهمة، خاصة أن بعض مكونات هذا الممر تتضمن بعض الأجزاء الواقعة تحت السيطرة الباكستانية من إقليم كشمير المتنازع عليه بين الهند وباكستان (منطقة جلجيت-بالتستان). ولا شك أن نجاح هذا الممر الاقتصادي في تعميق ربط هذه المناطق بالاقتصاد الباكستاني وبباقي الأقاليم الباكستانية، والاقتصاد الصيني، من شأنه أن يخلق واقعاً سياسياً وجيو-اقتصادياً يعزز من الموقف الباكستاني في الصراع حول إقليم كشمير، وخلق مصلحة لدى سكان هذه المناطق في الارتباط بالدولة الباكستانية. ويفسر ذلك إصرار الهند على تضمين وثيقة تأسيس "البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية" تحفظاً مفاده "أن تمويل المشروعات في المناطق المتنازع عليها يتطلب موافقة طرفي النزاع" (انضمت الهند إلى البنك في 11 يناير 2016). أضف إلى ذلك، المحاولات الصينية لربط بعض مناطق النزاع عبر خط السيطرة بالبنية الأساسية الصينية، على نحو ما حصل في أزمة منتصف عام 2017، عندما حاول الجيش الصيني شق طريق داخل منطقة "دوكلام" المتنازع عليها مع الهند.

وفي المقابل، هناك قلق صيني من النشاط الهندي عبر طول خط السيطرة الفاصل بين البلدين، في مجال بناء الطرق ومهابط الطائرات. ومن شأن التوسُّع الهندي في تطوير هذه البنية الأساسية بشكل عام، والعسكرية بشكل خاص، أن يعزز السيطرة الهندية على المناطق موضوع النزاع ويعمق ارتباطها بالبنية الأساسية الهندية. كما يعزز قدرة الهند على تعزيز قدرتها على التعبئة العسكرية في المناطق المتنازع عليها حال حدوث أي صدام. ويدعم هذا التحليل تأكيد قائد الجيش الهندي الجنرال م. كان نارافان M. M. Naravane في يناير الماضي سعي الهند إلى ما وصفه "إعادة التوازن" إلى نمط انتشارها واستراتيجيتها على طول الحدود الغربية والشمالية والشمالية الشرقية للتعامل مع أي تهديد قد ينشأ من باكستان أو الصين.

وفي ضوء هذه المعطيات، تصبح المناوشات العسكرية بين الطرفين في المناطق المتنازع عليها عبر خط السيطرة - حتى وإن كانت منخفضة الحدة وعلى فترات زمنية متباعدة نسبياً - أداة مهمة وأساسية لتأكيد حقوق السيادة في مواجهة الطرف الآخر.

مستقبل النزاع

سعت الصين والهند خلال العقود الأخيرة إلى تسوية العديد من نزاعاتهما الحدودية. فعلى سبيل المثال، قامت الصين بتسوية نزاعاتها الحدودية مع نيبال وميانمار وباكستان وأفغانستان. كما قامت الهند بتسوية معظم نزاعاتها الحدودية مع نيبال وبوتان. وفي عام 2015 قامت بتسوية نزاعها الحدودي مع بنجلادش. لكن رغم هذا التوجه، فإنه من غير المتوقع أن يشهد النزاع الحدودي بين الصين والهند تسوية تاريخية في الأفق المنظور. ويدعم هذا السيناريو عاملان رئيسان:

أولهما، يتصل بطبيعة التطورات الاستراتيجية الجارية في منطقتي المحيط الهادئ والهندي، واتجاه العلاقات الأمريكية-الصينية إلى مزيد من التأزم، الأمر الذي سيقود بدوره إلى مزيد من تعميق العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والهند، بشكل سينعكس بالتأكيد على مسار العلاقات الصينية-الهندية، وغلبة الطابع الصراعي عليها، خاصة في حالة امتداد الدور الأمني الهندي إلى منطقة بحر الصين الجنوبي والمضايق البحرية المرتبطة به، وتزايد احتمالات الاستقطاب، على خلفية تدشين حوار أمني رباعي بين الهند والولايات المتحدة واليابان وأستراليا، الأمر الذي قد يُدشِّن سباق تسلح في المنطقة. ومثل هذا السياق لا يدعم تسوية هذا النزاع بين الجانبين، بل قد يصبح أحد المجالات والمحفزات الأساسية للصراع.

ويتعلق العامل الثاني بطبيعة المراحل التنموية التي تمر بها كل من الصين والهند. فكلا البلدان يمران بمرحلة من الصعود الاقتصادي والعسكري. وخلال هذه المراحل الانتقالية تزداد توقعات كل طرف حول قوته الشاملة مستقبلاً، الأمر الذي يدفعه إلى تأجيل حسم هذا النوع من النزاعات لحين تغيُّر موازين القوى لصالحه، ورفض القبول بأية تسوية في هذه المرحلة تنطوي على تقديم بعض التنازلات.

ورغم عرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الأزمة الأخيرة التدخل لمساعدة طرفي النزاع على تسوية النزاع، لكن من غير المتوقع قبول الصين هذا العرض الأمريكي لأسباب عدة، أهمها أزمة الثقة الصينية-الأمريكية القائمة، فضلاً عن طبيعة العلاقات الاستراتيجية الأمريكية-الهندية، الأمر الذي يثير شكوكاً صينية حول حيادية الدور الأمريكي في أي وساطة بين طرفي النزاع. لكن العامل الأهم يتعلق بموقف الصين التاريخي في إدارة نزاعاتها الحدودية الخارجية، حيث تتمسك بآلية التسوية عبر المفاوضات الثنائية المباشرة بين طرفي النزاع ورفض أية شكل للتدويل أو الوساطة، ويمثل النزاع في بحر الصين الجنوبي مثالاً مهماً في هذا الإطار.

أحدث الإيجازات