سلاح الحوثيين وجهود التسوية السياسية في اليمن

مركز الإمارات للسياسات | 23 يوليو 2018

في آخر إحاطة تقدَّم بها المبعوث الأممي السابق لليمن إسماعيل ولد الشيخ، إلى مجلس الأمن (فبراير الماضي)، قال إنه «تبيَّن في نهاية المشاورات [مشاورات الكويت أبريل-أغسطس 2016] أن الحوثيين ليسوا مستعدين في هذه المرحلة لتقديم التنازلات في الشق الأمني أو الدخول لخطة أمنية جامعة». هذه الإحاطة أظهَرَت أن ملف أسلحة الحوثيين هو ما أفشل مشاورات الكويت، وقضى على الأمل في التوصُّل إلى حلٍّ سياسي يُنهي الحرب ويقود إلى سلام ممكن في اليمن؛ فقد رفض الحوثيون آنذاك التوقيع على الترتيبات الأمنية التي تشمل تسليم الأسلحة والانسحابات من المدن.

فما تأثير معضلة سلاح الحوثيين على جهود التسوية السياسية في اليمن، وما مدى استعدادهم لتقديم تنازلات جوهرية في هذا الملف على ضوء التطورات العسكرية والجهود السياسية الأخيرة للمبعوث الأممي الحالي مارتن غريفيث؟

عُقْدة السلاح: دروس من تجارب المفاوضات السابقة

في مواجهة الضغوط التي تُمَارَس على الحوثيين في ملف السلاح، يقولون عادةً بأنهم على استعداد لتسليم السلاح ولكنْ لحكومة يكونون جزءاً أساسياً فيها، وهذا يعني أن يتم الاتفاق أولاً على الترتيبات السياسية المتضمِّنة تشكيل حكومةٍ توافقية ومجلس رئاسي، قبل الشروع في تنفيذ أي إجراءات خاصة بتسليم السلاح.

وعلاوةً على ذلك، يتسبَّب ملف تسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة الواقعة في حوزة الحوثيين بتعقيدات إضافية لمسار التسوية السياسية بالنظر إلى الآتي:

  1. يضع الحوثيون ميليشياتهم المسلحة على قدم المساواة مع الجيش الرسمي التابع للحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، حيث يطالبونه هو الآخر - وليس فقط المجموعات المسلحة الموالية للحكومة الشرعية - بتسليم أسلحته الثقيلة للحكومة الانتقالية تحت إشراف اللجنة الأمنية والعسكرية العليا التي اقترح الحوثيون تشكيلها بالتوافق، وهذا الأمر ترفضه الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً لكونه يلغي الوجود القانوني للجيش التابع لها ويُساويه بالميليشيا.
  2. يُطالب الحوثيون بتبعيّة جميع الوحدات الأمنية والعسكرية للجنة الأمنية والعسكرية العليا وليس للحكومة الانتقالية، ما يجعل مهمة الحكومة في تسلُّم الأسلحة صعبة للغاية. ويأتي هذا المطلب تحسُّباً من الحوثيين لعدم حصولهم على تمثيل واسع في الحكومة الانتقالية، وخاصة الوزارات السيادية كالدفاع والداخلية.
  3. يربط الحوثيون ترتيبات تسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، جزئياً أو كلياً، بتنفيذ الشق السياسي من اتفاق التسوية بعد التوقيع عليه، وبمسار الحوار الوطني الذي سيُطلَق بين القوى اليمنية بخصوص الدستور وشكل الدولة والعدالة الانتقالية وغيرها. وهذا يعني أن أي تعثّر في تطبيق اتفاق التسوية يُمكن أن يُستخدَم كذريعة للاحتفاظ بالأسلحة، ومن ثمّ العودة بالأمور إلى نقطة الصفر.
  4. لا يُدرِج الحوثيون الصواريخ البالستية ضمن بند تسليم الأسلحة الثقيلة، فهذا السلاح "السيادي" باعتقادهم هو للردع والتوازُن الإقليمي، والتنازل عنه لا يخضع لتدابير تسليم الأسلحة بين الأطراف اليمنية، وإنما يرتبط بإنهاء الوجود العسكري لقوات التحالف العربي في اليمن، وإخراج اليمن من أحكام الفصل السابع في ميثاق الأمم المتحدة، وإنهاء الحصار.

