بعد توقيع اتفاق السلام بين حركة "طالبان" الأفغانية والولايات المتحدة في 29 فبراير الماضي، توقع معظم المراقبين انحسار العنف في البلاد وتشكيل أرضية للمفاوضات بين الأفغان، حيث حُدد يوم 10 مارس الماضي موعداً لانطلاق المرحلة الثانية من المصالحة، وهي الحوار الأفغاني-الأفغاني، تمهيداً لإنهاء الحرب وعدم الاستقرار في البلاد المستمر منذ نحو أربعة عقود، لكن حتى الآن لم يحدث تقدم ملموس في مسار عملية المصالحة بين الأطراف الأفغانية، لاسيما عملية الحوار بين حكومة الرئيس أشرف غني وحركة طالبان بشأن القضايا محل التفاوض، وتحديداً ملفي تبادل الأسري ووقف العنف، بل على العكس ظهرت خلال الفترة القليلة الماضية تعقيدات عدة أمام عملية المصالحة بين الفرقاء الأفغان.

1. تعثُّر إطلاق معتقلي حركة طالبان

لعل أبرز التعقيدات التي باتت تعرقل المصالحة الأفغانية، الخلاف حول إطلاق معتقلي حركة "طالبان"، وكان القصد من إطلاق سراح ما يصل إلى 5000 سجين من طالبان تحتجزهم الحكومة و1000 من السجناء الحكوميين الذين تحتجزهم حركة طالبان هو بناء الثقة بين الجانبين. لكن ما حدث تطور كبير في هذه القضية بسبب رفض الحكومة الإفراج عن باقي عناصر الحركة إلا تدريجياً، وبعد خَفْض "طالبان" وتيرة العنف، مع تقديم ضمانات بعدم عودة هؤلاء إلى ميادين القتال. وحتى أواخر مايو الماضي، أطلقت الحكومة الأفغانية سراح ما يقرب من 2000 سجين من بين 5000 سجين من طالبان، بينما أفرجت طالبان عن أكثر من 250 من سجناء الحكومة الأفغانية.

ويتهم البعض الرئيس غني بأنه يهدف من وراء تأجيل عملية إطلاق سراح الأسرى، إلى تثبيت بقائه في الحكم، وهو لا يرغب أصلاً في بدء الحوار المباشر مع "طالبان". وبرأي هؤلاء، فإن مسألة رفض الرئيس تتعلق بفرضية أنه لدى وصول الأطراف الأفغانية إلى الحلّ الشامل، لن يعود بإمكان حكومته الاستمرار، وهو أمر وارد بلا شك.

2. تزايد هجمات طالبان ضد القوات الحكومية

 في حين يبدو أن "طالبان" احترمت موافقتها على عدم مهاجمة القوات الأمريكية وقوات التحالف، فقد واصلت الهجمات على قوات الأمن الأفغانية. ورفضت الحركة طلب الحكومة الأفغانية وقف إطلاق النار خلال شهر رمضان الماضي، مُكثّفةً في المقابل من عملياتها ضد القوات الأفغانية في الأيام الأخيرة (نفَّذت الحركة أكثر من 3800 هجوم منذ فبراير الماضي) بحجة أن وقف إطلاق النار مع الحكومة لا يدخل في سياق اتفاقها مع واشنطن.

وأوضح القادة الميدانيون من "طالبان" أنهم احترموا قرار وقف النار فقط من أجل منح القوات الأمريكية ممراً آمناً للانسحاب ومغادرة البلاد، ولكن ليس هناك تحفُّظاً بشأن مواصلة شن الهجمات ضد القوات الحكومية الأفغانية، وذلك لإجبارها على مراجعة قرارها بشأن وقف الإفراج عن الأسرى، وهو ما برز في أدبيات الحركة، تحديداً من خلال استخدام عبارة "إزالة العراقيل الموجودة في وجه تأسيس النظام الإسلامي"، بينما في السابق كانت تستخدم عبارة "القضاء على الاحتلال".

وفي المقابل، أمر الرئيس أشرف غني بعد ذلك قوات الأمن الأفغانية باستئناف العمليات الهجومية ضد طالبان. وصرح مستشار الأمن القومي الأفغاني، حمد الله محب، بأنه "لا فائدة من الاستمرار في إشراك [طالبان] في محادثات السلام".

3. رفض طالبان هيئة التفاوض الحكومية

ساهم غياب الحكومة الأفغانية عن المفاوضات بين "طالبان" وواشنطن، في إضعاف موقف كابول أمام طالبان، إذ أعلنت هذه الأخيرة عدم الاعتراف بالحكومة الأفغانية بوصفها جهة تفاوض وحيدة، بل هي تعتبرها مكوناً من جهة تفاوض تشمل جميع الأطياف السياسية الموجودة في البلاد. ولهذا السبب، اعترضت الحركة على الهيئة التي سمتها الحكومة للحوار معها، واصفة إياها بغير الشاملة. وأعلنت "طالبان"، في 28 مارس الماضي، أنها لن تتفاوض مع هذه الهيئة "لأنها لم تشكل بطريقة تشمل جميع أطياف الشعب الأفغاني".

