تعددت المبادرات الفرنسية العسكرية لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقية، لكنها لا تزال تواجه تحدي تصاعد الهجمات وتمدد نفوذ التنظيمات الإرهابية. وفي هذا السياق، اجتمعت فرنسا مع مجموعة الساحل الخماسية في قمة "باو" في يناير الماضي. وبعدها أعلنت ثلاث عشرة دولة[1]، في 27 مارس 2020، تأييدها تشكيل قوات عسكرية أوربية خاصة لدعم عمليات مكافحة الإرهاب في المنطقة، وهو ما يثير العديد من التساؤلات حول الدوافع والفرص والتحديات المرتبطة بهذه التوجهات الفرنسية الجديدة.

معالم التوجهات العسكرية الفرنسية الجديدة

تهدف هذه التوجهات إلى تعزيز الدور الأمني الفرنسي في المنطقة، وذلك من خلال:

  • الحصول على الدعم السياسي من جانب دول المنطقة، حيث طلب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، من قادة دول مجموعة الساحل الخماسية المزيد من الدعم السياسي للوجود الفرنسي. وخلال قمة "باو" في 13 يناير، أعرب قادة هذه الدول عن تأييدهم لاستمرار الانخراط العسكري الفرنسي في المنطقة[2].
  • قيادة الجهود العسكرية الأوروبية في المنطقة، من خلال حث هذه الدول على التعاون باعتبار أن التهديد الإرهابي في المنطقة يساعد على تزايد معدلات الهجرة غير الشرعية لأوروبا[3]. ومن ثم، فقد أيدت ثلاث عشرة دولة تشكيل قوات خاصة أوروبية، تعرف بــفرقة المهام "تاكوبا"، بينما عملت فرنسا على أن تعمل هذه القوات تحت قيادة العملية العسكرية الفرنسية "برخان"[4].
  • إعادة بناء الثقة في الدور الأمني الفرنسي في المنطقة على صعيد الداخل الفرنسي وعلى الصعيدين الأفريقي والدولي، والاستفادة من دعم الحلفاء الأوربيين، إذ يتوقع أن تبدأ هذه القوات مهامها مع بداية العام القادم (2021)، وستعمل هذه القوات بشكل رئيس في منطقة ليبتاكو- جورما على حدود بوركينا فاسو ومالي والنيجر[5].
  • تعزيز الوجود العسكري الفرنسي، إذ تعهدت الحكومة الفرنسية في فبراير بتعزيز وجودها العسكري الحالي (4500 جندي) بإرسال 850 جندياً فرنسياً إلى المنطقة[6]، وإرسال حوالي 50 عسكرياً من القوات الخاصة لتعمل نواةً لقوات "تاكوبا"، التي تضم حتى الآن حوالي 300 مقاتل من الدول المشاركة[7]، والتي يتوقع أن تتشكل منها سبعة كتائب بعد اكتمال تشكيلها، وستنشر مالي والنيجر اثنتان منها، وواحدة من كل من تشاد وبوركينا فاسو وموريتانيا[8].

محفزات (دوافع) التوجهات العسكرية الفرنسية الجديدة

وتتمثل أهمها في الآتي:

  • تصاعد العمليات الإرهابية برغم تعدد المبادرات، فمنذ عام 2016، زادت الهجمات إلى خمسة أضعافها في بوركينا فاسو ومالي والنيجر. وقُتل ما يقرب من 300 نيجري، وأكثر من 180 مالياً، و30 بوركينابياً، و20 جندياً تشادياً، فضلاً عن حوالي 13 جندياً فرنسياً لقوا حتفهم نتيجة اصطدام مروحيتين في مالي في نوفمبر 2019[9].
  • تصاعد موجة الاحتجاجات في مالي ضد الوجود العسكري الفرنسي، وقد أشار ما يقرب من 80 بالمائة من المستطلعين في استطلاع للرأي في مالي إلى تراجع الثقة في قدرة العملية العسكرية "برخان" على حماية المدنيين. علاوة على تصاعد الانتقادات داخل فرنسا. وفي هذا السياق، أشار مسؤولون فرنسيون إلى أن تشكيل قوات تاكوبا لا يعد "مبادرة جديدة"، ولكنه بمثابة إعادة تشكيل لاستراتيجية أمنية[10].
  • تصاعد الاهتمام الروسي بالمنطقة، ومن ثمّ مزاحمة الوجود الاقتصادي والأمني الفرنسي، وخاصة في ظل تصاعد بعض مطالب القوى السياسية المحلية بالتدخل الروسي لمكافحة الارهاب في المنطقة، حيث ترتبط روسيا بعدد من الاتفاقيات الأمنية مع دول المنطقة، لاسيما تشاد والنيجر، ومالي التي وقعت اتفاقية للتعاون العسكري في يونيو 2019. كما تحاول روسيا تقديم بديل متوازن للمقاربة الأمنية الفرنسية من خلال إبراز قدرتها على مكافحة الإرهاب[11].

فرص مكافحة الارهاب في ظل التوجهات الفرنسية الجديدة

ومن أهمها ما يأتي:

  • تصاعد المواجهات بين تنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين" و"داعش الصحراء"، حيث وقعت أكثر من أربعين معركة عنيفة بين التنظيمين في كل من بوركينا فاسو ومالي بين يناير وأبريل الماضيين[12]، بسبب الخلاف على تقاسم النفوذ وترسيم حدود مناطق العمليات بعد اجتماع لقادة التنظيمين في سبتمبر 2019[13].
  • الانشقاقات داخل تنظيم "نصرة الاسلام والمسلمين"، وبشكل محدد في "كتيبة ماسينا"، بسبب الخلاف حول التفاوض مع الحكومة المالية، ما أدى إلى انشقاق مجموعة من المقاتلين لتشكيل مجموعة جديدة على الحدود مع موريتانيا، وتعهدوا بالولاء لداعش. وهو ما مكن "داعش الصحراء" من التوغل في مناطق عمليات "الكتيبة"، وبالتالي الاشتباك مع جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"[14].

