يكتسب التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة ومنافسيها من القوى العظمى، وبصفة خاصة الصين وروسيا، بُعداً جديداً ومُتسارعاً؛ وهو السباق على إنتاج لقاح فيروس كورونا. وبدأت موسكو وبيجين في طرح لقاحات فيروس كورونا على نطاق واسع قبل اكتمال الاختبارات السريرية. ويُمثّل هذا الوضع تحدياً استراتيجياً مُعقداً لواشنطن. وتلقّى مئات الآلاف من الأشخاص في الصين، بمن فيهم الدبلوماسيون والجيش والعاملون في مجال الصحة في الخطوط الأمامية وموظفو الشركات المملوكة للدولة، لقاحات شركة "سينوفارم" الصينية بموجب شروط الاستخدام العاجل. ولكن حتى في الوقت الذي تنتظر فيه بقية البلاد الحصول على اللقاحات، بدأت بيجين في نشرها في الخارج في المناطق التي تسعى فيها لتوسيع نفوذها، فقد أعلنت شركة "سينوفارم" في سبتمبر الفائت أنها ستُوفّر جرعات طارئة من أحد لقاحيها التجريبيين إلى دولة الإمارات.

تُعدّ هذه الخطوة مُهمّة لأنها تجعل الصين الآن المورّد الوحيد للقاح فيروس كورونا إلى الشرق الأوسط. وبالإضافة الى التعاون الإماراتي، تجري شركة سينوفارم أيضاً تجارب المرحلة الثالثة من اللقاح في الأردن والبحرين. كما أعلنت مصر أنها ستبدأ تجاربها مع شركة سينوفارم، بعد ثلاثة أيام من إيقاف شركة الأدوية البريطانية السويدية "أسترازينيكا" مؤقتاً تجاربها السريرية بسبب ظهور "مرض غير مُبّرر مُحتمل". واستؤنفت التجارب منذ ذلك الحين، وإن لم يكن في الولايات المتحدة. وقد وقّعت مصر اتفاقاً مع شركة سترازينيكا في يوليو لشراء 30 مليون جرعة من لقاحها. في غضون ذلك، وقّع صندوق الثروة السيادية الروسي صفقة في سبتمبر الماضي لتزويد الهند بـ 100 مليون جرعة من لقاح "سبوتنيك V"".

اللقاح بوصفه أداة تفوق دبلوماسي

أدّت هذه التحرّكات إلى عدم اتزان لدى صانعي السياسة الغربيين لأنه يبدو أنه لا الصين ولا روسيا تنتظر نتائج تجارب المرحلة الثالثة. ويقول الأطباء إن ثمة خطراً لحدوث آثار جانبية نادرة ولكنها خطيرة لا تظهر في التجارب الصغيرة، وهذا هو السبب خلف إجراء تجارب المرحلة الثالثة واسعة النطاق عادةً لعدة شهور قبل الموافقة على بيع اللقاح. ويُمكن أن تظهر مُشكلات مرتبطة بالسلامة أيضاً بسبب التصنيع المُتسرّع. ويقول خبراء الرعاية الصحية الأمريكيون إن على الولايات المتحدة ألَّا تستعجل طرح لقاح خاص بها رداً على ذلك، لكن هذا يجعل الصين وروسيا الدولتين الوحيدتين اللتين تستخدمان هذه الأداة الدبلوماسية القيّمة لأشهر مُقبلة. وبحلول العام المقبل، ربما تكون الصين وروسيا قد حقّقتا قوة جيوسياسية كبيرة من خلال الإسراع في نشر لقاحيهما. وقد ضغط الرئيس ترمب من أجل إطلاق أسرع للقاح أمريكي، في حين قاومت شركات الأدوية الأمريكية فكرة سلوك طُرق مختصرة بشأن بروتوكولات السلامة الثابتة.

