سيناريوهات السيطرة على منطقة شرق الفرات

مركز الإمارات للسياسات | 01 أغسطس 2018

عقب اقتراب معارك الجنوب السوري من نهايتها، يبدو أن النظام السوري وحلفاءه يتطلعون إلى منطقة شرق الفرات التي تُعد مع إدلب آخر المناطق التي بقيت خارج سيطرة دمشق حتى الآن.

الفاعلون في شرق الفرات

يوجد أربعة فاعلين رئيسين في مناطق شرق الفرات:

الأول، حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، وذراعه العسكرية وحدات حماية الشعب، التي تُعتبَر المكون الأساس لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، المسيطرة راهناً على كامل منطقة شرق الفرات. ويرتبط حزب الاتحاد الديمقراطي أيديولوجياً وسياسياً وعسكرياً بحزب العمال الكردستاني (PKK).

والفاعل الثاني هو النظام السوري، الذي يسعى إلى السيطرة على منطقة شرق الفرات في إطار استراتيجيته لاستعادة السيطرة على كامل التراب السوري، بدعم من روسيا وإيران ومليشياتها.

والفاعل الثالث هو تركيا، التي تَعتبر هيمنة أي طرف كردي على منطقة بالقرب من حدودها أمراً يمس أمنها القومي، وتتوخَّى تركيا إخراج منطقة شرق الفرات من سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي.

أما الفاعل الأخير فهو الولايات المتحدة؛ التي تهدف من وجودها العسكري في منطقة شرق الفرات دعمَ الفصائل الكردية ضمن استراتيجية مكافحة الإرهاب ومحاربة تنظيم "داعش"، ثم إضعاف نفوذ إيران في سوريا وقطع الممر الاستراتيجي الذي تسعى إيران لإقامته عبر الأراضي العراقية والسورية وصولاً إلى لبنان.

ما بعد "درعا" جنوباً: "الرقة" شرقاً

على الأرجح، فإن مناطق شرق الفرات، وخصوصاً محافظة الرقة في المرحلة الأولى، هي الوجهة التالية لقوات النظام السوري وحلفائه. وتقع غالبية مناطق محافظة الرقة تحت سيطرة وحدات حماية الشعب الكردية، ممثلةً في قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، التي فرضت سيطرتها على المنطقة بالتعاون مع العشائر العربية، وبحماية ودعم الولايات المتحدة الأمريكية، مستغلةً حالة عدم الدفء في العلاقات الأمريكية-التركية التي كانت سائدة في مرحلة سابقة، ولكنها تغيَّرت اليوم؛ إذ أصبحت الولايات المتحدة أقرب إلى عق تفاهمات مع كلٍّ من تركيا وروسيا، ليس في شرق الفرات فقط، بل وفي كل أرجاء سوريا، وهي التفاهمات التي يَنْظُر إليها الأكراد اليوم بريبة.

فبالنظر إلى الأوزان النسبية للقوى الفاعلة في المنطقة، والمصالح الاستراتيجية بين تلك القوى، فإن الأكراد يعلمون أن تركيا أكثر أهمية للولايات المتحدة منهم، وهذا ما دعاهم مؤخراً إلى مزيد من التقارب مع نظام الأسد في دمشق، وفَتْح قنوات اتصال معه (كما حصل في اجتماع دمشق في 26 يوليو الماضي)، على أساس أن تفاهماً كردياً مع دمشق سيحُول دون دخول تركيا إلى مناطق الأكراد في شمال سوريا، مع ضرورة الحصول على ضمانات روسية لهذه التفاهمات.

وممّا يُعزّز فرص اتّخاذ النظام السوري هذه الوُجْهة، ويُسهّل إعادة سيطرته على مناطق "قسد"، عِدَّة أمور؛ أهمها العقباتُ التي تُواجِه استمرار الحكم الكردي للمنطقة، فالآلاف من مقاتلي "داعش" ينتظرون صداماً عربياً كردياً فيها يُسهِّل عودتهم لتصدر المشهد. إضافةً إلى المخاوف الكردية من انسحاب أمريكي مفاجئ من هذه المناطق، وتَرْك الأكراد يواجهون مصيرهم بمفردهم، واستغلال تركيا هذا الانسحاب للتمدد في مناطقهم، خصوصاً بعد ما جرى في عفرين، وتوصل الطرفين التركي والأمريكي إلى خريطة طريق بخصوص منبح، وما جرى أيضاً في جنوب سوريا من تخلِّي الولايات المتحدة عن الفصائل التي تدعمها، مقابل تَعَهُّد روسي بإبعاد الفصائل والمليشيات الإيرانية عن الحدود الإسرائيلية.

