أعلنت رئاسة الجمهورية الفرنسية في 21 ديسمبر 2020 قبولَها المبدئي بإجراء مفاوضات بين حكومات دول الساحل الأفريقي، وبصفة خاصة مالي، مع التنظيمات المتطرفة، عدا "القاعدة" و"داعش"، في الوقت الذي أعربت فيه الحكومة الانتقالية في مالي عزمَها التفاوض مع كل الأطراف المنشقة، بما فيها الجماعات الراديكالية العنيفة.

ترصد هذه الورقة التطورات الجديدة في مالي التي تُعاني من نشاط الجماعات الإرهابية، وتحاول أن تستشرف آفاقها.

التحول في موقفي فرنسا ومالي

في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية بتاريخ 21 ديسمبر الماضي، عبّر مسؤول رفيع المستوى في رئاسة الجمهورية الفرنسية عن إمكانية إجراء مفاوضات مباشرة مع بعض الجماعات المسلحة في الساحل، مع استثناء تنظيم "الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى" التابع لتنظيم "داعش" و"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" التي أعلنت ولاءها لتنظيم "القاعدة".

وقد صرّح المسؤول نفسه عن الشروع في تنظيم مؤتمر في أفريقيا في فبراير 2021 لتدارس آفاق الحل السلمي في منطقة الساحل، في وقت ظهرت تلميحات بعزم القوات العسكرية الفرنسية في الساحل سحب بعض وحداتها من مسرح العمليات في المنطقة.

ومن الواضح أن الموقف الفرنسي قد شهد بعض التغير، بعد أن كان يرفض أي مفاوضات مع الجماعات الراديكالية المسلحة، وهو الموقف الذي كرره الرئيس ماكرون في مقابلة مطولة مع مجلة "جون أفريك" الأسبوعية الفرنسية في نوفمبر 2020. بيد أن تطورات الأوضاع المالية الداخلية قد تكون دفعت في اتجاه الانفتاح على الجماعات المسلحة، فقد أعلن رئيس الحكومة الانتقالية في مالي المختار وان في عدة مناسبات خلال الأسابيع الثلاثة الماضية أن بلاده ماضية في خطوات التفاوض المباشر مع "كل أبناء مالي دون شروط أو تمييز "، ونقل هذا الموقف إلى الفرنسيين مباشرةً خلال لقائه بوفد سياسي عسكري فرنسي في العاصمة باماكو، كما نقله إلى شركاء مالي في مجموعة دول الساحل الخمس.

وقد جدد رئيس الحكومة المختار وان، هذا الموقف في لقاء مع الإعلام الفرنسي بتاريخ 3 ديسمبر 2020، مُعتبراً أن الأوضاع الأمنية لم تتحسن عن طريق العمل العسكري، فقد ذهب ضحية حرب الإرهاب ما يقارب ثمانية آلاف قتيل وتهجير ملايين السكان، مع إغلاق آلاف المدارس، وتزايد موجة العمليات الإرهابية ضد منشآت الدول وضد المدنيين العزل، وتوسعها إلى بلدان الساحل بكاملها.
وإذا كانت حكومة بوركينا فاسو قد أعلنت بوضوح رفضها أي حوار مع الجماعات الإرهابية، فإنه يعتقد أن الدول الأخرى أكثر استعداداً لقبول هذا المبدأ، بعد أن ظهر فشل الخيار العسكري الذي بدأ منذ التدخل الفرنسي عام 2013. وإذا كانت القوات الفرنسية، التي يصل عددها إلى 5100 فرد، قد نجحت في تصفية عدد من قيادات الجماعات المسلحة وعناصرها في منطقة الساحل، إلا أنها فشلت في تحسين الوضع الأمني في المنطقة الذي يزداد في التردي، كما أن جهود إعادة بناء الجيش المالي وتأهيل جيوش بلدان الساحل لمحاربة الحركات الإرهابية لم تُؤت أكلها.

وقد برزت أصوات قوية في مالي تدعو إلى حل المعضلة الأمنية التي عرّضت البلاد للتفكك والانقسام عن طريق التفاوض المباشر مع الأطراف المسلحة. ومن أهم الجهات التي تتبنى هذا الخيار الإمام محمود ديكو الذي له تأثير واسع في الشارع المالي، كما أن المؤتمر الوطني الذي انعقد عام 2017 بمشاركة أهم القوى السياسية والمدنية اعتمد الموقف نفسه، وأكده مؤتمر الحوار الوطني الجامع الذي انعقد عام 2019.

ويُذكر أن هذا التحول في الموقفين المالي والفرنسي قد مهّد له التوصل في شهر أكتوبر الماضي إلى صفقة ثلاثية بين باريس وباماكو وجماعات إرهابية مرتبطة بتنظيم "القاعدة" أدت إلى إفراج السلطات المالية عن أكثر من مئة سجين من عناصر التنظيمات الإرهابية الناشطة في منطقة الساحل، في مقابل قيام جماعات إرهابية بالإفراج عن أربعة رهائن، هم رهينة فرنسية مختطفة منذ أربعة أعوام هي صوفي بترونين، وسياسي مالي بارز هو إسماعيل سيسيه، ورهينتان إيطاليان أحدهما قس اختطف في النيجر عام 2018.

خريطة الجماعات الراديكالية المسلحة في مالي

لقد بدأت الموجة الراديكالية المسلحة في مالي عام 2012 بتأسيس إياد أغ غالي الذي قاد حركة تمرد الطوارق ضد الدولة عام 1991 تنظيماً جديداً باسم "أنصار الدين " في مقابل "حركة تحرير شمال مالي" التي سيطرت عليها القيادات العسكرية من الطوارق العائدة من ليبيا نهاية عام 2011 بعد أن كانت منضوية في جيش العقيد القذافي.

