منذ 23 أغسطس 2020، تشهد العاصمة الليبية طرابلس، وبعض مدن غرب وجنوب ليبيا، موجة احتجاجية لا تزال قائمة، على خلفية تردِّي الوضع المعيشي والخدمي لحكومة الوفاق في العديد من القطاعات الحيوية. وعلى الرغم من استمرار هذا التردِّي الخدمي منذ فترة طويلة، إلا أن الانقسام السياسي بين أركان التحالف الحاكم في العاصمة كان أحد المحفزات الرئيسة لتوظيف حالة الاحتقان الشعبي بين الأطراف المتناحرة داخل هذا المعسكر.

ومع احتواء بعض أبعاد الأزمة مؤقتاً، وبقاء مُسببات وديناميات العملية الاحتجاجية قائمة في صورة مظاهرات ومسيرات احتجاجية، فإن ذلك يثير التساؤل حول حدود الاحتواء الذي تم بشأن التداعيات السياسية للأزمة، والحسابات الخاصة ببعض الأطراف الرئيسة، سواء باتجاه التصعيد أو التهدئة، في إطار التوظيف المتبادل للأزمة من قبل مختلف الأطراف.

أبعاد الأزمة

1. البعد الشعبي: بخلاف بؤرة الاحتجاجات الرئيسة، والمتمثلة في العاصمة طرابلس، إلا أنها امتدت لتشمل عدد من مدن المنطقتين الغربية والجنوبية، مثل الزاوية وصبراتة والجميل والعجيلات وغات وسبها وأوباري. وحملت الاحتجاجات شعارات مناهضة للفساد، على خلفية احتدام أزمات معيشية، في مقدمتها الكهرباء والوقود والسيولة النقدية والنظافة والرعاية الصحية والفساد المالي والإداري وغير ذلك.

ويسير الحراك بالأساس على وقع أزمات معيشية حقيقية يمكن على إثرها تحريك الشارع الليبي، إلا أن وجود هذه الدوافع الموضوعية قد لا يعني بالضرورة عفوية الحراك، وذلك في ضوء الانقسامات السياسية التي يشهدها التحالف الحاكم في العاصمة طرابلس، ومحاولة الأطراف المتنافسة داخل هذا المعسكر الاستثمار في هذه الأزمات لخدمة أهداف أخرى، حيث تزامن اندلاع الحراك مع انفجار الخلافات والتوترات المزمنة بين مكونات التحالف الحاكم، ومحاولة أطراف الصراع داخل هذا المعسكر توظيف مجريات الأزمة والاستثمار فيها للضغط على الأطراف المنافسة.

وفي مقابل الاستخدام السياسي للأزمة من قبل الأطراف السياسية، فإن الأطر التنظيمية التي ظهرت منذ بدء الاحتجاجات، وأبرزها "حراك 23 أغسطس" و"حراك همَّة شباب ليبيا"، أظهرت قدرات محدودة في قيادة الحراك وفَرْض نفسها لاعباً رئيساً في هذه الأزمة، وهو ما يتجلى بوضوح في غياب قنوات تفاوض بينها وبين السلطة، وعدم مشاركتها في المداولات المعلنة بشأن البحث عن حلول للأزمات التي اندلعت الاحتجاجات على خلفيتها، مقابل التركيز على الأداء الإعلامي، والحرص على مواكبة الحراك وإدامته.

وبعد مرور نحو ثلاثة أسابيع على انطلاق الحراك، لا تزال محركات الأزمة على الصعيد الشعبي قائمة، مع استمرار الأطر التنسيقية في الدعوة لاستمرار الفاعليات الاحتجاجية، والتي من أهمها الدعوة لمظاهرات 16 سبتمر، ولعل ما قد يفيد الأطر التنسيقية للحراك في تحقيق حد أدنى من النجاح في اختبار البقاء وعدم خفوت الحركة الاحتجاجية، هو استمرار عوامل الانقسام داخل سلطات طرابلس، وبزوغ محطات تفاوضية جديدة في بوزنيقة وجنيف، قد تكون فارِقة بخصوص المستقبل السياسي لأطراف الصراع، ما يجعل الإبقاء على جذوة الحراك قائمة بمثابة ضرورة لتوسيع هامش المناورة بالنسبة لأطراف عدة.

2. البعد السياسي: أججت الاحتجاجات التنافس الممتد داخل المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق، ويمكن الإشارة تحديداً إلى الصراع بين الثلاثي "السراج - معيتيق - باشاغا"، والذي يتمحور حول سعي كل من معيتيق وباشاغا إلى وراثة موقع السراج في رئاسة المجلس الرئاسي أو رئاسة الحكومة، لا سيما مع استئناف المسار التفاوضي للصراع الليبي، ومحاولة العمل على اجتراح صيغة تسوية جزئية يتم التوافق عليها دولياً خلال المرحلة المقبلة.

