نُظِّمت في المغرب في 8 سبتمبر 2021 انتخابات برلمانية ومحلية وجهوية شكَّلت نتائجها نقطة تحوُّل كبرى في المسار السياسي في المغرب إذ أسفرت عن معادلة سياسية جديدة.

المعطيات الجديدة

مثَّلت انتخابات سبتمبر 2021 ثالث استحقاقات بعد دستور 2011 الذي أرسى إصلاحات سياسية جوهرية في النظام السياسي المغربي عزَّزت موقع رئيس الحكومة في مركز القرار. وللوقوف عند نتائج الانتخابات البرلمانية المهمة في سياق هذا التحليل، تمكن الإشارة إلى المعطيات الأساسية الآتية:

  • على الرغم من الوضع الوبائي الخطير، استطاعت المصالح الإدارية المختصة تنظيم انتخابات ناجحة وصلت نسبة المشاركة فيها إلى نحو 50% وهي نسبة أعلى من تلك التي سجلت عام 2016 (43%)، ما يعني حجم الإقبال الجيد على المناسبة الانتخابية.
  • تصدَّرت أحزاب ثلاثة الخريطة البرلمانية الجديدة، وهي حزب الأحرار (102 مقعداً)، وحزب الأصالة والمعاصرة (87 مقعداً)، وحزب الاستقلال (81 مقعداً). كما حصل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 35 مقعداً، والحركة الشعبية على 29 مقعداً، وحزب التقدم والاشتراكية على 21 مقعداً، والاتحاد الدستوري على 18 مقعداً.
  • انهار حزب "العدالة والتنمية" الإخواني الذي كان خلال الدورتين البرلمانيتين السابقتين الحزب الأول في البرلمان المغربي (107 مقاعد عام 2011، و125 مقعداً عام 2016)، فلم يحصل في هذه الدورة الانتخابية إلا على 13 مقعداً.

الخريطة الحزبية

يتلخَّص أهم معطى للانتخابات المغربية في انهيار حزب العدالة والتنمية الإخواني وعودة الأحزاب التاريخية التي شكلت في السابق محور العملية السياسية المغربية. ويمكن توزيع هذه الخريطة الحزبية إلى أربع قوى كبرى:

  • الأحزاب التي تشكَّلت من رحم الحركة الوطنية، وهي ثلاثة: حزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وحزب التقدم والاشتراكية. وقد انتظمت هذه الأحزاب سابقاً في عدة تحالفات لم تصمد طويلاً نتيجةً للخلاف الأساسي أيديولوجياً وسياسياً بينها. فحزب الاستقلال الذي أسسه علال الفاسي في الأربعينيات يمثل النخب المدينية التقليدية ويتبنى خطاباً إسلامياً إصلاحياً، وقد دخل جُل الحكومات المغربية منذ الاستقلال. أما الاتحاد الاشتراكي فهو حزب اليسار الأساسي، وقد اضطلع بالجانب الأساس من معارضة النظام في الستينيات والسبعينيات قبل أن يُعيِّن الملكُ زعيمَه عبد الرحمن اليوسفي رئيساً لحكومة التناوب التوافقية عام 1998. وشهد هذان الحزبان أزمة داخلية حادة في مطلع العشرية الماضية انعكست في الموازين البرلمانية، وقيل إن السياسة الرسمية كانت تقتضي إضعاف الأحزاب الكبرى وتقديم بدائل جديدة عنها.
  • الأحزاب التي شكلتها السلطة من أجل أن تؤدي دور التوازن المطلوب مع أحزاب المعارضة، وفق تقليد يرجع لبداية سنوات الاستقلال. وأهم هذه الأحزاب حالياً "التجمع الوطني للأحرار" الذي تأسَّس سنة 1978 وترأسَّه وقتها رئيس الحكومة وصهر الملك، ويتشكل من كبار موظفي الدولة وأعيانها ورجال الأعمال؛ و"حزب الأصالة والمعاصرة" الذي تأسَّس عام 2008 من بعض الشخصيات اليسارية والأعيان التقليديين داخل البلاد من أجل مواجهة نفوذ التيار الإسلامي الصاعد وأُسنِدت رئاسته في البداية لمستشار الملك وصديقه فؤاد الهمة.
  • الأحزاب المنحدرة من التيار القومي الأمازيغي المعتدل الذي شكَّل تاريخياً دعامة قومية للمؤسسة الملكية، وتتركز قاعدته في الريف المغربي، وأبرز هذه الأحزاب حزب الحركة الشعبية الذي أسَّسه محجوبي احرضان وعبد الكريم الخطيب في الستينيات.
  • التيار الإسلامي الذي يتوزع إلى اتجاهين كبيرين: حزب العدالة والتنمية الإخواني الذي هو وريث حركة "الشبيبة الإسلامية" التي تأسست في السر عام 1969، وإن كان بعض قادته لم ينتموا تاريخياً لهذه الحركة. أما الآخر فهو جماعة "العدل والإحسان" المحظورة التي أسسها عام 1987 عبد السلام ياسين ويُعتقد أن قاعدتها قوية ومنتشرة وإن كانت غير بارزة للعيان.

ظروف صعود الإسلام السياسي

كان صعود تيار الإسلام السياسي ناتجاً عن ثلاثة عوامل أساسية هي:

  • أزمة الخطاب الديني في بعديه المؤسسي التقليدي والإصلاحي التجديدي المرتبط بالمشروع الفكري لعلال الفاسي.
  • تراجُع القوة التعبوية والاحتجاجية لليسار الذي قاد من قبل نضال المطالب الاجتماعية من خلال النشاط النقابي والطلابي وحركة الشارع.
  • تأثير المعادلة الإقليمية وخصوصاً صعود التيار الإسلامي في تونس ومصر بعد موجة الربيع العربي.

