آفاق الأزمة السياسية في مالي

مركز الإمارات للسياسات | 26 يوليو 2020

تفاقمت الانتفاضةُ الاحتجاجية ضد نظام إبراهيم أبوبكر كيتا رئيس جمهورية مالي، التي تعيش أزمة سياسية عميقة ومتعددة الأوجه، في الوقت الذي تمحورت فيه حركة المعارضة الجديدة حول قيادة الإمام محمود ديكو، الذي يُعد من الشخصيات الدينية البارزة.

خلفيات الأزمة السياسية في مالي

وصل الرئيس الحالي إبراهيم أبوبكر كيتا إلى السلطة في 11 أغسطس 2013، في إطار أزمة سياسية حادة من أبرز سماتها: اندلاع تمرد الجماعات الانفصالية من الطوارق والعرب في شمال مالي في يناير 2012، وحدوث انقلاب عسكري في باماكو أطاح نظام أمادو توماني توري في 22 مارس 2012، وسيطرة الجماعات الأصولية المتطرفة على كامل شمال مالي في نهاية مارس 2012. وفي يناير 2013 تدخل الجيشُ الفرنسي لتحرير شمال مالي من الجماعات المتشددة، وبعد أسابيع من الحرب المتواصلة طردت القواتُ العسكرية الفرنسية العصابات الإرهابية من المدن الرئيسة، في حين لا يزال الصراع قائماً في المناطق الصحراوية البعيدة.

ومع أن الرئيس كيتا ساهم في الحياة السياسية بقوة منذ الثورة التي أسقطت حكم الجنرال موسى تراوري (مارس 1991)، حيث تولى وزارة الخارجية ورئاسة الوزراء ورئاسة البرلمان في عهد الرئيس ألفا عمر كوناري، إلا أنه فشل في انتخابات عامي 2002 و2007، وإن أصبح وجه المعارضة الأساسي في عهد الرئيس توماني توري.

وقد حظي كيتا بإجماع واسع في انتخابات 2013، حيث انعقد الأمل عليه في تحقيق هدف إعادة بناء الدولة وتوحيدها، إلا أن الأزمة السياسية تفاقمت منذ وصوله إلى السلطة؛ فمن ناحية لم ينجح في عقد المصالحة المنشودة مع حركات الشمال من العرب والطوارق رغم الاتفاق الموقَّع معها في يونيو 2015، ومن ناحية ثانية فشل في إعادة فرض إدارة الدولة ونشر الجيش في مدن الشمال الثلاث الكبرى (تمبكتو وغاو وكيدال).

ومنذ نهاية 2015 انتقلت الأزمة السياسية إلى وسط مالي، وتركزت في الصراع الدموي بين قبائل الدوغون والفولاني، ولم ينجح الجيش المالي الضعيف والمفكك في التدخل لحفظ الأمن، بل وُجهت اتهامات إلى حكومة كيتا بتسليح المليشيات القومية الموالية لها، ودخلت بعض التنظيمات الفلانية في تحالف قوي مع الجماعات الإرهابية العنيفة.

ووصلت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية مستوىً قياسياً من التدهور بحسب تقارير المنظمات الدولية، والمتمثل بشيوع الفساد والرشوة وسوء الإدارة، إلى حد الانفجار الاجتماعي الذي بدت نذره القوية بعد انتخابات 2018، التي فاز فيها كيتا للمرة الثانية لكنه خرج من الحملة الانتخابية منهكاً وعاجزاً عن احتواء الازمات الاحتجاجية المتواصلة خلال السنتين الأخيرتين.

ومع أن الوجه السياسي الرسمي للمعارضة هو الوزير السابق "سومايلا سيسي"، الذي نافس كيتا منذ 2002 على تركة الرئيس كوناري، إلا أن المعارضة الحقيقية للنظام تمحورت حول تحالف غير مسبوق من المجتمع التقليدي الذي لا يزال يتحكم فيه إلى حد بعيد رجال الدين من مشايخ التصوف والنقابات ومنظمات المجتمع المدني. وبرزت فاعلية حلف المعارضة الجديد في مقاطعة الانتخابات التشريعية المنظمة في نهاية مارس 2020، والمؤجلة لمدة سنتين كاملتين، حيث كان الإقبال ضعيفاً، والنتائج مرفوضة من قطاع واسع من الطيف السياسي ومن المؤسسة القضائية. وزاد الوضع تردياً اختطاف الجماعات الإرهابية لزعيم المعارضة سومايلا سيسي الذي لا يزال في يدها. وهكذا اندلعت الموجة الاحتجاجية الحالية في 5 يونيو 2020، بعد انهيار محاولات التهدئة التي لجأ إليها الرئيس كيتا، وبعد التضحية برئيس حكومته عثمان مايغا الذي أقاله في أبريل 2020.