والجديد في الموضوع هنا هو أن غالي انتقل من نمط الفعل السياسي التقليدي (حركة التمرد ذات مطالب قومية) إلى العمل المسلح في سياق التحالف مع تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" الذي هو في الأساس تنظيم متولد عن "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" التي هي فريق من المتطرفين الجزائريين الذين رفضوا وقف العمل المسلح والدخول في خط الهدنة والمصالحة. وعن طريق هذا التحالف مع تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" استطاع إياد أغ غالي السيطرة على شمال مالي عام 2012، وطرْد "حركة تحرير شمال مالي" من مواقعها التي استولت عليها، وبدأ التمدد إلى وسط مالي وجنوبيها، بما فرض التدخل العسكري الفرنسي في يناير 2013.

وعلى الرغم من تحرير القوات الفرنسية كبريات مدن شمال مالي، إلا أن تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" وطّد نفوذه وحضوره في هذا الإقليم الصحراوي المتشعب والعصي على الرقابة، واستطاع استمالة مئات الشباب من شمال ووسط مالي، وركز نشاطه على عمليات خطف الرهائن والتهريب غير الشرعي. إلا أن مجموعة من السكان المحليين، وبصفة خاصة من مجموعة الفلان انشقت عن التنظيم، وشكلت جماعة جديدة هي "جماعة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا".

وهكذا أصبحت الأطراف الرئيسة في حركة التطرف العنيف هي: تنظيم أنصار الدين، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وجماعة التوحيد والجهاد، وهي الحركات التي يتشكل منها نسيج الحركة الإرهابية في منطقة الساحل، وقد شهدت العديد من التحولات الداخلية في السنوات الأخيرة وإن حافظت على تحالفها الموضوعي. ففي عام 2017 نشأ تحالف باسم "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" يَدين بالولاء لتنظيم "القاعدة"، يرأسه إياد أغ غالي، ويضم أربع مجموعات هي: جماعة أنصار الدين، وحركة تحرير ماسينا التي يتزعمها أمادو كوفا، وجماعة المرابطين التي هي امتداد لحركة التوحيد والجهاد، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وقد شذ عن هذا التحالف تنظيم "الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى" المنشق عن حركة "المرابطين" عام 2015، الذي تميز بنقله العمليات المسلحة إلى دولتي بوركينا فاسو والنيجر المجاورتين لمالي.

آفاق المفاوضات مع الجماعات المسلحة في مالي

يبدو من المؤشرات الأولى لقرار التفاوض السياسي مع الجماعات الراديكالية المسلحة، أن استراتيجية الحوار لم تتبلور بعد بوضوح في رؤيتها وآلياتها العملية. وبخصوص الدول المعنية بالملف، يبدو أن مالي هي الطرف الأوحد الذي يتحمس لهذا الخيار، مع العلم أنها الدولة المستهدفة أساساً بالعمليات الإرهابية. وقد تجد دعماً من موريتانيا التي نجحت عام 2010 في برنامجها للحوار مع المتطرفين من خلال شبكة العلماء الموالين للسلطة. كما أن فرنسا وإن قبلت مبدأ التفاوض، إلا أنها تنطلق من التمييز بين الجماعات المالية التي لها مطالب سياسية مشروعة (جماعات الطوارق والعرب والفلان التي لها مطالب قومية) والحركات الإرهابية العابرة للحدود التي لا تتمتع بأي شرعية سياسية.

ومع أنه من الصعب استشراف آفاق التفاوض بحسب المعطيات الحالية، إلا أنه يمكن الإشارة إلى سيناريوهين بارزين:

الأول، نجاح حكومة مالي في عزل تنظيم أنصار الدين، الذي يشرف عليه إياد أغ غالي، عن باقي الجماعات الراديكالية عبر إبرام صفقة سياسية معه تستجيب لمطالبه الأساسية في شمال مالي، وفق "اتفاق السلام والمصالحة في مالي" المعروف باتفاق الجزائر عام 2015 الذي لم تنفذه الحكومة المالية. سيسمح هذا السيناريو بتخفيف الضغط عن الجيش المالي باعتبار أهمية العنصر الطارقي في التنظيمات المسلحة، وقدرته على السيطرة على الأرض وإقصاء الجماعات الأخرى من الإقليم. ومع أن غالي أكد قبوله مبدأ التفاوض مع بعض الشروط، أهمها انسحاب القوات الأجنبية وتطبيق الشريعة الإسلامية في مالي، إلا أن الدعم الجزائري يبدو ضرورياً لإنجاح هذه الصفقة باعتبار ما رجح من علاقات قوية بين إياد أغ غالي والمخابرات العسكرية الجزائرية. ومن العوامل الداعمة لهذا السيناريو، مبادرة الإمام محمود ديكو الذي يبدو أنه يحظى باحترام واسع لدى بعض الأوساط الداعمة للجماعات الراديكالية، ومن بينها تنظيم أنصار الدين نفسه، وكتائب ماسنا.

الثاني، فشل المفاوضات نتيجة لاستحالة الوصول إلى توافقات شاملة في الساحة المالية، وإجماع إقليمي حول الحل السلمي. وقد يُفهم النزوع الفرنسي إلى الانسحاب العسكري من منطقة الساحل أو تخفيف الحضور فيها بأنه هزيمة لفرنسا وشركائها في المنطقة، بما يكرس حتمية الحل وفق نموذج التفاوض بين تنظيم طالبان والولايات المتحدة في أفغانستان.

أحدث الإيجازات