في مطلع نوفمبر 2020، اتخذت الحكومة الفرنسية قراراً بحظر منظمة "الذئاب الرمادية" اليمينية التركية، في محاولة لتقييد أذرع النفوذ التركي في فرنسا، وهو ما دفع بعض الحكومات الأوروبية (ألمانيا وهولندا) للتفكير في اتخاذ نفس القرار. وبالفعل، صادق البرلمان الألماني (البوندستاغ) في 18 نوفمبر الماضي بالأغلبية على طلب مشترك مُقدَّم للحكومة من أحزاب الائتلاف الحاكم والحزب الديمقراطي الحر وحزب الخضر، بدراسة إمكانية حظْر هذه المنظمة داخل ألمانيا.

ذئاب تركيا الرمادية!

جماعة "الذئاب الرمادية"، والتي يُطلق عليها أيضاً حركة "الشباب المثالي"، هي منظمة يمينية متطرفة مرتبطة بحزب الحركة القومية التركي. تأسست في أواخر الستينيات وشاركت في العنف السياسي الذي اجتاح تركيا في السبعينيات، واستهدفت النشطاء اليساريين والأقليات العرقية. ويؤكد المشرِّعون الألمان أن المنظمة تتبنى "عقيدة قومية وعنصرية"؛ لكونها تقوم بالأساس على تمجيد الشعب التركي واستعادة أمجاده التاريخية، كما تساند بقوة الأطروحات الرسمية المعادية لقضايا الأرمن والأكراد، إذ دعت في منشّوراتٍ منسّوبة إليها إلى تطهيرٍ عرقي لهذين الشعبين. وتدعم الجماعة بقوة تمدُّد تركيا في محيطها الجغرافي.

ومنذ تأسيسها التاريخي، ارتبطت المنظمة أيديولوجياً وسياسياً بحزب الحركة القومية التركية MHP، وعملت خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، ذراعاً عسكرياً لتنفيذ الاغتيالات السياسية لصالح اليمين التركي، في سياق الحرب الأهلية التركية بين اليمينيين واليساريين وقتذاك. وعُرِفت منظمة "الذئاب الرمادية" بهذا الاسم، لأن عناصرها ومؤيديها يرفعون أصبعي السبابة والخنصر، بينما تنضم باقي الأصابع إلى بعضها البعض لإظهار ما يشبه رأس ذئب، وهي إشارة اعتاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على رفعها مراراً خلال خطاباته لأعضاء حزبه.

وقد أصبحت هذه المنظمة تحت المجهر بالنسبة للمؤسسات الأمنية الأوروبية بعد أن حظرتها الحكومة النمساوية عام 2018، وأضحت جزءاً من النقاش العام في أوروبا. وقدَّرت المؤسسات الأمنية الأوروبية أعداد المنتمين لهذه المنظمة بعشرات الآلاف من الشبان، المنظمين على شكل حلقات مغلقة حسب المدن والأحياء الموزعة عليها، بحيث تتألف كل حلقة من عدد يتراوح بين 100 إلى 200 عنصر، مرتبطين بشكل عنقودي بالجهة التنظيمية المركزية للجمعية، الموجودة في تركيا.

وتقوم هذه العناصر بتنظيم مظاهرات متكررة تحرِّض على الأرمن والأكراد الموجودين في أوروبا واليهود أيضاً، ويرفعون خلال تلك المظاهرات لافتات معادية لهم، بل ويقومون أحياناً بالاعتداء على الاحتجاجات التي ينظمها الأكراد والأرمن كما حدث في فرنسا وألمانيا والنمسا خلال الأشهر الماضية.

دوافع حَظْر المنظمة

صادق البوندستاغ الألماني على دراسة حظر الذئاب الرمادية في منتصف نوفمبر، أي بعد حوالي أسبوعين من القرار الفرنسي بحظرها، وهو ما يعبِّر عن أمرين؛ أولهما وجود رغبة أوروبية جادة في مواجهة المنظمات التابعة لتركيا داخل أوروبا وتقويض نشاطاتها، وثانيهما ظهور نوع من الوحدة الأوروبية ضد تركيا عبر تنسيق المواقف السياسية والأمنية ضد منظماتها.

في هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى أبرز الدوافع وراء حظر المنظمة في ألمانيا في النقاط الآتية:

1. تقويض النفوذ التركي في ألمانيا: إذ تسعى ألمانيا إلى تقييد الأذرع التركية المنتشرة بها؛ خاصة الجمعيات أو المنظمات المتطرفة التي يوظفها الرئيس التركي أردوغان لخدمة أهدافه في أوروبا، والتي تقوم بالأساس على محاولة استنهاض الشعور القومي التركي عبر توظيف الوجود التركي العرقي في كل مكان لخدمة مصالح مشروع حزب العدالة والتنمية، وتعزيز التمدد الخارجي. ومن ثمَّ فإن مراقبة أنشطة "الذئاب الرمادية" وحظرها سيُسهمان في احتواء نفوذ أنقرة داخل حدود القارة، خاصة مع تصاعد العنف الذي تتورط فيه الجماعات المتطرفة، فضلاً عن أن قرار الحظر يأتي من الدول الأكثر تأثيراً حاليا في الاتحاد الأوروبي (فرنسا وألمانيا) بما يعني أنه قد يمتد لعواصم أوروبية أخرى (هولندا وبلجيكا على سبيل المثال).

2. حماية الديمقراطية الألمانية: تمثل منظمة "الذئاب الرمادية" تهديداً للأمن الداخلي في ألمانيا نظراً لقيامها بنشر التطرف والعنف داخل ألمانيا من خلال الدعوات الفاشية التي تطلقها ضد الأكراد والأرمن واليونانيين واليهود في ألمانيا، والتي تصل إلى حد الدعوة لإبادتهم، فضلاً عن هجومهم على التجمعات الخاصة بهذه الأقليات. وقد وصف تقرير لهيئة حماية الدستور الألمانية (الاستخبارات الداخلية) في عام 2019 منظمة "الذئاب الرمادية" بأنها تحمل الأفكار القومية اليمينية المتطرفة وتنشرها. وأعلن الجيش الألماني عن تحقيقات بشأن أربع وقائع تطرُّف داخل صفوفه لها علاقة بجماعة "الذئاب الرمادية"، وقالت الحكومة الألمانية إن إحدى هذه الحالات تُثبت بأدلة موثقة وجود "عدم ولاء للدستور في الحد الأدنى".

3. الاستجابة للضغط الداخلي: إذ يبدو أن هناك توافقاً سياسياً بين الأحزاب السياسية مختلفة التوجه في ألمانيا على حظر هذه المنظمة، بما يمثل ضغطاً على حكومة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ويزيد من إمكانية اتخاذ إجراءات حاسمة ضد هذه المنظمة. فقد دعا بعض قادة الحزب الديمقراطي المسيحي (حزب ميركل)، وأعضاء من حزب اليسار، ونواب من حزب الخضر، وحتى قادة حزب "البديل من أجل ألمانيا" الشعبوي، إلى ضرورة حذو فرنسا في قرارها "الصحيح" ضد المنظمة، لما تمثله من تهديد لأمن ألمانيا.

4. إرسال رسالة أوروبية موحَّدة ضد الاستفزازات التركية: إذ يأتي التوجه نحو حَظْر المنظمة في إطار مساعي ألمانيا المستمرة لتوحيد الموقف الأوروبي في مختلف الملفات، ومن ثمَّ قد يُمثل القرار، في حال اتخاذه، رسالة حادة لأردوغان تُعبِّر عن اتخاذ أوروبا موقفاً موَّحداً وقوياً ضد سلوك تركيا الخارجي، وأن هذه الوحدة قد تنصرف إلى ملفات أخرى مثل مواجهة استفزازات تركيا في شرق المتوسط وتهديدها لأمن دوله.

