على الرغم من النجاحات الملموسة التي حققها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على صعيد السياستين الداخلية والخارجية منذ تسلمه السلطة في ابريل 2018، والتي تكللت بحصوله على جائزة نوبل للسلام في 2019، إلا أنه ما يزال يواجه العديد من التحديات التي يُمثِّل بعضها تهديداً مباشراً لاستمراريته ومستقبله في الحكم، فضلاً عن زعزعة استقرار الدولة الإثيوبية نفسها؛ لاسيما مع اقتراب عقد الانتخابات البرلمانية في البلاد في أغسطس 2020، وما يرتبط بها من ترتيبات ومساعي لإعادة تشكيل موازين القوى الراهنة في الداخل الإثيوبي، ما جعل المشهد يكتسي مزيداً من الغموض حول مستقبل السلطة الحاكمة في أديس أبابا، وآفاق عملية التغيير السياسي وحدودها هناك.

ترتيبات وتفاعلات ما قبل الانتخابات

في خطوة باتجاه إعادة تفكيك توازنات القوى الراهنة في إثيوبيا، أعلن رئيس الحكومة آبي أحمد في نهاية نوفمبر الماضي (2019) عن ميلاد حزب الرخاء (أو الازدهار)، والذي جاء تشكيله على أنقاض الجبهة الديموقراطية الثورية الحاكمة. وكان آبي أحمد قد اقترح دمج الأحزاب الأربعة المكونة للائتلاف الحاكم في حزب واحد يقوم على مفهوم المواطنة ويتجاوز حدود الانقسامات العرقية، وهو ما تبعهُ بالفعل توقيع ثلاثة أحزاب من رباعي الإئتلاف الحاكم على وثيقة إعلان ميلاد الحزب الجديد. وتمثل هذه الأحزاب الثلاثة، وهي المنظمة الديموقراطية لشعوب الأورومو وحركة الأمهرة الديموقراطية الوطنية والجبهة الديموقراطية لشعوب جنوب إثيوبيا، حوالي 70% من إجمالي سكان إثيوبيا.

في المقابل، عارضت الجبهة الشعبية لتحرير التيجراي فكرة الحزب الواحد ورفضت الانضمام له على غرار بقية أطراف الائتلاف الحاكم. لكن المعارضة لم تقتصر على التيجراي فقط، إذ أعلن بعض الشخصيات الإثيوبية المهمة عن رفضها للحزب الجديد، لعل أبرزها وزير الدفاع ليما ميغيرسا.

واقعياً، ثمة إشكاليات عديدة تطرحها الممارسة العملية للطرح الذي يفرزه الحزب الجديد، يتعلق بعضها بالقدرة على استيعاب نخب الأقاليم ذات النفوذ في إطار فلسفة "ميديمر" التي يتبناها آبي أحمد والتي تعني الوحدة والتآزر باللغة الأمهرية. بينما يتعلق البعض الآخر بتنامي مشاعر الغضب إزاء آبي أحمد داخل قومية الأورومو التي ينتمي إليها، والتي ترى أنه لم يُعالِج بنجاح المشكلات المرتبطة بها حتى الآن، فضلاً عن قومية التيجراي التي ترفض سياساته وتسعى للإطاحه به، وتزداد المواقف حدةً بعد خروج حزب التيجراي من الائتلاف الحاكم. [1]

وفيما يرتبط بأحزاب المعارضة الإثيوبية، يلاحظ وجود حالة من الحراك والسيولة باتت تغلب عليها، فبعد رفض المعارضة للتعديلات التي أقرَّها البرلمان في أغسطس 2019 والخاصة بفرض مزيد من القيود على تشكيل الأحزاب السياسية بزيادة عدد التوقيعات المطلوبة لتسجيل الحزب، شَرَعت الأحزاب المعارضة هي الأخرى في تشكيل تحالفات استعداداً للانتخابات العامة المقبلة، على غرار ائتلاف "الحزب الديمقراطي الإثيوبي الموحد" الذي تم الإعلان عنه في مايو 2019 ويضم خمسة أحزاب هي المجلس الانتقالي الوطني، وحركة الشعوب الإثيوبية، وحزب الفصح الإثيوبي الديموقراطي "توسا"، واتحاد شعوب أومو الديموقراطي، وحركة نجوم جنوب الخضراء الديموقراطية. كما توصلت مجموعة حزبية مُعارِضة إلى تشكيل تحالف جديد تحت مسمى "حزب المواطنين الإثيوبيين من أجل العدالة الاجتماعية" والذي يقوده برهانو نغا زعيم حركة "قنبوت بات"، ويضم هذا التحالف عدداً من الأحزاب هي حزب الأزرق، وحزب الجيل الجديد، وحزب جامبيلا، وحزب الوحدة من أجل الديمقراطية والعدالة، وحزب عموم إثيوبيا، بالإضافة لحركة قنبوت سبات. ويعكس كل ذلك مدى تشرذم قوى المعارضة الإثيوبية في إطار تحالفات متناثرة تزيد من تفتت الأصوات فيما بينها. [2]

