في منتصف شهر فبراير الماضي، وعقب انتهاء الجولة الـ 15 من مسار أستانا حول سوريا، التي شددت في بيانها الختامي على ضمان استمرار وقف إطلاق النار في إدلب، اتفق الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين في اتصال هاتفي، على ضرورة تثبيت جميع اتفاقيات "خفض التصعيد" ووقف إطلاق النار، وأكدا مواصلة حملة "لا هوادة فيها في محاربة الإرهابيين في سوريا"، ضمن جهود تعزيز الاستقرار في المنطقة وتثبيت اتفاقيات "خفض التصعيد" حول إدلب.

وفي تلك الأثناء، استمرت تحركات تنظيم "داعش" الإرهابي في فعاليتها الهجومية مستغلة صعوبة تضاريس منطقة البادية السورية، حيث زادت عناصر التنظيم الإرهابي من وتيرة مهاجمتها لأهداف عسكرية تتبع قوات الجيش النظامي، ما استدعى من موسكو و دمشق إرسال تعزيزات عسكرية إلى تلك المنطقة في نهاية فبراير من أجل تقويض وجود عناصر التنظيم الإرهابي هناك، وهو الأمر الذي فتح باب مكافحة الإرهاب على مصراعيه، خصوصاً في ظل متغيرات عدة إقليمية ودولية، وتداخل مصالح القوى الفاعلة في الشأن السوري، وانتظار تبلور استراتيجية الإدارة الأمريكية الجديدة في التعامل مع الملف السوري، وبالتحديد مع مسألة مكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى شكل التعاطي الأمريكي مع الجانبين الروسي والتركي (الدول الفاعلة في الملف السوري وتشابكاته)، إلى جانب تعثُّر المسار السياسي الوحيد في سوريا عند جولته الخامسة (اللجنة الدستورية).

عودة خطر "داعش"

رغم إعلان الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب، الانتصار على تنظيم "داعش" في شرق الفرات منذ قرابة العامين، إلا أن التنظيم الذي يبدو أنه يعيد بناء نفسه ويزداد خطره بعد تخليه عن استراتيجية قيادة الإرهاب عبر كيان مركزي وانتقاله إلى نهج ضرب الأهداف عن طريق عصابات متنقلة. وتبدو منطقة البادية السورية أفضل خياراته الممكنة في ظل تخطيه مرحلة البناء الأولى واشتداد عوده من جديد، خاصة وأن تلك المنطقة لها خصوصيتها بحكم وعورة تضاريسها وندرة سكانها.

والأنباء المتداولة حول إرسال روسيا تعزيزات عسكرية جديدة إلى تلك المنطقة بعد إطلاقها عملية عسكرية في فترة سابقة (عملية الصحراء البيضاء في أغسطس الماضي)، تطرح إشكالية التعامل مع ملف الإرهاب وتنظيماته في سوريا، والتي تتمحور حول أمرين؛ أحدهما يدعو لدق ناقوس الخطر بسبب تهاون الدول الفاعلة في سوريا في مكافحة الإرهاب، واستغلال هذا الملف سياسياً بغية تحقيق أهداف تلك الدول، ويندرج تحت هذا، استمرار واشنطن في ملاحقة فلول التنظيم في شرق الفرات رغم إعلان النصر عليه منذ 2019، فيما تطلق روسيا بين الحين و الآخر حملاتها على التنظيمات الإرهابية دون توضيح نتائج تلك العمليات، سواء على "داعش" في البادية أو "هيئة تحرير الشام" في إدلب.

ويتجلى الأمر الثاني في ضعف القدرات العسكرية والمالية وحتى السياسية المخصصة لمواجهة التنظيمات الإرهابية في سوريا، وهو ما يستدعي وجود تحالف سياسي وعسكري حقيقي على الأرض من أجل ضرب الإرهاب، وهو أمرٌ لا يبدو أن هناك أفقاً منظوراً لتحقيقه، بعيداً عن التحالف الدولي لمحاربة "داعش" الذي تأسس عام 2015 ولم يحقق أهدافه التي أنشئ من أجلها بشكل كامل حتى الآن.

والمتوقع أن تنظيم "داعش"، وفي ظل استمرار عملياته ضمن منطقة البادية بشكل رئيس، سيحافظ على نسق تحركاته، طالما أن أساليب المواجهة الحالية لم توقف عناصره وتقضي عليهم، خاصة وأن مصادر التمويل لديه لم تفنَ بعد، بما فيها الذهب الخام الذي استولى عليه في كل من سوريا والعراق، ونشاطه في المتاجرة بالعملات الإلكترونية.

ويسعى تنظيم "داعش" إلى ضمان استمرار هجماته في البادية، بوصفها استراتيجية لتأمين حضوره، في ظل غياب الاستقرار الأمني في تلك المنطقة، وعدم وجود آلية مواجهة مناسبة له، فضلاً عن حساسية المنطقة وقربها من وجود القوات الأمريكية في "قاعدة التنف" عند مثلث الحدود السورية-العراقية-الأردنية. ويبقى خيار الحسم الكامل لمسألة مكافحة التنظيم، رهين التوافق الروسي-الأمريكي؛ ففيما مضى كانت واشنطن تريد استنزاف الإيرانيين الذين يستخدمون أجزاء من المنطقة كخط نقل أسلحة وربط خطوط عناصر نفوذه بين سوريا والعراق، أما في مرحلة تولي إدارة الرئيس جو بايدن، فإن الاستراتيجية الأمريكية في سوريا لم تتضح معالمها بعد بشكل كامل.