وترى حركة طالبان أنها استطاعت أن تكسر شوكة أمريكا وحلفائها في ميدان الحرب، ومن هنا لا ترضى أن تكون هي الشريك الأضعف في الحكومة المقبلة، بل تريد أن تكون بديلاً للنظام الحالي، وإن لم يكن ذلك ممكنًا فيجب أن يكون لها نصيب الأسد في التشكيلة المقبلة. وتراهن طالبان على النموذج الفيتنامي الذي كان يُفاوض الأمريكيين في باريس بينما المعارك مستمرة في فيتنام إلى حين صدور قرار سحب القوات الأمريكية والتخلي عن حلفائها في فيتنام الجنوبية.

4. نشاط الجماعات المسلحة الأخرى

ومن بين الأمور المنذرة باستمرار دوامة الحرب في أفغانستان، حتى ما بعد الاتفاق الأمريكي مع "طالبان"، وجود الجماعات المسلحة الأخرى، مثل "القاعدة" و"داعش". وبحسب السلطات الأفغانية فإن هناك أكثر من 20 جماعة نشطة في أفغانستان تحت مظلة "طالبان"، ويُنذر هذا الأمر باستمرار الحرب، لاسيما أن للجماعتين وجوداً ونفوذاً، و"طالبان" تعهّدت بعدم السماح للتنظيمات المسلحة باستخدام الأراضي الأفغانية، في إشارة إلى حتمية المواجهة العسكرية. مع العلم أن العداء موجود منذ بروز "داعش" في أفغانستان، وخوض الحركة معارك معه في الشرق وفي بعض مناطق الجنوب والشمال.

5. تناقضات وتدخلات القوى الإقليمية والدولية

تمتلك القوى الدولية مصالح سياسية واقتصادية وأمنية تلتقي أحياناً وتتعارض أحايين أخري في أفغانستان، لاسيما روسيا والصين والولايات المتحدة، وفي هذا الجو المعقد يصعب الحوار والوصول إلى المصالحة. كما أن للدول المجاورة مثل إيران وباكستان والهند مصالحها أيضًا. ومعروف ما للهند وباكستان من نفوذ على الجهات الأفغانية، كما أن لكل منهما آليات ووسائل للتأثير على سير المصالحة في أفغانستان.

وهناك شعورٌ قويٌ بأن الهند هي الخاسر الرئيس في صفقة ترمب مع "طالبان". إذ تعزز هذه الصفقة من وضعي باكستان و"طالبان"، لاسيما أن طالبان أبدت تحفظات على موقف واشنطن المشجع للهند على الانخراط في الحوار الأفغاني، خاصة أن كلاً من غني وعبد الله يتفقان على تطوير العلاقات مع الهند وانخراطها في هذا الملف، فيما ترى طالبان أن الهند لها دور سلبي، إضافة إلى أنها تنظر إلى الطرح الأمريكي على أنه محاولة لتعبئة القوى المؤيدة للهند ضد طالبان.

الآفاق والتوقعات

يبدو واضحاً أن عملية تحقيق سلام شامل مع طالبان في أفغانستان صعبة للغاية، إذ لا تزال هناك خلافات حول مستقبل الدستور الأفغاني، بما في ذلك رغبة طالبان في أن تكون أفغانستان "إمارة إسلامية"، بدلاً من الجمهورية الإسلامية الحالية، فضلاً عن مدي التزام طالبان بمبادئ حقوق الإنسان، وحقوق المرأة والأقليات الدينية، علاوة على أن مسألة إدماج عناصر طالبان في الشرطة والجيش الأفغان الحاليين تتطلب مفاوضات طويلة ومكثفة.

كلّ تلك القضايا تطرح شكوكاً حول مستقبل عملية المصالحة بين طالبان وحكومة الرئيس أشرف غني، إذ يخشى الأفغان من أن تصبح عملية السلام برمتها في مهب الريح، مما قد يؤدي إلى استمرار دوامة العنف، وثمة مخاوف من عودة الحرب الأهلية في ظل اصرار واشنطن على إخراج قواتها بشكل شبه كامل ونهائي. لكن احتمال عودة الجميع إلى لغة الحوار يبقى خياراً قائماً ومحتملاً أيضاً؛ فالحرب الأفغانية لا تزال مستمرة، ويدرك الجميع صعوبة تحقيق النصر فيها، لاسيما في ظل استمرار تلك القضايا الشائكة داخلياً، واستمرار تناقض وتقاطع الاستراتيجيات الإقليمية والدولية بخصوص مستقبل أفغانستان.  

أحدث الإيجازات