جديد الموقف الحوثي من تسليم السلاح

لا يبدو أن "تسليم السلاح" واردٌ لدى قيادات جماعة الحوثي الممتلئة بأوهام النصر والتمكين الإلهي. وما انفكت المؤشرات تُؤكّد تمسُّك الحوثيين بالسلاح من خلال مقاربتهم "التقليدية" لهذا الملف، والقائمة على البدء بالترتيبات السياسية قبل الاتفاق على الإجراءات الأمنية المتضمنة تسليم الأسلحة، ومن تلك المؤشرات:

  1. تصريح الناطق الرسمي محمد عبد السلام (15 يونيو 2018) بأن «أي حديث يُطرَح في وسائل الإعلام عن مطالبات أو ضغوط غير صحيح وغير قابل للنقاش»، في إشارة إلى قضية تسليم أسلحة الجماعة، والتي نفى عبد السلام بوضوح تام أن يكون المبعوث الأممي قد طرحها في اللقاءات الأخيرة التي عقدها مع قياداتها.
  2. في مقابلة أجراها محمد علي الحوثي، رئيس ما يسمى اللجنة الثورية العليا، مطلع يوليو الجاري مع قناة "العالم" الفضائية الإيرانية، تَجَاهل موضوع تسليم جماعته للسلاح، مُفضِّلاً الحديث عن وَقْف تزويد دول التحالف العربي بالأسلحة، ومُعيداً التذكير بمبادرته التي توجَّه بها إلى الأمين العام للأمم المتحدة في فبراير الماضي، والتي خَلَت من بند تسليم الأسلحة تماماً.
  3. اعتبار الحوثيين أن مطالب الحكومة الشرعية بانسحاب الحوثيين من الحُديدة وتسليمهم الأسلحة تأتي ضمن "الشروط المسبقة" التي تُعَقّد استئناف المفاوضات، وهذا ما عبَّر عنه مهدي المشاط، رئيس ما يسمى المجلس السياسي الأعلى، في لقائه مع المبعوث الأممي مارتن غريفيث في صنعاء (3 يوليو 2018).

السلاح كمعضلة مؤجَّلة في جهود المبعوث الأممي

لا يُعتَقد حتى الآن أن المبعوث الأممي قد أدار نقاشاً جدياً حول قضية تسليم الأسلحة مع القيادات الحوثية التي الْتقاها في صنعاء ومسقط خلال الأسابيع القليلة الماضية، لكنه قد يكون في طريقه إلى ذلك في حال ظهَرت مؤشرات أقوى على نجاح انعقاد المفاوضات المباشرة خلال الأسابيع المقبلة، وفي حال تمكَّن أيضاً من إحراز اختراق إيجابي في الملفات الخاصة ببناء الثقة بين الطرفين كتبادُل الأسرى، والتوصُّل إلى وَقْف مبدئي لإطلاق النار، وإنهاء التوتر القائم في الحُديدة.

ولا يبدو أن المبعوث الأممي ينطلق في جهوده الحالية لاستئناف المفاوضات من ملف تسليم الأسلحة، وذلك بالنظر إلى تعقيداته الشديدة، إذ إن جميع الأطراف عند تعاطيها مع المقترحات الأممية الخاصة بالمسائل الأخرى تأخذ في الحسبان موضوع الأسلحة، فالحكومة اليمنية لا تنفك تُكرِّر في كل مناسبة أولوية تسليم الحوثيين أسلحتهم، بينما يبعث الحوثيون في المقابل بإشارات تفيد بأن موضوع السلاح غير قابل للنقاش. وهكذا يبدو ملف تسليم الأسلحة غير قابل للتحييد لمصلحة بناء الثقة أولاً كما يأمل المبعوث الأممي، ما يُحتِّم عليه العمل على طرْح حزمة من الأفكار الجزئية والعمَلية التي قد تساعد في تليين أطروحات الطرفين حول موضوع السلاح، ربما بالاعتماد على الفكرة الإطارية ذاتها التي عَمِل عليها سلفُه ولد الشيخ، والتي تقول بالتزامنية بين الترتيبات السياسية والإجراءات الأمنية.