لكن، يبقى موقف جوهر محمد هو الأفضل بين المعارضة الإثيوبية، بل بات يمثل تهديداً لاستمرارية آبي أحمد، ويعتمد جوهر بالأساس على تمثيل مصالح عرقية واحدة (الأورومو) مقابل طرح آبي أحمد مفهوم المواطنة لحشد أكبر كتلة شعبية ممكنة. ويتمتع جوهر محمد بدعم كبير داخل قومية الأورومو، باعتباره قائد الاحتجاجات التي تمكنت من إنهاء حكم "هايلي مريام ديسالين" وأتت بعد ذلك بآبي أحمد للحكم. وقد زادت الخصومة بين الرجلين عقب تصريحات آبي أحمد في البرلمان، في أكتوبر 2019، والتي انتقد فيها حرية الإعلام ودور جوهر في هذا الإطار من دون أن يُسمّيه، ومن ثمَّ سَحْب الحراسة الشخصية لجوهر، وهي خطوةٌ تسبَّبت في تزايد حدة الغضب في منطقة أوروميا ودفعت أنصار جوهر للخروج إلى الشوارع للتنديد بممارسات آبي أحمد، وخلَّفت تلك الاحتجاجات حصيلة ثقيلة بلغت حوالي 70 قتيلاً وفقاً للشرطة الإثيوبية.[3]

ومن بين الإشكاليات التي بات على آبي أحمد مواجهتها، إصرار جبهة تحرير شعب تيجراي على مواصلة تبنِّي النموذج الاقتصادي الموجَّه مركزياً، لذا فقد جعلت من إنقاذ الترتيب الدستوري الاتحادي المحور الرئيس لمساعيها. ورداً على خطوة تشكيل حزب الرخاء، عقدت جبهة التيجراي مؤتمراً للقوى المؤيدة للفيدرالية، في خطوة أولية نحو تشكيل ائتلاف فيدرالي بديلاً للحزب الجديد.

علاوةً على ذلك، فإن ثمة عراقيل أخرى قد تُهدِّد الخروج السلمي للأحزاب الثلاثة في الائتلاف الحاكم، والذين أعلنوا الانضمام للحزب الجديد لآبي أحمد، من بينها الانقسام الراهن داخل قيادة الأورومو بين أولئك الذين يؤمنون بخطاب آبي أحمد مقابل من يتمسَّكون بالخطاب القومي القديم.

سيناريوهات محتملة

استناداً للمعطيات الراهنة في السياق الإثيوبي العام، بالإمكان طرح أربعة سيناريوهات محتملة للانتخابات البرلمانية المقبلة، وذلك على النحو الآتي:

