أنهى الاتفاق الأخير بين مُنتجي النفط الأساسيين في العالم أزمة داخل أسواق الطاقة استدعت تدخلاً فاعلاً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لوقف ما عرف بحرب الانتاج والأسعار بين السعودية وروسيا. وقد سببت هذه الأزمة انخفاضاً في أسعار النفط بنسبة 40 بالمائة منذ أوائل مارس 2020، عندما فشلت السعودية وروسيا في الاتفاق على خطة طارئة لمعالجة وفرة الإمدادات داخل مجموعة "أوبك+".

وفيما بدت تلك الحرب نتاج تباين في نظرة موسكو والرياض إلى القطاع النفطي وتناقض في مصالح البلدين في ظل تراجع عجلة الاقتصاد بسبب جائحة كورونا، تأثرت صناعة النفط الصخري في الولايات المتحدة على نحو مباشر، ما دفع البيت الأبيض إلى اعتبار أن الأزمة ليست عرضية، بل باتت تهدد بالإطاحة بمئات الآلاف من الوظائف داخل هذا القطاع الأمريكي الواعد في صناعة الطاقة، كما تلقي بتداعيات مُقلِقَة على حملة ترامب للانتخابات الرئاسية في نوفمبر المقبل.

لاعبون قُدامى وتفاهمات جديدة

استطاع تدخل الرئيس الأمريكي والتواصل الذي أجراه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع الرئيس ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى بناء تفاهمات أُبرِمَت في 12 أبريل الجاري لضبط أسواق النفط من جديد، ونجح تدخل البيت الأبيض في إنتاج تسوية تلتزم بموجبها المكسيك بتلك التفاهمات. وبموجب الاتفاق، ستُخفِّض المكسيك إنتاجها بمقدار 100 ألف برميل في اليوم، أي أقلّ من الالتزام بـ 250 إلى 300 ألف برميل، والذي كانت السعودية تُطالِب به.

وتُلزِم حصيلة ما تم التوصل إليه 23 دولة بحجب 9.7 مليون برميل يومياً من النفط عن الأسواق العالمية. وتهدف الصفقة، التي تعالج وفرة النفط المتزايدة الناتجة عن تآكل الطلب جراء أزمة كورونا، إلى حجب كمية قياسية من النفط الخام عن الأسواق تقدر بأكثر من 13 بالمائة من الإنتاج العالمي.

ويمثل الاتفاق خسارة لرهانات الرئيس بوتين على تحقيق اختراق انتهازي لصالح صناعة النفط الروسية داخل الأسواق، سواء من خلال إغرائها بغزارة الإنتاج الروسي والاستحواذ على مزيد من الأسواق التي تنشط داخلها تقليدياً دول منتجة، بما فيها السعودية، أو من خلال توجيه ضربة موجعة لصناعة النفط الصخري في الولايات المتحدة التي باتت شريكا متقدماً ينافس الدول الكبيرة المنتجة للنفط التقليدي.

وفيما جادل بعض مُراقبي أسواق النفط، لاسيما في الولايات المتحدة، بأن الرياض شريكة مع موسكو في إغراق الأسواق من خلال انخراطها في حرب الإنتاج مع روسيا، تولى مُشرِّعون أمريكيون شنّ حملة ضد الرياض واتهامها بعدم احترام عقود من التحالف التاريخي مع واشنطن (فعلى سبيل المثال، قال السيناتور كيفين كريمر، الجمهوري عن ولاية داكوتا الشمالية، "إن هذه ليست الطريقة التي يتعامل بها الأصدقاء مع الأصدقاء"). غير أن خبراء في شؤون الطاقة يرون أن السعودية تعاملت مع صناعة النفط الصخري الأمريكي بصفتها أمراً واقعاً تعايشت معه، وحرصت في السنوات الأخيرة على الدفاع عن نقطة توازن في أسعار النفط تحمي مصالح صناعة النفط السعودي، ولا تسبب في الوقت نفسه ضرراً كبيراً لصناعة النفط الصخري في الولايات المتحدة.

ويخلص الخبراء إلى أن السعودية ذهبت بعيداً في الرد على موقف روسيا التي رفضت اتفاقاً لخفض الإنتاج داخل "أوبك+" أوائل مارس الماضي (2020)، حين رفعت معدل إنتاجها إلى 13 مليون برميل، مع ما يسببه ذلك من خفض كبير للأسعار، وأن القرار السعودي كان السلاح الوحيد للدفاع عن حصص المملكة التاريخية في أسواق الاستهلاك من جهة، ولممارسة أقصى الضغوط على روسيا من جهة ثانية، ما سهّل مسعى ترامب لدفع بوتين من جديد إلى داخل مربع الاتفاق.