يقود الإمام محمود ديكو تحالفَ المعارضة المعروف باسم "تجمع القوى الوطنية"، والذي يُختصر اسمه بـ "M5"، أي حركة 5 يونيو، ويضم شبكةً واسعة من النشطاء السياسيين وممثلي المجتمع المدني والحركات الشبابية والنسوية. وأهم مطالب التجمع هي: إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية، وحل المحكمة الدستورية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تشرف على حوار سياسي جامع وإدارة مرحلة انتقالية تُفضي إلى انتخابات تشريعية ورئاسية شفافة ونزيهة، في حين تذهب بعض مكونات المعارضة إلى المطالبة بالاستقالة الفورية للرئيس كيتا.

من هو الإمام ديكو؟

الإمام محمود ديكو، الذي يقود الحركة الاحتجاجية، مولود في مدينة تمبكتو الدينية الثقافية عام 1954، ودرس في معهد العلوم الإسلامية في موريتانيا وبعدها في المملكة العربية السعودية، وتأثر بالدعوة السلفية، وشارك في الثمانينيات في تأسيس "جمعية مالي للاتحاد وتقدم الإسلام ". وفي عام 2008 أصبح رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في مالي، الذي أسسه الرئيس الأسبق ألفا عمر كوناري، وأناط به الجانب الأساسي من السياسة الدينية للدولة، وبقي في رئاسته حتى أبريل 2019.
ومع أنه كان دوماً قريباً من الرئيس الحالي إبراهيم أبوبكر كيتا، وأيد ترشحه للرئاسة عام 2002، وكان له دور فاعل في نجاحه في انتخابات 2013، إلا أنه بدأ يبتعد عنه تدريجيا منذ 2018، معتبراً أنه بدأ يحوّل العلمانية المالية إلى نظام مُعادٍ للدين والمؤسسة الدينية، رغم أنه لا يطالب بتطبيق الشريعة ولا تغيير النظام الدستوري العلماني.

ومع أن الإمام ديكو لم يكن في السابق يطمح للزعامة السياسية، وكان يقول إنه يكتفي بوظيفة الإمامة والتوجيه الديني، إلا أنه شكَّل في سبتمبر 2019 تجمعاً كبيراً باسم "تنسيق الحركات والروابط والمتعاطفين"، وهو شبكة واسعة تَدين له بالولاء، وأصبحت بالفعل تنظيمَ المعارضة الأساسي. وأول نشاط قام به الإمام ديكو بعد إنشائه الشبكة الجديدة هو تنظيم مهرجان حاشد في قصر الثقافة بالعاصمة باماكو في 29 فبراير 2020، دعا فيه أنصاره إلى استلام مصيرهم بأيديهم، كما دعا إلى تظاهرة كبرى يوم 6 مارس. وقد استدعت النيابة العامة الإمام ديكو إلى المحكمة، إلا أن أنصاره أحاطوا بها، فتم إلغاء الاستدعاء، واعتذرت الحكومة له رسمياً.

ولا شك في أن الإمام ديكو قد تحوّل إلى ورقة قوية في المشهد السياسي بعد حصوله علناً على دعم الشيخ محمد ولد حماه الله، المعروف بشريف نيورو، وهو شخصية صوفية من أصل موريتاني لها مئات آلاف الأتباع في مالي (فضلاً عن موريتانيا وساحل العاج وبوركينا فاسو). وهكذا أصبح الإمام ديكو في موقع قوي يسمح له بقيادة الحركة الاحتجاجية الراهنة التي أظهرت قدرةً جلية على تحريك الشارع بصفة مستمرة، رغم الخسائر البشرية التي زادت على 11 قتيلاً في صفوف المتظاهرين.