وبلغ الصراع بين باشاغا والسراج ذروته مع قيام السراج بإصدار قرار الوقف الاحتياطي عن العمل بحق وزير الداخلية، وهو القرار الذي تم التراجع عنه لاحقاً، تحت ضغوط أمريكية وتركية. كما استمرت مظاهر التضارب بين السراج ومعيتيق، إذ رفض الأخير القرار الصادر من رئيس المجلس الرئاسي بتعيينه رئيساً للجمعية العمومية لصندوق الإنماء.

وامتد التناحر السياسي إلى داخل مدينة مصراتة، التي ينتمي إليها باشاغا ومعيتيق، لتشهد المدينة انقساماً بين الطرفين، وهو ما ظهر في وصول المظاهرات إلى منزل عائلة أحمد معيتيق في مصراتة.

ويعد الانقسام الحادث في مصراتة الأكبر منذ 2011، وهي المدينة التي كان التماسك بين مكوناتها أحد العوامل الرئيسة لقوتها الضاربة خلال العقد المنقضي؛ ويكتسب الانقسام خطورته بالنظر إلى اصطفاف قسم كبير من ميليشيات المدينة إلى جانب باشاغا في هذا الصراع، بينما اصطف عبد الرحمن السويحلي، الرئيس السابق للمجلس الأعلى للدولة، إلى جانب ابن أخته أحمد معيتيق، حيث تعد عائلة السويحلي من العائلات السياسية العريقة التي تمتلك نفوذاً اقتصادياً وسياسياً عميقاً داخل المدينة.

ويرجع انتهاء الانقسام إلى اعتبارات تتعلق بطبيعة اللحظة الراهنة، سواء ما يتعلق بتفاعلات أزمة سرت، ووجود مخاوف لدى هذا المعسكر وداعميه الخارجيين من انشغال قوات مصراتة تحديداً في مواجهات مسلحة في العاصمة، هذا من ناحية؛ ومن ناحية أخرى فإن استئناف المسار التفاوضي، وما يحمله من فرص بخصوص احتمالية التوافق على ترتيبات سياسية جديدة قد تكون أكثر استقراراً مقارنة بالوضع الراهن، وهو ما دفع الداعمين الدوليين لهذا المعسكر نحو احتواء الخلافات بين الأطراف المتناحرة.

3. البعد الأمني: منذ بداية الاحتجاجات، شهدت الأزمة اصطفافاً من قبل الميليشيات الطرابلسية (والمنضوية تحت مظلة "قوات حماية طرابلس") إلى جانب السراج، في مقابل اصطفاف الميليشيات المصراتية إلى جانب باشاغا. ويتسق ذلك مع طبيعة الصراع القائم بين تلك الميليشيات خلال السنوات الماضية، حيث تأسست المعادلة الأمنية في العاصمة منذ تنصيب حكومة الوفاق على استبعاد الميليشيات غير الطرابلسية من المشهد الأمني في العاصمة، وعلى رأسها ميليشيات مصراتة التي كانت أكثر نفوذاً قبل تولي الوفاق للسلطة. ومع تولي باشاغا حقيبة الداخلية، سعى باشاغا إلى تسويق نفسه لدى واشنطن من خلال تبنِّي مشروع إنهاء المشهد الميليشياوي في العاصمة، من خلال إخضاع هذه الميليشيات لسلطة وزارة الداخلية، وهو الذي كان يعني عملياً تهميش ميليشيات طرابلس لصالح عودة نفوذ مصراتة إلى العاصمة.

وبعد التدخل التركي في ليبيا تزايد نفوذ باشاغا وعادت ميليشيات مصراتة إلى العاصمة، مقابل حدوث تراجع ملحوظ في نفوذ ميليشيات طرابلس. ومع تصعيد المواجهة بين السراج وباشاغا، وقيام السراج بإيقاف وزير الداخلية عن العمل، قامت قوات حماية طرابلس بتبني موقف واضح في الانحياز للسراج في مواجهة باشاغا.

وفي إطار القرارات التي اتخذها السراج لإدارة الأزمة، وبخلاف القرارات ذات الصلة بالقطاعات الخدمية، فإن التغييرات التي أدخلها السراج على شغل بعض المناصب العسكرية تعكس توجهاً واضحاً نحو إعادة التوازن بين مدن غرب ليبيا، بغرض تحجيم نفوذ الميليشيات المصراتية الموالية لباشاغا؛ إذ تم تعيين صلاح النمروش، المنتمي لمدينة الزاوية، وزيراً للدفاع، كما تم تعيين محمد الحداد، من مصراتة، رئيساً للأركان. وتجدر الإشارة إلى أن إعطاء حقيبة الدفاع لمدينة الزاوية يأتي في أعقاب حدوث توترات أمنية بين الميليشيات التابعة للمدينة ووزير الداخلية خلال شهر أغسطس الماضي؛ هذا فضلاً عن الثقل الكبير الذي تتمتع به مدينة الزاوية من الناحية العسكرية.