تحديات مكافحة الإرهاب في ظل التوجهات الفرنسية الجديدة

ولعل أهمها يتمثل في الآتي:

  • الخلافات السياسية المتنامية بين أعضاء مجموعة الساحل الخماسية (g5)، بعد أن نَدَّد الرئيس التشادي بضعف التعاون الإقليمي في مكافحة الإرهاب، وإبدائه عزمه على عدم مشاركة القوات التشادية في عمليات خارج الحدود عقب مقتل 152 جندياً تشادياً في هجمات لتنظيم بوكو حرام، بيد أن المشكلة الرئيسة هو تأثير التوجه التشادي على عزم أعضاء مجموعة الساحل الآخرين[15].
  • الجدل السياسي الداخلي في فرنسا حول الغرض من تشكيل القوات الجديدة في منطقة الساحل، إذ يرى البعض أن دور هذه القوات سيتركز في تقديم الدعم والمشورة والمساندة والتدريب والتوجيه القتالي وليس الانخراط المباشر أو تنفيذ عمليات عسكرية مستقلة[16].
  • التنافس وصراع المصالح بين الدول الأعضاء والداعمة لتشكيل فرقة المهام "تاكوبا" تحت القيادة الفرنسية، فبينما نجد أن دول مثل السويد والدنمارك قد أظهرت التزاماً قوياً بإرسال قوات وأسلحة للمشاركة، نجد أن دول مثل ألمانيا والنرويج قد اكتفت بتقديم الدعم السياسي واعتذرت عن عدم المشاركة بقوات عسكرية[17].
  • تمدُّد نفوذ التنظيمات الإرهابية خارج حدود مناطق العمليات، وخاصة في بلدان خليج غينيا، وهو ما يمنح هذه التنظيمات مجالاً أوسع لممارسة استراتيجية الكر والفر.
  • حالة الحرب وعدم الاستقرار في ليبيا، والتي توفِّر مناخ ملائماً لتهريب المقاتلين والأسلحة، وهو ما يدعم بدوره نشاط هذه التنظيمات وقدرتها على الصمود.

خلاصة

تواجه الاستراتيجية العسكرية الفرنسية لمكافحة الإرهاب في منطقة الساحل تحديات متنامية، وفي حال تعثُّر الجهود الفرنسية هذه، من المتوقع أن تضعف عزيمة حكومات دول منطقة الساحل عن مواصلة التعاون مع فرنسا. كما أن عدم إحراز تقدم سيُولِّد المزيد من المشاعر المعادية للوجود الفرنسي في المنطقة، ويتيح الفرصة لقوى دولية جديدة مثل روسيا للاضطلاع بدور أمني بديل.

الهوامش

[1] تشمل هذه الدول كلاً من: بلجيكا، وجمهورية التشيك، والدنمارك، وإستونيا، وفرنسا، وألمانيا، ومالي، وهولندا، والنيجر، والنرويج، والبرتغال، والسويد، والمملكة المتحدة.

[2] Ahmet Berat ÇONKAR, Development and  Security Challenges in The Sahel Region, NATO Parliamentary Assembly, 10 April 2020, p.14

[3] Sergey Sukhankin, France to Lead Joint Effort in War on Terrorism in Sahel Region, terrorism Monitor, The Jamestown Foundation, Volume Xviii, Issue 10, May 15, 2020, p.5.

[4] Krzysztof Danielewicz, Task Force Takuba – nowe siły w rejonie Sahelu, 23/4/2020, available at: https://securityinpractice.eu/task-force-takuba-nowe-sily-w-rejonie-sahelu/

[5] Ideam.

[6] Sergey Sukhankin, op. cit, p.5.

[7] Ahmet Berat ÇONKAR, op. cit, p.14

[8]  Krzysztof Danielewicz, op. cit.

[9] Sergey Sukhankin, op. cit, p.5.

[10] Ann sehmuder, Zoe Gorman,and flore Berger, Takuba: A New Coalition For The Sahel?, Analysis  Conflict And Fragility, The Clingendael Spectator magazine for International Relation,  30/6/2020, available at: https://spectator.clingendael.org/en/publication/takuba-new-coalition-sahel

[11] حمدي عبد الرحمن، "الساحل الأفريقي .. تعثر فرنسي وصعود روسي"، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 17/12/2019، متاح على الرابط: https://futureuae.com/ar/Mainpage/Item/5146

[12] The Armed Conflict Location & Event Data Project (ACLED), Regional Overview: Africa, 12 april-18 April 2020, 22/4/2020.

[13] Africa Report, Sahel – a new battlefield between IS and Al-Qaeda?, 4/6/2020 , available at: https://www.theafricareport.com/29184/sahel-a-new-battlefield-between-is-and-al-qaeda/

[14] Ideam.

[15]  Sergey Sukhankin, op. cit, p.6.

[16] Elin Hellquist and Emma Sjökvist, International Military Missions Accompanying Partners During Military Operations Early Expectations For Task Force Takuba, FOI Defence Analysis, June 2020.

[17] Finabel European Army Interoperability Centre, “Task force Takuba: An Illustration of European Solidarity?”, April 23, 2020. Available at: https://finabel.org/news-flash-task-force-takuba-an-illustration-of-european-solidarity

 

أحدث الإيجازات