باتت مصر على أعتاب انتخابات برلمانية من المقرر أن تُجرى على مرحلتين، تبدأ أولاهما في الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر الجاري، وتنتهي الثانية في الأسبوع الثاني من ديسمبر المقبل. وحالياً، أغلق باب الترشيح، وبدأت الدعاية الانتخابية للمترشحين، وأصبح الكل داخل الملعب مرشحين (أغلبهم من المُستقلين) وناخبين، وبينهما مَنْ يُدير المباراة وهي الهيئة الوطنية للانتخابات.

والمُستقلون هُم غير المُتحزِّبين؛ بعضهم وُجِدَ هكذا، وبعضهم لم يطِق الاستمرار في التحزُّب. والاستقلالُ عن الأحزاب عامةً سمةٌ لغالبية المجتمعات في النُّظم السياسية على اختلافها، لكنها ظاهرة تتباين نسبتها وأسبابها من نظام سياسي إلى آخر. وفي مصر دائماً ما تُناقَش هذه الظاهرة في مناسبتين موضوعية ووقتية؛ المناسبة الموضوعية تأتي عند الحديث عن الأحزاب السياسية، والمناسبة الوقتية تأتي عند كل انتخابات برلمانية.

حجم ظاهرة "المستقلين" وتطورها

في انتخابات هذا العام يتنافس وفقاً للبيانات الواردة على الموقع الإلكتروني للهيئة الوطنية للانتخابات 4532 مرشحاً أصلياً (لأن القوائم تُرشِّح أناساً احتياطيين)، منهم 568 مترشحاً على مقاعد القوائم المطلقة، ولها نصف عدد المقاعد المنتخبة لمجلس النواب (وعددها 284 مقعداً) وغالبية هؤلاء من الحزبيين. ومنهم أيضاً 3964 مرشحاً على المقاعد الفردية، ولها نصف عدد المقاعد المنتخبة للمجلس، منهم 3097 مرشحاً مُستقلاً، والباقي وعددهم 867 مترشحاً عن الأحزاب، وبذلك يُشكِّل المستقلون زهاء 78% من المقاعد الفردية، و68% من جميع المقاعد المرشحة الأصلية.

وبمقارنة تلك الأرقام بما كان عليه الحال في الانتخابات الماضية، يلاحظ أن عدد المترشحين في انتخابات 2000 التي جرت بالنظام الأغلبي عبر الأسلوب الفردي لبرلمان عدد نوابه المنتخبين 444 نائباً، كان 3957 مترشحاً منهم 923 حزبياً. وفي انتخابات 2005 التي جرت بذات الأسلوب وذات المقاعد، كان عدد المترشحين 5177 منهم 4423 مُستقلاً. وفي انتخابات 2010 التي جرت بذات الأسلوب لعدد 508 مقعداً، كان عدد المرشحين 5411 مرشحاً، منهم نحو 600 مرشحاً حزبياً. وفي انتخابات 11/2012 التي جرت بنظام المقعد الفردي بنسبة الثلث (أي 166 مقعداً)، والقوائم النسبية بنسبة الثلثين (أي 332 مقعداً)، كان عدد المرشحين 10251 مرشحاً، منهم 6154 ترشّحوا على مقاعد المستقلين. ورغم أن العدد الأخير شمل مرشحين حزبيين ترشحوا على المقاعد الفردية، إلا أن الرقم أشار إلى ارتفاع معدل التنافس على المقعد الفردي بشكل غير مسبوق، إذ تنافس على المقعد الواحد في المتوسط 37 مرشحاً. أما الانتخابات الأخيرة التي جرت عام 2015، وكانت بالنظام الأغلبي بنسبة 79% من جملة المقاعد بالأسلوب الفردي، فقد تنافس على تلك المقاعد البالغ عددها 448 مقعداً منتخباً من إجمالي المقاعد المنتخبة البالغ عددها 568 مقعداً، عدد 5876 مترشحاً منهم 5441 مترشحاً من المستقلين، ما أشار إلى انخفاض كبير في معدل التنافس على المقعد الواحد، وأن ثمة ضعفاً كبيراً في المشاركة مقارنة بانتخابات 11/2012.

ومن الأرقام سالفة الذكر يتبيَّن أن المستقلين هم الرقم الرئيس في عملية الترشُّح للانتخابات البرلمانية في مصر، مع الاختلاف في درجة الأهمية وفقاً للعديد من الاعتبارات، أهمها: طبيعة النظم الانتخابي، ومناخ إجراء الانتخابات من الناحيتين السياسية والقانونية، بمعنى مناخ الحريات السائد، ومسألة الإنفتاح أو الإتاحة القانونية.   