أبعاد الاتفاق ودلالاته

أُبِرم الاتفاق في مؤتمر عقد عبر الهاتف عقد على عجل مع وفود من منظمة البلدان المصدرة للبترول (13 دولة) وغيرها، بما في ذلك روسيا، عشية افتتاح الأسواق يوم الاثنين (13 أبريل) في وقت سادت خلاله مشاعر القلق من إمكانية حدوث انهيار هائل في الأسعار إذا تعذَّر التوصل إلى اتفاق. والظاهر أن قساوة الأزمة شكلت صدمة لكل مُنتجي النفط في العالم، لاسيما المنتجين الكبار، ودفعت بروسيا والسعودية إلى الاتفاق من جديد والعودة إلى استخدام تعابير التعاون والود بينهما، على الرغم من أن هذه الأزمة قد تترك آثاراً سلبية على طموحات بناء علاقات استراتيجية بين البلدين، تحتاجها موسكو، على نحو خاص، لرفد مساعيها المستمرة لاستعادة نفوذها في الشرق الأوسط.

واستطاع المنتجون التوصل إلى اتفاق يعولون من خلاله على تعويم سعر برميل النفط بما يتناسب مع متطلبات الإنفاق في روسيا والسعودية، كما أن حدة الأزمة وما واكبها من توتر سياسي واقتصادي أعادا الاعتبار لروحية التوافق وقواعد ضبط الإنتاج، ما يسّر موافقة المُنتِجين على حجب كميات بمستويات أعلى مما كانت الرياض تطالب به، وفق تعبير وزير النفط السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان.

غير أن أكبر الرابحين من هذا الاتفاق هو الرئيس ترامب الذي أثبت قدرته على معالجة أزمة معقدة متعددة الأطراف، الأمر الذي أعاد تعويمه بوصفه زعيماً دولياً ومرجعاً لحل الأزمات العالمية، وأبرز قدرته على الدفاع عن قطاع النفط الصخري في بلاده، ولذا سارع - كعادته- إلى التباهي بما جرى على منصة تويتر، قائلاً إن الصفقة "ستوفر مئات الآلاف من وظائف الطاقة في الولايات المتحدة"، مُظهِراً قدرته على استثمار الحدث في أوساط الكتلة الناخبة استعداداً للاستحقاق الرئاسي في الخريف المقبل.

ويُعوّل، وفق بعض الخبراء، على قيام الدول الصناعية، وهي جزء من وكالة الطاقة الدولية، بالإعلان عن مشتريات الخام لملء مخزوناتها الوطنية كوسيلة لسحب بعض فائض النفط من السوق، علماً أن الاتفاق يأخذ بعين الاعتبار أن الإجراءات بشكل عام مقترنة بالعقوبات الحالية على إيران وفنزويلا وتوقُّف إمدادات المناطق الساخنة، مثل ليبيا، يمكن أن تحجب 20 مليون برميل يومياً من الإمدادات عن السوق.

ومع ذلك فإن المستثمرين لا يزالون يُشكِّكون بأن تكون التخفيضات كافية لدعم ارتفاع الأسعار في الأسابيع المقبلة، إذ تؤدي عمليات الإغلاق العالمية إلى الحد من الطلب على البنزين والديزل ووقود الطائرات. ومع أن هناك اعتقاد سائد بأن الاتفاق وقيود الانتاج التي وضعها سيُخففانِ من حالة الاكتئاب في أسواق النفط، إلا أن ثمة من يرى أنها تظل قليلة جداً وجاءت متأخرة جداً، خصوصاً أنه من المتوقع، وسط قيود السفر وإيقاف العمل، أن ينخفض ​​استهلاك النفط بما يصل إلى 30 مليون برميل يومياً هذا الشهر.

خلاصة واستنتاجات

  • أثبت اتفاق أوبك وشركائها استمرار الدول في التعاون وفق نظام دولي ما زال يعمل بنفس القواعد، بما ينفي ما يستشرفه البعض من قيام نظام عالمي جديد نتيجة لما أظهرته جائحة كورونا من تناقضات وصراعات مصالح داخل المشهد العالمي الراهن.
  • أعاد الاتفاق تأكيد زعامة الولايات المتحدة العالمية من خلال رعاية صفقة تَهُم حلفاءها (السعودية والمكسيك مثلاً) وتَهُم خصومها في الآن نفسه (الصين وروسيا على سبيل المثال).
  • سلَّطت أزمة سوق النفط والاتفاق الأخير الضوء على دور السعودية المركزي والأساسي في تحديد توجهات هذا السوق ومساراته، وقدرة الرياض على امتلاك أوراق ضاغطة قوية تأخذها دول عظمى مثل الولايات المتحدة وروسيا في الحسبان.
  • مثَّلت الأزمة النفطية الأخيرة فشلاً لافتاً لسياسات الرئيس الروسي ومقارباته للمتغيرات الإقليمية والدولية. فمن جهة، شكلت حرب النفط مع السعودية ضربة لخطط بوتين لاستمالة حلفاء الولايات المتحدة، لاسيما في منطقة الخليج، على منوال ما حققه مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وسببت نكسة داخل سياق العلاقات الروسية السعودية. ومن جهة أخرى، نالت الأزمة من صورة بوتين لجهة عجزه عن تقديم نفسه زعيماً دولياً ذا سطوة ناجِزَة، واضطراره إلى "الامتثال" لضغوط الرياض وواشنطن والقبول بخفض في الإنتاج رفضه بشدة قبل ذلك، ما سيؤثر حتماً على طموحاته اللاحقة في الساحتين الإقليمية والدولية.

أحدث الإيجازات