4. البعد الدولي: يمكن النظر إلى الأزمة التي تواجهها حكومة السراج على وقع الخلافات بين الأطراف الدولية الداعمة لحكومته، وذلك من زاويتين:

  1. التضارب بين الدورين التركي والإيطالي، وكان أبرز مؤشراته ضلوع تركيا في منع أربعين عسكرياً إيطالياً من المرور عبر مطار مصراتة، وإجبار طائرتهم على المغادرة، وذلك في 31 يوليو؛ ثم شروع تركيا في 20 أغسطس في هدم المستشفى العسكري الإيطالي في مصراتة (واجهة الوجود العسكري الإيطالي في المدينة)، بغرض إنشاء قاعدة بحرية تركية في نفس المكان. وفي ضوء أن المعادلة الأمنية التي تأسست في العاصمة طرابلس بعد اتفاق الصخيرات كانت قد تمت بإشراف إيطالي، عبر المنسق الأمني للبعثة الأممية الجنرال باولو سييرا، يمكن النظر إلى الانقسام الراهن بين الميليشيات الطرابلسية والميليشيات المصراتية، في إطار المواجهة بين باشاغا والسراج، بوصفها تمثل امتداداً للخلافات التركية الإيطالية داخل هذا المعسكر.
  2. تأتي الأزمة الحالية في أعقاب قبول السراج بالمبادرة الأمريكية لوقف إطلاق النار في ليبيا، بما يتعارض مع تطلعات تركيا في التمدد شرقاً للسيطرة على سرت ثم الهلال النفطي. كما أن القبول بالمبادرة الأمريكية يمثل، في أحد أبعاده، تهميشاً للمسار الثنائي التركي الروسي في الإمساك بقرار الحرب والسلام، وهو المسار المنافس للجهود الأمريكية، لاسيما فيما يتعلق بأزمة سرت. ومن ثمَّ يمكن النظر إلى الاحتجاجات الراهنة، وما تضمنته من ضغوطات على السراج بهدف إجباره على إجراء تعديلات وزارية، على أنها كانت بمثابة فرصة لتركيا كي تفرض هيمنتها على القرار السياسي والعسكري لحكومة الوفاق، وهو ما سعى السراج إلى الإلتفاف عليه من خلال الاستفادة من هامش المناورة الذي يتيحه التوتر المشار إليه بين تركيا وإيطاليا، وامتداداته الأمنية فيما يتتعلق بالخريطة الميليشياوية في العاصمة.

وأتى الموقف الأمريكي، المتمثل في بيان السفارة الأمريكية في طرابلس، والذي أكد على أهمية الدور الذي يضطلع به كل من السراج وباشاغا كشركاء للولايات المتحدة، ليُمثِّل إعادة ضبط لسلوك الأطراف المتصارعة داخل هذا المعسكر، باتجاه كبح التصعيد المتبادل، بما يُجنِّب العاصمة طرابلس تكرار سيناريو الصراع المسلح الذي شهدته حرب فجر ليبيا في مرحلة ما قبل الصخيرات.

خلاصة

  • هناك العديد من الاعتبارات والدوافع الموضوعية التي تقف وراء حالة الاحتقان الشعبي تجاه حكومة الوفاق في طرابلس، غير أن انفجار الاحتجاجات على نحو ما حدث يرجع بالأساس لحالة الانقسام السياسي بين أركان التحالف الحاكم، ورغبة كل طرف في توظيف الموجة الاحتجاجية لتحقيق أهداف سياسية.
  • رغم احتواء الجوانب السياسية للأزمة بشكل مؤقت بين أركان التحالف الحاكم، إلا أن مجريات الحراك الاحتجاجي لم تتوقف بشكل تام، لاسيما مع استمرار التردِّي الخدمي والمعيشي في المناطق الخاضعة لسلطة الوفاق.
  • من غير المستبعد أن تشهد مناطق غرب البلاد موجة احتجاجية أكثر حدة، فضلاً عن تجدُّد أزمة الانقسام السياسي داخل التحالف المسيطر على العاصمة، وكذلك تزايد التوترات بين الأطراف الخارجية الداعمة، وذلك في حالة فشل المسار التفاوضي الجاري، واستمرار التهدئة العسكرية على جبهة سِرت.

أحدث الإيجازات