أسباب تضخُّم ظاهرة المرشَّحين المستقلين

تقودنا الأرقام والإحصائيات سالفة الذكر إلى طرح سؤال حول الأسباب والعوامل التي جعلت المستقلين في السباق الانتخابي الراهن يحتلون النسبة الأكبر من عدد المشاركين في الترشيح للانتخابات. ولعل أهم الأسباب والعوامل لذلك يتمثل في الآتي:

  • يُعدّ العمل في المجال السياسي في مصر من الأعمال غير المُفضَّلة وغير المرغوب فيها، ورغم أن الاهتمام بالسياسة والشأن العام مفتوحين للتعبير عنهما بدرجات تتباين بتباين النظم السياسية المتعاقبة، إلا أنه على العموم اهتمام غير منظم وغير مؤطر في شكل انضمام لأحزاب وقوى سياسية معترف بها.
  • تربَّى الشعب المصري واعتادَ منذ مطلع القرن الماضي، على عدم رغبة السلطة في انغماسه في الشأن السياسي. ففي الحقبة الملكية، كان العمل بالسياسة مرتبطاً لدى السلطة أما بالعمل مع الملك وعدم العداء للاحتلال أو معارضة أحدهما أو كلاهما. وعقب ذلك كانت الحقبة الناصرية قد سلَّمت بأنه لا عمل بالشأن السياسي قبل جلاء الاحتلال. ورغم عودة الأحزاب السياسية للعمل عام 1976، إلا أن تلك الحقبة سادها مناخٌ كارهٌ لدى الناس بعدم استحباب السلطة مشاركتهم في العمل السياسي، وبالطبع كانت الأحزاب أهم أداته. وقد كرَّست أعمال الدراما السينمائية المصرية كل ما سبق، حتى أصبح تكرار بث تلك الأعمال وإعادتها، نوعاً من التذكير بأن السلامة هي في البُعْد عن النشاط السياسي.
  • تتسم الحياة في مصر بوجود العديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة عادة بمشكلات التعليم وأزمات الصحة وارتفاع أسعار السلع والخدمات وقلة الدخول...إلخ. وكل هذه الأمور أدت إلى تركيز اهتمام الناس على أولوية العمل على سد حاجاتهم اليومية، واعتبار العمل السياسي من ثمَّ نوعاً من الرفاهية.
  • أدت رؤية الناس في مصر للخلافات المستمرة داخل الأحزاب السياسية، وأزمات الديمقراطية داخلها، والتطاحن بين قياداتها على المواقع الحزبية، إلى نفور الكثير منهم عن المشاركة في عضوية الأحزاب، وتفضيل الاتجاهات المستقلِّة البعيدة عن التحزُّب.
  • يعد النظام الأغلبي في الانتخابات (50%+1)، وهو النظام الذي ساد العمل الانتخابي في مصر منذ تأسيس مجلس شورى النواب في عام 1866، باستثناء سنوات قليلة، واحداً من أهم أسباب عزوف عموم المصريين عن المشاركة في الأحزاب. فهذا النظام أدى إلى جعل رغبة المصريين في المشاركة في الترشيح في الانتخابات مُتاحة دون حاجة للمشاركة في الأحزاب والمكونات السياسية.
  • ساد بين المصريين في العقود القليلة الماضية رغبة في المشاركة في الترشيح لعضوية البرلمان، واعتبر البعض أن تلك العضوية كسباً لهم في مواجهة خصومهم من العائلات والقبائل، ودعماً للوجاهة الاجتماعية، وذوداً عن نفوذهم الاقتصادي المستشري بنفوذ سياسي يستطيع التغطية عليه وإكسابه قوة.

وإذن، فلكل الأسباب السالفة الذكر كان المُستقلّون المرشحون هم الغالبية، والمُتحزِّبون المترشحون هم الأقلية.

الانعكاسات المتوقعة على المشهدين الانتخابي والبرلماني

تشهد مصر اليوم انتخابات برلمانية لتمثيل المصالح الضيقة والدوائر والجهويات، أكثر من كون الأمر عبارة عن تمثيل للأمة المصرية عامةً، ما يجعل الناخب يتجه لمرشحه الذي يتوسم فيه تقديم الخدمات الشخصية والجهوية. والمؤكد أن هذا الأمر سيؤثر على تشكيل مجلس النواب، حيث تكون الأحزاب في المجلس (بوصفها كياناتٍ وليس كياناً واحداً) مجرد رقم ضمن أرقام، وليست إطاراً منمقَّاً لعمل برلماني منظم ويُمكِن التَّعويل عليه.