تُجادل السلطات الروسية ورئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي، الذي يُموّل جهود تطوير اللقاح الروسي، بأنه تم التحقّق من صحة قرارهم الخاص بإطلاق لقاح "سبوتنيك V""، قبل الانتهاء من تجارب المرحلة الثالثة من قبل دول أخرى تفعل الشيء نفسه الآن. وقال كيريل ديميتريف: "كان الانتقاد هو أنه لا يُمكنك تسجيل لقاح قبل المرحلة الثالثة... لكن بعد ذلك، سجّلت الصين لقاحاً، وسجّلت الإمارات لقاحاً، وقالت كلٌّ من بريطانيا والولايات المتحدة علناً إنهما تُفكران في تسجيل لقاح قبل المرحلة الثالثة؛ لذا، تلاشى هذا الجزء من الانتقاد." وقال مسؤولون في موسكو في سبتمبر الماضي إنه تم توزيع الجرعات الأولية من لقاح "سبوتنيك V"" على جميع مناطق روسيا، وكان العاملون في مجال الرعاية الصحية والمُعلّمون هم أوّل من حصل على هذا اللقاح. وقد وافقت الهند والبرازيل والمكسيك وكازاخستان على شراء اللقاح الروسي.

تبدو المجازفة بهذا الخصوص كبيرة بالنسبة للصين وروسيا، وبخاصة إذا بدأ رهان الصين يؤتي ثماره، أي إذا ثَبُتَ أن لقاحاتها آمنة وفاعلة. فقد يُعزّز ذلك ريادتها على الغرب في الانتعاش الاقتصادي في عام 2021، مع استخدامها اللقاح أيضاً كأداة دبلوماسية قوية. ومن ناحية أخرى، وحتى مع تسريع الصين وروسيا في توزيع اللقاح، لن تكون هناك جرعات كافية للجميع، ما يستلزم اتخاذ قرارات بشأن من له الأولوية في الحصول على اللقاح. وبحسب تقديرات الدولتين، فإن لديهما القدرة على إنتاج لقاح كافٍ في السنة الأولى لجزء صغير من سكان البلدين.

وأفاد تشو سونغ، المدير التنفيذي لشركة سينوفارم، أن الشركة تتوقّع أن تُنتج بشكل أولي ما مقداره 300 مليون جرعة سنوياً. وبتخصيص جرعتين لكل شخص، سيُغطّي ذلك عُشر سكان الصين. وقال إن اللقاحات ستكون مُتاحة على نطاق أوسع في شهر ديسمبر المقبل. ولدى الصين حالياً ما مجموعه أربعة لقاحات مُرشّحة لاختبارات المرحلة الثالثة، وانتشرت الشركات المُصنّعة لها في جميع أنحاء العالم لإجراء التجارب. وأوضح مسؤولون كبار أن الصين لديها عدد قليل جداً من حالات الإصابة بفيروس كورونا بحيث يصعب إجراء التجارب في الداخل. لكن هذه الاختبارات الخارجية كانت أيضاً وسيلة دبلوماسية لبيجين، لأنها في الأساس عبارة عن تصريح وصول مُبكّر للّقاحات التي يُمكن أن توفّرها الصين للدول النامية. وتشمل البلدان التي وقّعت على إجراء تجارب المرحلة الثالثة للقاحات فيروس كورونا الصيني الأرجنتينَ والبحرين والبرازيل وبنغلاديش ومصر وإندونيسيا والأردن والمغرب وبيرو وروسيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