  • السيناريو الأول، فوز حزب آبي أحمد الجديد بالأغلبية في البرلمان، وهو ما يعني بداية تثبيت أركان حكم آبي أحمد في إثيوبيا، والسيطرة على جميع مفاصل الدولة، وسيُعزِّز ذلك الدعم الخارجي لسلطته.
  • السيناريو الثاني، عدم حصول أي طرفٍ على أغلبية تُمكِّنه من تشكيل الحكومة بمفرده، وهو السيناريو الذي سيفتح المجال أمام مزيد من الصراعات الداخلية التي قد تُنذِر - في حال خروجها عن حدود المنافسة السياسية - بالانسياق إلى مواجهات مسلحة.
  • السيناريو الثالث، فوز جوهر محمد والمعارضة بالأغلبية البرلمانية. وعلى الرغم من ضعف احتمالات هذا السيناريو، لكنه يبقى قائماً، خاصةً مع تزايد المعارضة لآبي أحمد من أطراف متنوعة من بينها قائد الجيش الإثيوبي، فضلاً عن عرقية الأورومو نفسها التي ينتمي إليها آبي أحمد. ويمكن أن تتزايد فرص تحقُّق هذا السيناريو في حال حدوث توافق بين جوهر محمد وأحزاب المعارضة وجبهة التيجراي، ما سيؤدي إلى خلق مشهد سياسي جديد في إثيوبيا، بيد أن هذا الأمر قد يكون محدوداً أيضاً بمواقف القوى الدولية والإقليمية الفاعلة، والتي لا تزال تُبدي ميلاً لدعم آبي أحمد.
  • السيناريو الرابع، تأجيل الانتخابات إلى أجل غير محدد. وهو السيناريو الأسوأ، إذ قد يُعزِّز من احتمالات التحول إلى مسار الصراع المسلح والحرب الأهلية غير معلومة النتائج.

خلاصة واستنتاجات

يواجه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد العديد من التحديات الداخلية في ظل حالة السيولة الأمنية الراهنة، يتمثل أبرزها في الصراعات العرقية التي باتت تهدد وحدة وسلامة الدولة ككل، فضلاً عن تصاعد الدعوات الانفصالية والإرهاب الحدودي.

وفي هذا السياق المُلبَّد بالاضطرابات، تتزايد حدة المنافسة الداخلية لآبي أحمد في الانتخابات البرلمانية المقبلة، خاصة مع الانتقادات الموجَّهة لسياساتهِ الخاصة بمواجهة الفساد والتي تم اعتبارها محاولة لإقصاء قومية التيجراي من مفاصل الدولة، في الوقت الذي لم تعد شعبية آبي أحمد كما كانت بين قوميته الأورومو، والتي يبدو أنه فَقَدَ نسبة كبيرة من دعمها لصالح منافسه جوهر محمد، لاسيما في ظل محاولاته الرامية إلى تأسيس نظام مركزي عبر تأسيس حزب حاكم واحد؛ ومن ثمَّ أصبح الاختيار بين الحفاظ على الفيدرالية العرقية من خلال جوهر أو القضاء عليها بدعوى المواطنة في ظل حكم مركزي يتولاهُ آبي أحمد وحزبه الجديد هو عنوان المواجهة بين الطرفين.

وفي شكل عام، يبدو أن الطرح الخاص بالحزب الواحد لا يُقدِّم معنى مختلفاً عندما يتبنَّى قاعدة التمثيل، ويبقى التحدي قائماً في حال فَقَدَت عملية التغيير النضج الكافي بما يضمن الحيلولة دون تهديد بقاء الدولة الإثيوبية، خاصةً في ظل الانقسامات المُتجذِّرة داخل الجبهة الثورية، ومع انحدار آبي أحمد من خارج الكتلة التاريخية للحبشة، يُصبِح هذا عبئاً إضافياً على الاندماج القومي، في ظل وعي تام بالاختلافات السياسية والاجتماعية. وبالتالي، فإن قيام النظام الجديد على أساس التمثيل النسبي قد لا يُعالِج التفاوت في تمثيل القوميات الإثيوبية في المواقع التنفيذية، حيث تظل جماعات الأكثرية مُهيمنةً على المناصب العليا، وبهذا المعنى، فإن التحول إلى حزب واحد قد لا يساعد على تسوية معضلات التكامل القومي في إثيوبيا على المدى المنظور.

هوامش

[1]  حمدي عبد الرحمن، "دراما التحوُّل في إثيوبيا: رؤيتان من الداخل"، قراءات إفريقية، 3 ديسمبر 2019، متاح على: https://bit.ly/37FuZrO

[2]  أحمد عسكر، "الداخل المضطرب: الولاية الثانية ومستقبل آبي أحمد في الحكم"، قراءات إفريقية، 22 أكتوبر 2019، متاح على: https://bit.ly/2u3bT1a

[3]  رحمة حسن، "دلالات إعلان جوهر محمد ترشحه، وفرص آبي أحمد في انتخابات 2020"، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، 21 نوفمبر 2019. متاح على: https://bit.ly/2SUZIfn

 

أحدث الإيجازات