وكانت استراتيجية الملك الحسن الثاني التي وضعها عام 1998 تتمثَّل في السماح لتيار الإسلام السياسي بدخول الحقل الشرعي والمشاركة في الحياة السياسية من خلال الاندماج في أحد الأحزاب القريبة من السلطة وهو حزب "الحركة الشعبية الدستورية" جناح عبد الكريم الخطيب. ووفق المعادلة الجديدة تم قبول التيار الإسلامي حسب شروط وضعها القصر هي القبول بإمارة المؤمنين والتخلي عن العنف وقبول التعددية الديمقراطية. والمنطق الذي تقوم عليه هذه الاستراتيجية يتمثَّل في وضع التيار تحت المراقبة من أجل فصله عن القاعدة الراديكالية لحركة العدل والإحسان التي غدت في نهاية التسعينيات خطراً على الاستقرار السياسي للبلاد.

استراتيجية احتواء الإسلام السياسي

مع أن موجة الإرهاب الديني تفاقمت في بداية سنوات الألفية الجديدة، خصوصاً مع تفجيرات الدار البيضاء (مايو 2003)، إلا أن الاستراتيجية المغربية لم تتغير في التعامل مع التيار الإسلامي، وإن كانت اعتمدت خطوات قوية في مواجهة خطر التطرف الديني من خلال آليات ثلاث هي:

  • إعادة الاعتبار للمؤسسة الدينية التقليدية وتجديد دمائها بإشراف مباشر من الملك وإدارة من الأجهزة الثلاثة الكبرى لهذه المؤسسة: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي عين على رأسها المؤرخ والجامعي البارز أحمد التوفيق، ورابطة العلماء، والمجالس العلمية.
  • إنشاء قطب سياسي حداثي قريب من الفكر اليساري المعتدل إلى جانب الكتلة الليبرالية الداعمة للسلطة من أجل سد الفراغ الناتج عن تراجع اليسار التقليدي الذي فقد تأثيره في الشارع.
  • إخضاع حزب العدالة والتنمية لشروط الاندماج الفعلي في الشرعية السياسية، بتصفية القيادات الراديكالية، وتشجيع الشخصيات الأقدر على تحقيق مصالح السلطة.

ومع أن بعض الأصوات من داخل دائرة الحكم اقترحت بعد موجة الربيع العربي الدخول في مواجهة مع الإسلام السياسي لكبح خطره قبل استفحاله، إلا أن الخط الذي تم تكريسه في نهاية المطاف هو السماح بتصدُّر حزب العدالة والتنمية العمل الحكومي ضمن معادلة ائتلافية لا يتحكم فيها عملياً، مع احتفاظ الملك بأربع أوراق أساسية هي: الملف الديني الذي يختص به دستورياً، والملفات الداخلية والخارجية والأمنية والعسكرية التي تدخل في اختصاصاته كرئيس للدولة، وسلطة التحكيم في كل دوائر القرار الأساسية، وضبط إيقاع الحياة السياسية من طرفيها داخل الحكومة والمعارضة من خلال التشكيلات القريبة من المؤسسة الملكية.

لقد مكنت هذه الاستراتيجية من إضعاف تيار الإسلام السياسي وإبقائه تحت الرقابة وتحميله مسؤولية كل القرارات غير الشعبية مع استمرار وتعزز صورة الملك باني الإنجازات التحديثية والتنموية الكبرى في المغرب. وعكست الانتخابات الأخيرة النتيجة الموضوعية لهذه الاستراتيجية الناجحة في فصولها الأخيرة التي هي إعادة الاعتبار للأحزاب السياسية التقليدية وإقصاء التيار الإسلامي من الحياة السياسية عن طريق الموازين الانتخابية.

آفاق المشهد السياسي المغربي

بدأت الاستعدادات العملية لتشكيل الحكومة الجديدة برئاسة عزيز أخنوش أمين عام حزب التجمع الوطني للأحرار ووزير الفلاحة السابق. ويمكن تصوُّر ثلاث صيغ للحكومة الجديدة:

  • الصيغة الأكثر رجحاناً تشكيل حكومة ائتلافية من أربعة أحزاب كبرى، هي حزب الأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة وحزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، مع إمكانية إضافة الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري وحزب التقدم والاشتراكية، بما سيُشكل تحالفاً قوياً ومنسجماً، مع ما لهذا السيناريو من انعكاس سلبي على وضع المعارضة التي ستكون هشة ومتركزة على حزب العدالة والتنمية وبعض تشكيلات اليسار الصغيرة.
  • بقاء حزب الأصالة والمعاصرة في المعارضة من أجل ضبط إيقاعها وعدم تركها للحزب الإسلامي، مع أن هذا الخط ليس هو الذي تتبناه قيادة حزب الأصالة والمعاصرة حالياً.
  • بقاء أحزاب الكتلة الديمقراطية حسب التسمية القديمة في المعارضة، أي حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية، على غرار تجارب سابقة عرفها المغرب من قبل، بما من شأنه إضعاف حزب العدالة والتنمية في موقعي الحياة السياسية في الأغلبية والمعارضة معاً.

____

تنويه: جميع حقوق نشر هذه المقالة محفوظة لـ"مركز الإمارات للسياسات"، ويُمنَع إعادة نشرها أو الاقتباس منها، جزئياً أو كلياً، دون أخذ إذن مُباشِر ومُسبَق من المركز، ويستثنى من ذلك الاقتباسات المحدودة المراعية لأصول البحث العلمي، لهدف تعليمي أو بحثي مُحدَّد، مع ضرورة الإشارة إلى المركز بوصفه الناشر الأصلي. 

أحدث الإيجازات