وتوقَّع صندوق الاستثمار المُباشر الروسي إنتاج 30 مليون جرعة في روسيا بحلول نهاية العام الجاري، وهو ما يكفي نحو 20% من السكان. ولكن في حين سيتم تخصيص جرعات لقاح "سبوتنيك V"" المُنتجة محلياً للروس، يُخطط صندوق الاستثمار لتصنيع كميّات أكبر من اللقاح للبيع في الخارج على الصعيد الدولي. وأفاد وزير الصحة الروسي، ميخائيل موراشكو، أنه من بين 40000 مُتطوّع تم الإعلان عنهم للمشاركة في تجارب المرحلة الثالثة للقاح، تم تطعيم أكثر من 300 لغاية الآن. وهذا الرقم لا يشمل العاملين في مجال الرعاية الصحية أو المُعلّمين الذين تطوّعوا لأخذ اللقاح، ولم يتّضح عدد الذين تلقّوا اللقاح فعلياً. وأضاف موراشكو أن اللقاح سيكون مُتاحاً على نطاق واسع لعامة الناس في أواخر نوفمبر أو ديسمبر. ويقول المسؤولون في بيجين وموسكو إن جميع المُتلقّين للقاحات كانوا مُتطوّعين وأن اللقاحات آمنة. وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن ابنته تلقّت لقاح "سبوتنيك V"". وفي الصين، قال الرئيس التنفيذي لشركة سينوفارم، تشو سونغ، لوسائل الإعلام الحكومية، إنه من بين مئات الآلاف من جرعات اللقاح التي تم إعطاؤها للمُتطوّعين، لم تُظهر حالة واحدة بينها أيّ من ردود الفعل السلبية الواضحة أو حالة إصابة واحدة بالمرض".

ورطة ترامب

في مقابل التحركات الصينية والروسية المتسارعة بشأن لقاح فيروس كورونا، بدا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أوقع نفسه في ورطة؛ فبعد تصريحه في منتصف سبتمبر الماضي بأن اللقاح الأمريكي سيتوافر "قريباً جداً"، لكنه ما لبث أن أكد بعدها بأيام قليلة، وتحديداً في 18 سبتمبر 2020، أن اللقاح لن يتوافر لكل مواطن أمريكي قبل حلول أبريل 2021. وقال ترامب إن مدير مراكز السيطرة والوقاية من الأمراض روبرت ردفيلد أخطأ في كلامه عندما قال إن من غير المرجح أن يحصل أفراد الشعب على اللقاح قبل الربع الثاني والثالث من عام 2021. وأضاف ترامب: "أعتقد أنه ارتكب خطأ بهذا التصريح. اعتقد أنه كان مشوش الذهن عندما قال ذلك. أنا أقول لكم بأننا على استعداد للبدء في استخدام اللقاح. سنتمكن بحلول نهاية العام الجاري من تصنيع ما لا يقل عن 100 مليون جرعة من اللقاح".

واصطدم ترامب وحلفاؤه بشكل متكرر مع المسؤولين في مجال الصحة العامة حول كيفية التعامل مع فيروس كورونا، حيث يصر ترامب عادةً على أن معرفته حول هذه القضايا أكثر من معرفة الخبراء مثل ردفيلد. وجاءت المفاجأة عندما ناقض ترامب نفسه حول الجدول الزمني للتوصل إلى لقاح لفيروس كورونا. وفي الوقت الذي قال فيه ترامب بأنه يتفق مع تقييم ردفيلد بأن اللقاح سيتوافر على نطاق واسع خلال الفترة أبريل-سبتمبر، غير أنه أشار خلال مؤتمر صحفي في البيت الأبيض إلى أنه يعتقد أيضاً بإمكانية توافر اللقاح قبل ذلك الموعد بكثير. لكنَّ ترامب عاد ليقول بكل هدوء إن "مئات الملايين من الجرعات ستتوافر كل شهر، ونتوقع توافر ما يكفي من اللقاحات لكل أمريكي بحلول أبريل".

وعندما ألَحَّ أحد الصحفيين على الرئيس ترامب حول الموعد الذي اقترحه والمتمثل بشهر أبريل عمد ترامب إلى تحويل السؤال إلى الدكتور سكَتْ أتلَس، المتخصص في مجال أشعة الأعصاب والذي يقدم النصيحة للرئيس حول فيروس كورونا ويدعم فكرة "مناعة القطيع"، حيث أعاد أتلَس التأكيد على الفكرة التي طرحها ترامب حول "تصنيع أكثر من 100 مليون جرعة" بحلول نهاية عام 2020. وتشتمل قائمة الأشخاص الذين سيحضون بأولوية الحصول على اللقاح الأشخاص الأكثر عرضة للخطر، بمن في ذلك العاملون في الخط الأول للاستجابة لحالات كورونا والذين سيتمكنون من الحصول على اللقاح خلال شهر يناير على أبعد تقدير. وأضاف أتلَس أن مئات الملايين من الجرعات ستتوافر للناس خلال الربع الأول من العام المقبل، مشيراً إلى أن كل مواطن أمريكي سيتمكن من الحصول على اللقاح إذا رغب في ذلك.