وأمرٌ كهذا يُلاحَظ منذ الآن؛ فمثلاً تعد القوائم التي أسستها اليوم قوى حزبية وسياسية مجرد تجمعات انتخابية لقوى متعددة الأطياف، ستنفرط بمجرد فوزها أو خسارتها للانتخابات، ما يجعل العمل البرلماني مُعتمِداً بقدرٍ ما على النواب المستقلين، الذين كانوا نتاجاً لانتخابات غير حزبية. وقد دلَّ على ذلك نسبة المستقلين المرتفعة في ترشيحات الشق الفردي على مستوى كل المحافظات المصرية السبعة والعشرين، إذ احتل هؤلاء نسب السبعينات في ترشيحات محافظتي الوادي الجديد، وأسوان (62,5%، و69% على التوالي)، ونسب الثمانينات في ترشيحات محافظات أسيوط (77,9%)، والإسكندرية (76,7%)، والإسماعيلية (79,6%)، والأقصر (78,7%)، والبحر الأحمر (71%)، والبحيرة (77,1%)، والشرقية (73,6%)، والفيوم (70%)، والقاهرة (77,1%)، والمنيا (71,7%)، وبني سويف (74,7%)، وسوهاج (71,8%)، وشمال سيناء (71%) وقنا (72,5%)، ومطروح (77,8%)، ونسب التسعينات في ترشيحات محافظات الجيزة (80,6%)، والدقهلية (84%)، والسويس (85,3%)، والغربية (82,4%)، والقليوبية (84,3%)، والمنوفية (83,9%)، وبورسعيد (80%)، وجنوب سيناء (80%)، ودمياط (86,4%)، وكفر الشيخ (81,3%).

وكل ما سبق يُشير إلى أن المستقلين سيحتلون نسبة معتبرة في البرلمان المقبل. ومع أن الأحزاب والقوى السياسية التي تمتلك في الشق الفردي 867 مترشحاً من إجمالي 3964 مرشحاً هي قوى مُنظَّمة، إلا أن ضعف الأحزاب في مصر لا يَشي بتنظيم جيّد يُحقق لها الغلبة بالضرورة في هذا الجانب. لكن - وهنا المهم - إذا ما أُضيف للشق الفردي شق القوائم الذي تمتلك فيه الأحزاب الأغلبية الكبيرة في الترشيحات، فالأرجح أن يحتل المستقلون ما يقرُب مِن 50% مِن إجمالي المقاعد المنتخبة.

وواقع أن استحواذ المستقلين على قرابة نصف مقاعد المجلس النيابي المقبل قد يعتبره البعض أمراً مُقلِقاً للحكومة المصرية، لكنه على الأرجح لن يكون كذلك، لأن تلك الفئة غير مُنظَّمة وغير مُتكتِّلة، كما أنها تهتم عادةً بدوائرها الضيقة ومصالحها الخاصة. وأخيراً، سيُدرِك أغلب المنضوين تحتها - كما حدث في المجلس الحالي - أنه لا مصلحة لهم في مُعارضة السلطة التنفيذية على طول الخط، ولذلك من المتوقع أن يكون البرلمان المقبل أكثر تعاوناً مع السلطة التنفيذية مقارنةً بسابقه.

كيف لهذا الوضع أن يتغيَّر؟

إن إحدى وسائل علاج ظاهرة المستقلين في مصر، تتمثل في العمل على تشجيع عموم المواطنين المصريين على الانضمام للأحزاب السياسية قبل الانتخابات، بدلاً من الركض خلفهم لتشكيلها - أو الانضمام للقائم منها - من قِبَل الفائزين بعد تأليف البرلمان. ولعلّ من أهم العوامل التي ستؤدي إلى إنعاش العمل الحزبي في مصر هو عودة نظام القوائم النسبية الحزبية، والتي تُجبِر المواطنين على الانضمام للأحزاب للمشاركة في الانتخابات.

ومن ناحية أخرى، يُعد اهتمام الدولة المصرية بالأحزاب قولًا وفعلًا، من أهم سُبُل جَذْب عموم المصريين إلى الأحزاب. وهنا يجب التذكير بأن اهتمام الدولة بالشأنين السياسي والحزبي وعلى نحوٍ يُماثِل اهتمامها بالشأن الاجتماعي الانتخابي، عبر اهتمامها بالكوتات المتصلة بالجندر وأصحاب الهِمم (ذوي الإعاقة) والشباب وغيرهم، يُعد واحداً من أهم أشكال جَذْب المواطنين المصريين إلى الأحزاب.

وأخيراً، فإن إعادة تنظيم الأحزاب السياسية المصرية من داخلها، سيكون كفيلاً بأن تُشكِّل مصدر جذبٍ شعبي عوضاً عن التصارع والتطاحن الذي خلَّف مناخ السلبية والعزوف الراهن.

أحدث الإيجازات