ما الذي يُمْكِن للحوثيين قبولَه في موضوع السلاح؟

يتعاطى الحوثيون بقدر كبير من اللامبالاة تجاه موضوع السلاح، وفي آخِر خطاب لزعيمهم عبدالملك الحوثي بذكرى "الصرخة" (13 يوليو)، قال إنه لا يُعوِّل على الجهود الأممية التي يبذلها المبعوث الأممي غريفيث؛ ما يعني أن الجماعة تُعفي نفسَها مسبقاً من الانخراط بمقترحات إيجابية في مفاوضات حقيقية تقود إلى حلول جيدة لجميع الأطراف في مسألة السلاح وغيرها من المسائل الشائكة.

ومع ذلك، تُمْكن الإشارة إلى أفكار الحد الأدنى التي يُمْكن للحوثيين قبولها في موضوع السلاح كخيار اضطراري، سواء في المفاوضات القريبة المحتمَلة المشكوك كثيراً في انعقادها رغم الجهود المتواصلة التي يبذلها المبعوث الأممي، أو في المستقبل، وأهمها:

  1. إمكانية القبول بتنفيذ انسحابات من مناطق محدودة (لكنها قابلة للاتّساع) مع الاحتفاظ بالأسلحة الثقيلة، كخطوة مرحلية يجري التقدُّم فيها بالتوازي مع النجاح في تشكيل الحكومة والترتيبات السياسية المتَّفَق عليها الخاصة بالرئاسة.
  2. إنشاء لجنة عسكرية من مستقلين وممثِّلين للأطراف، مهمتها تسلُّم الأسلحة من اللجان الشعبية والثورية التابعة للحوثيين، مع استثناء قوات الجيش اليمني السابق الموالية لهم والتابعة لوزارة الدفاع في صنعاء؛ إذ سيُصر الحوثيون في الحد الأدنى على معاملة تلك القوات أسوةً بالقوات التابعة للحكومة المعترف بها دولياً من حيث عدم مطالبتها بتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة.
  3. رَبْط التسليم التدريجي للأسلحة الثقيلة بخطوات فعلية لإعادة هيكلة الجيش، بحيث تُدمَج فيه اللجان الشعبية الحوثية، وتعيين قيادات موالية للحوثيين في مناصب عسكرية.
  4. تسليم جميع الفصائل المسلحة اليمنية أسلحتها الثقيلة إلى اللجنة العسكرية، تمهيداً لحلِّها.
  5. رَبْط تسليم الصواريخ الباليستية بإعلان إنهاء الحرب والعمليات العسكرية، مع ضمان عدم تفكيكها أو إخراجها من الخدمة في الجيش اليمني.
  6. ضمان شكل من المصالحة يكفل عدم محاسبة مقاتليهم عن أعمال قتالية أو انتهاكات ارتكبوها.

وإجمالاً، فإن هذا النوع من التسوية لموضوع السلاح ليس فقط غير مثالي بالنسبة للحوثيين، وإنما أيضاً غير واقعي بالنظر إلى عدم ثقتهم بالأطراف الأخرى وحتى بالمجتمع الدولي والأمم المتحدة، وبالنظر أيضاً إلى أن الدخول فيه من دون ثمن كبير تحصل عليه الجماعة قد يكون أشبه بالانتحار السياسي، لأنه سيعني انفضاض الكثير من مقاتليها عنها، وخسارتها خطاب الحرب و"العدوان" الذي تُجيد توظيفه في التعبئة؛ لذلك من المرجَّح أن يعمل الحوثيون قدر المستطاع على تجَنُّب مثل هذه التسوية لموضوع السلاح.

أما الحالة التي قد يضطرون فيها للقبول بمثل هذه التسوية، فلا يُمْكِن تصوُّرها إلا في سياق واقعٍ عسكري ميداني غير مُوات بالنسبة إليهم، مُقترنٌ بانقسامات سياسية تشهدها جماعتهم، ودور إقليمي بنَّاء، ومفاوضات تُقدِّم فيها الأطراف الأخرى تنازلات جوهرية، وهذا بطبيعة الحال ما لا يتوفَّر للمفاوضات المؤمَّل عقدها في المدى القريب.

 

أحدث الإيجازات