واستثمرت الحكومة الأمريكية مليارات الدولارات لتصنيع اللقاح قبل ثبوت أمانها وفاعليتها، واشترت بشكل مسبق مئات الملايين من الجرعات. وعلى سبيل المثال أعلنت شركة فايزر - التي توقع المسؤولون التنفيذيون فيها أنهم قد يمتلكون البيانات التي تدل على إذا ما كان اللقاح فاعل أم لا بحلول نهاية أكتوبر 2020 - أن 100 مليون جرعة من اللقاح ستتوافر بحلول نهاية العام. لكنَّ حقن الناس بهذه اللقاحات سيعتمد على البيانات التي تقنع الجهات الرقابية بأن اللقاح فاعل وآمن. كما اشترت الحكومة الأمريكية مُسبقاً 300 مليون جرعة من لقاح من صنع شركة أسترازينيكا، والتي ستقوم بتوفيرها بحلول شهر أكتوبر الجاري، غير أن التجارب السريرية للقاح متوقفة في الولايات المتحدة، في الوقت الذي تحقق لجنة مختصة بشأن الآثار السلبية المحتملة للتجارب التي أجرتها بريطانيا على اللقاح، الأمر الذي قد يؤخر عملية جمع البيانات التي تشترطها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية قبل منح الضوء الأخضر للقاح.

وعلى ضوء التناقض في تصريحات ترامب فإن قضية اللقاح لم تعد مرشحة لتكون على قائمة مفاجآت أكتوبر الانتخابية. ويبدو أن البيت الأبيض يتفق أخيراً مع فريق العلماء المختصين حول خطر الدفع باتجاه المواعيد النهائية السياسية من أجل التأثير في الرأي العام. وفي هذا السياق، يبدو أن الرئيس ترمب أدرك كافة المخاطر الطبية التي قد يحملها قرار متسرع للإعلان عن "نصر" سياسي في مجال التوصل إلى لقاح لفيروس كورونا.

استنتاجات

عكَس التنافسُ المحموم بين القوى العالمية الكبرى، وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا، حول إنتاج لقاح مضاد لفيروس كورونا المستجد، عمقَ إدراك قادة وحكومات هذه الدول أهمية قضية الإسراع في إنتاج لقاح ناجع ضد فيروس كورونا المستجد بوصفها أداة تفوق جيوسياسي ودبلوماسي وعلمي مهم، في خضم التنافس المستمر بينها للصدارة في سباق القوة العالمي. ورغم أن الفجوة في مصادر القوة الأخرى التي تحوزها هذه الدول ستظل باقيةً لبعض الوقت، حيث لا تزال تميل الموازين لصالح القوة الأمريكية، إلا أن وباء كورونا المستجد أوجد ساحة تنافس جديدة مهمة يشهدها العالم برمته ويرقب نتائجها وتطوراتها عن كثب. وبهذا، فإن التنافس الجيوسياسي الدائر بشأن اللقاح أخذ يتخطى رهانات التنافس الانتخابي المرحلي الصرف، ولاسيما في الولايات المتحدة، حيث تحظى هذه القضية بأهمية خاصة باعتبار أن البلاد أضحت البؤرة الأكبر عالمياً لتفشي مرض "كوفيد-19"، وتحوَّل ذلك التنافس إلى ساحة جديدة لاستعراض التفوق في ميدان التقدم العلمي، حيث الانعكاسات لإيجاد لقاح ناجع ضد المرض ستكون فورية وتشمل دول العالم بأسره.

أحدث الإيجازات