سيناريوهات مستقبل منطقة شرق الفرات

السيناريو الأول: عودة النظام السوري بالتوافق مع قوات سوريا الديمقراطية؛ ويُعتبر الأكثر رجحاناً لسببين: الأول، إدراك الأكراد أن التوافقات بين القوى الإقليمية والدولية قد تُمكِّن تركيا من تحطيم الوجود الكردي السياسي والعسكري في أي منطقة كردية مثلما حدث في عفرين؛ ولذلك فإن التوافق مع النظام السوري، وإنْ بشروطٍ واطئة عن سقف الحكم الذاتي، أفضل بكثير من تهيئة الساحة لتركيا لبدء حملة مشابهة لما يعتبره الأكراد "درس عفرين". والثاني، تَمَكُّن النظام السوري من خلق التوافقات الإقليمية والدولية التي تسمح له بإعادة السيطرة على أغلب المناطق السورية؛ فقد أثبتت الشهور الأخيرة ذلك في غوطة دمشق وجنوب سوريا، ولا يريد الأكراد أن يكونوا ضحايا مثل هذه التوافقات.

وتحَقُّق هذا السيناريو سيُمثِّل، أولاً، نكسة لحزب الاتحاد الديمقراطي، وكامل تيار حزب العمال الكردستاني؛ فبعد تقديمه عشرات الآلاف من الضحايا، وتصريحه أنه يحمل مشروعاً سياسياً مبشراً، سيظهَر وكأنه يتخلَّى عن كل شيء. وثانياً، سيُراكِم في الذات الجمعية الكردية إحساساً "أليماً" بتخلِّي الولايات المتحدة عنهم كلما انتهت الأزمات التي تستخدمهم لأجلها. وسيُعزِّز، ثالثاً، من قُدرة النظام السوري على استعادة حُكم كامل سوريا دون تقديم أي تنازل سياسي للقوى السياسية الداخلية والإقليمية المناهضة له.

السيناريو الثاني: توافق أمريكي-تركي شبيه بصفقة منبج؛ ويأتي هذا السيناريو في المرتبة الثانية من حيث إمكانية التحقق؛ فرغبة الولايات المتحدة في المحافظة على مواقعها في مناطق شرق الفرات، إلى حين التوصل إلى "حل سياسي" في سوريا والقضاء على التنظيمات الإرهابية وأسباب انتعاشها، ليست كبيرة. وهو ما قد يدفع واشنطن إلى امتصاص الاندفاعة التركية للقضاء على التجربة الكردية بأي ثمن، وبالتالي خلق مقايضةٍ ما بين حلفائها الأكراد وأنقرة على نحو ما تم بشأن مدينة منبج.

وتحَقُّق هذا السيناريو سيُضعف، أولاً، قدرة النظام السوري على استعادة نمط الحُكم المُطلق على كامل سوريا، وسيُبقِي منطقة شاسعة من البلاد خارج سيطرته تماماً. وثانياً، سيمنح حزب العمال الكردستاني، وإنْ عبر حزب رديف، نوعاً من الشرعية والاعتراف الإقليمي، بل حتى التركي، ما سيفتح الباب أمام عودة عملية السلام المتعثرة بين أنقرة وحزب العمال. وثالثاً، ستكون منطقة شرق الفرات نموذجاً لتوافقٍ سياسي، كردي-كردي وكردي-عربي، ستُطالِب بمثله باقي المناطق والقوى السياسية السورية، وهو ما يخلق حرجاً شديداً للنظام السوري.

السيناريو الثالث: الصراع المفتوح بين النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية؛ وهو الأقل ترجيحاً، لاختلال ميزان القوى لصالح النظام السوري، وافتقاد الأكراد أي دعم إقليمي، لكنه مع ذلك يظل وارداً؛ فالسيطرة على شرق الفرات مسألة حيوية وتمس مستقبل كلا الطرفين. وفيما لو أوْصَلت الولايات المتحدة إشارات إلى الطرف الكردي بأنها تدعمه، فإن هذه المواجهة ستكون أكثر احتمالية، خصوصاً إذا دفعت تركيا نحو ذلك عبر دعم سياسي وعسكري واضح للنظام السوري.

وهذا السيناريو في حال تحَقُّقه سيخلق مواجهة واضحة المعالم بين نفوذ واستراتيجية الولايات المتحدة في مواجهة كافة القوى الإقليمية هي الأولى من نوعها، إذ سيصطف النظام السوري إلى جانب إيران وتركيا في مواجهة طرف مدعوم من واشنطن. وستجد قوى المعارضة السورية نفسها في حيرة من أمرها، وذلك أنها في عداء مع النظام السوري وقوات سوريا الديمقراطية "الكردية"، وبينما عداوتها تجاه النظام السوري مُطلقة إلا أنه الطرف نفسه الذي سيتلقَّى في هذا السيناريو دعماً سياسياً من تركيا التي هي في الوقت نفسه راعية لقوى المعارضة السورية. كما أن هذا السيناريو سيخلق أشكالاً من الحرب الأهلية، الكردية-العربية بالذات، بتحريض من النظام السوري والنفوذ الإيراني في العشائر العربية هناك.

 

أحدث الإيجازات