سيناريوهات محتملة

من المؤكد أن اتخاذ الحكومة الألمانية قراراً بحظر منظمة "الذئاب الرمادية" سيؤدي إلى توتير العلاقات الألمانية/الأوروبية - التركية المضطربة أساساً نتيجة للنزاع في شرق المتوسط، فضلاً عن الدور التركي في الصراع الليبي، وغيرها. لكن اتخاذ هذا القرار قد يواجه تحديات من اللوبي التركي في ألمانيا، الذي يضم أكثر من 4 مليون تركي، الذي سيبذل كل جهد لمنع اتخاذ هذا القرار، خاصة أن النقاشات الجارية حالياً تميل إلى تأييد اتخاذه في وقت قريب. وقد كانت تصريحات أنقرة في أعقاب القرار الفرنسي بحظر المنظمة حادة بشكل واضح؛ إذ أكدت الخارجية التركية أنها "سترد بالمثل وبطريقة أشد على الإجراء الفرنسي"، وهو ما يشير إلى سيناريوهين محتملين:

السيناريو الأول، يتمثل في قيام أعضاء "الذئاب الرمادية" بأعمال عدائية خلال الفترة المقبلة، سواء في فرنسا أو في ألمانيا تجاه الأقليات الأرمينية أو الكردية أو غيرها، بما يؤدي إلى توتر الأوضاع الأمنية الداخلية في هذه البلدان، خاصة في ظل عدم وجود منظمات فرنسية أو ألمانية شبيهة في تركيا، بما يدفع نحو هذا الاحتمال. بيد أن هذا السيناريو سيؤكد ارتباط المنظمة بالنظام التركي وهو ما تنفيه تركيا التي تؤكد أن المنظمة "لا وجود لها" هناك. وبالفعل، فإن منظمة الذئاب الرمادية غير مسجلة رسمياً في تركيا، ومن ثمَّ فإن أي تحرك تركي عبر هذه المنظمة في ألمانيا أو فرنسا، سيُثبِّت هذا الارتباط بينها وبين الحكومة التركية.

من ناحية أخرى، فإن القيام بأية أعمال عدائية من جانب المنظمة، سيُسِّرع من حظر المنظمة على المستوى الأوروبي؛ إذ في الغالب ستستغل فرنسا وألمانيا نفوذهما داخل الاتحاد لتمرير قرار الحظر على المستوى الأوروبي وليس القومي فقط.

ويفترض السيناريو الثاني إمكانية قيام الذئاب الرمادية بتأسيس منظمة مجتمع مدني بديلة باسم مختلف، وتعمل تحت ستارها، وبحيث يتم تنظيم الأنشطة والفعاليات من خلالها، وإن كان بصورة أقل حدة حتى لا تلفت النظر إليها فيما بعد. وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض قيادات حزب اليسار الديمقراطي الألماني، طالبت الحكومة بإغلاق وتجريم الانتماء إلى منظمة ADUTDF الألمانية، التي بحسب رأيهم رغم اتخاذها تسميات تتعلق بالديمقراطية، إلا أنها فعلياً تقوم بنفس الأدوار التخريبية المناهضة للمُعارضين لتركيا في ألمانيا.

وبرغم رجاحة هذا السيناريو إلا أنه سيؤدي إلى تخلي "الذئاب الرمادية" عن العلامة التجارية المرتبطة بأنشطتها تجاه المعارضين الأتراك في ألمانيا، لكنه سُيبقي في النهاية على وجودها إذا استطاعت العمل تحت أعين المؤسسات الأمنية الألمانية.

خلاصة واستنتاجات

يعد قرار الحظر المحتمل لمنظمة "الذئاب الرمادية" التركية من جانب الحكومة الألمانية بمثابة خطوة نحو تقويض النفوذ التركي في ألمانيا خصوصاً وفي أوروبا عموماً، وقد سبقتها خطوات أخرى من قبيل التضييق على استقبال أئمة أتراك، والسعي نحو إنشاء معهد أوروبي لتكوين الأئمة.

 وبرغم عدم ظهور ردة فعل تركية ملموسة حتى الآن، وتتجاوز المعارضة الخطابية، على قرار الحظر الفرنسي، إلا أنه من المرجح أن تكون هناك حالة غضب تجاه قرار الحظر المحتمل من ألمانيا، ليس على مستوى النظام السياسي التركي فحسب، بل على مستوى أنصار النظام التركي في الداخل الألماني أيضاً؛ فبحسب المُشرِّعين الألمان، يوجد حوالي 11 ألف تركي ينتمون إلى منظمات اليمين المتطرف في ألمانيا، وهو ما ينبغي أن تتحسب له الأجهزة الأمنية داخل ألمانيا، عبر تكثيف الرقابة على أنشطة هؤلاء وتحركاتهم خلال الفترة المقبلة.

أحدث الإيجازات