آفاق الحركة الاحتجاجية في مالي

في ضوء المعطيات الحالية، يمكن التنبؤ بثلاثة سيناريوهات مختلفة للوضع السياسي في مالي:

  1. سيناريو التوافق، الذي تسعي إليه المنظمات الإقليمية والدولية التي دخلت في وساطة متواصلة لتسوية الأزمة السياسية من خلال الحوار والتنازل المتبادل. وأبرز هذه المؤسسات هي المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (الإيكواس) والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، وقد أصدرت إعلاناً رسمياً يُدين العنف، ويدعو إلى إطلاق حوار سياسي بين الحكومة والمعارضة. ورغم فشل الوساطة التي قادها خمسة من رؤساء دول غرب أفريقيا، وهي النيجر والسنغال ونيجيريا وساحل العاج وغانا، في تقريب وجهات نظر الفرقاء في مالي ما استدعى إعلان "الإيكواس" عقد جلسة طارئة لبحث تطورات هذه الأزمة في 27 يوليو الجاري، إلا أن سيناريو التوافق ما يزال ممكناً، وبخاصة في ظل خطوات التهدئة المتخذة من قبل الطرفين، إذ أصدر الرئيس كيتا قراراً بتجميد المحكمة الدستورية، وإطلاق سراح زعماء المعارضة، وقبول مبدأ الحوار السياسي الجامع، وفي المقابل دعا زعيم المعارضة الإمام ديكو دعا إلى التهدئة، ورفَض تنحية الرئيس كيتا، مكتفياً بالمطالب الأخرى المتعلقة بالإصلاح السياسي، وإعادة تنظيم المسار الانتخابي، وتشكيل حكومة وحدة وطنية.
  2. سيناريو الانفجار، الذي ليس مستبعداً في حال تعثُّر الحوار السياسي وخروج الأوضاع الأمنية عن التحكم، بما يفتح الباب لانقلاب عسكري جديد يُفضي إلى مرحلة انتقالية تتلوها انتخابات رئاسية تشريعية، على غرار تجارب سابقة عرفتها مالي في 1992 و2012.
  3. مسار استمرار الأزمة ودخول البلاد في مسار انسداد سياسي طويل يستمر إلى نهاية عهدة الرئيس الحالي كيتا (2023)، نتيجة لغياب بديل سياسي ناجع، وعدم قدرة المعارضة على فرض التغيير عن طريق الشارع، وصعوبة تمرير حركة انقلابية عسكرية جديدة بالنظر إلى حجم الرفض الخارجي.

الخلاصة

  • تعود الأزمة السياسية الراهنة في مالي إلى إخفاق الرئيس إبراهيم أبوبكر كيتا في تحقيق هدف إعادة بناء الدولة وتوحيدها، وفرض الأمن والاستقرار، ومعالجة التدهور الاقتصادي والمعيشي. ومثّلت الانتخابات التشريعية في نهاية مارس 2020، التي قاطعتها المعارضة، الشرارة للاحتجاجات التي اندلعت في 5 يونيو الماضي.
  • يقود الإمام محمود ديكو تحالف المعارضة المعروف باسم "تجمع القوى الوطنية" الذي يضم شبكةً واسعة من النشطاء السياسيين وممثلي المجتمع المدني والحركات الشبابية والنسوية، ويُطالب التجمع بإلغاء نتائج الانتخابات التشريعية، وحل المحكمة الدستورية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تشرف على حوار سياسي جامع وإدارة مرحلة انتقالية تُفضي إلى انتخابات تشريعية ورئاسية شفافة ونزيهة، في حين تذهب بعض مكونات المعارضة إلى المطالبة بالاستقالة الفورية للرئيس كيتا.
  • تتفاوت السيناريوهات المحتملة للأزمة في مالي بين حدوث انقلاب عسكري، واستمرار الأزمة حتى نهاية عهدة الرئيس الحالي كيتا في عام 2023. والسيناريو المرجح هو التواصل إلى توافق بين الرئيس والمعارضة، لاسيما في ضوء مساعي مجموعة دول "الإيكواس" المستمرة لحل الأزمة.

أحدث الإيجازات