وإذا ما أرادت واشنطن تفعيل مواجهة "داعش" هناك فإنها ستحتاج لذراع محلي على الأرض يقاتل العناصر الإرهابية التي تجد في تضاريس المنطقة مكاناً مناسباً للاحتماء من أية استهدافات جوية، وهذا الحال ينطبق على أي تصعيد روسي لو فيما أرادت موسكو القبض على هذا الملف وتفعيل سبل الانتهاء منه بشكل يحقق الاستقرار، إلا أن الأخيرة يبدو أنها لا تستعجل الدخول في مسألة القضاء النهائي على مجاميع تنظيم "داعش" الإرهابي هناك، خاصة وأن سبل القضاء عليه لا تنحصر في المنطقة ذاتها، بالنظر إلى امتدادات وجود التنظيم وحيويته، لا سيما أن عناصره تمتد ما بين الصحراء العراقية وحتى مناطق شرق الفرات التي تعاني من حالة تدهور أمني في ظل هيمنة قوات سوريا الديمقراطية على تلك المنطقة. إضافة إلى اهتمام روسيا المتوازي بمناطق شمال غرب سوريا، والتي توجد فيها قوى إرهابية أخرى.

ولهذا، تبدو مواجهة "داعش" خياراً لا يتمتع بالأولوية المطلقة لدى روسيا خلال الفترة الحالية، طالما وأن ملف مكافحة الإرهاب لا يقتصر على هذا التنظيم، حيث توجد قوى إرهابية في الشمال الغربي، ويتقاسم ملف إدارة إنهاء وجودها هناك كلٌّ من الروس والأتراك إضافة إلى واشنطن التي كانت تنافس الروس هناك في مواجهة من نوع خاص تركزت على استهداف قيادات الإرهابيين في تنظيم "حراس الدين" بشكل أساسي، والتلويح بالتصعيد ضد "هيئة تحرير الشام" وقياداتها.

تحدي الإرهاب واستراتيجيات القوى الدولية في الشمال السوري

استهدفت الولايات المتحدة خلال الفترة الأخيرة من عمر إدارة الرئيس دونالد ترامب قيادات في "حراس الدين"، ما اعتبر مؤشراً على عزم واشنطن في تلك الإدارة تمديد نطاق عملياتها لتشمل مناطق شمال غرب سوريا، إلى جانب الاعتبار بأن واشنطن تريد مناورة موسكو في ملف مكافحة الإرهاب بشمال غرب سوريا، وقطع الطريق عليها ومنْع تفردها به. هذا في الوقت الذي كانت روسيا تُصعِّد من عملياتها العسكرية ضد تلك المناطق، وتسيطر على مساحات منها حتى مطلع العام الماضي، بالإضافة إلى معاودة التصعيد مطلع شهر فبراير الفائت، بحجة وجود القوى الإرهابية هناك وفي مقدمتها "تحرير الشام".

ويدفع الاتفاق الروسي التركي على مستوى الرؤساء بضرورة القضاء على الإرهاب في الشمال الغربي من سوريا، إلى التساؤل بشأن أمرين مهمين، أولهما ما إذا كانت كل من روسيا وتركيا لديهما رؤية مشتركة في تنفيذ آلية ناجعة للقضاء على الإرهاب، ويتمحور الثاني حول مدى إدراك كلٍّ من بوتين وأردوغان ضرورة اتفاقهما على التشارك في محاربة الإرهاب، ليكون بمثابة تحرك استباقي لأي تغير في استراتيجية الولايات المتحدة لمواجهة الإرهاب في سوريا؛ فالأتراك والروس يحدوهم التخوف ذاته حيال سلبية بايدن تجاههم، وضرورة تعميق تفاهمات الدولتين مقابل ضغوط واشنطن المتوقعة عبر أساليب تتناسب مع كل طرف على حدة.

وتوزُّع القوى الإرهابية في شمال غرب سوريا، واختلاف مناطق نفوذها ومدى خطورتها، يظل ملفاً يحتاج توافقاً كبيراً بين روسيا وتركيا في المقام الأول، خاصة وأن هذا الملف كان مثار تباحث بينهما خلال الفترة الماضية، إذ لم تؤدِّ تركيا التزاماتها حيال الانتهاء من وجود "تحرير الشام" و"حراس الدين" و"الحزب التركستاني"، خشية أن تؤدي أي معارك واسعة النطاق لموجة نزوح كبيرة من قبل المدنيين، وتسلل العديد من العناصر الإرهابية بينهم، فضلاً عن فشل مساعي تركيا لتفكيك تحرير الشام والتخلص من قياداتها الأجنبية والإبقاء على العناصر المحلية ودمجهم بتشكيلات ما يسمى بـ "الجيش الوطني" المُعارض الذي تدعمه أنقرة.

وقد يبدو الإعلان الروسي-التركي حول مسألة القضاء على الإرهاب، غير جدي أو حتى وارد في الوقت الحالي، سواء بسبب اختلاف مناطق النفوذ لتلك القوى وعدم الإعلان عن خطة عمل تنفيذية يقضي بموجبها توجيه بوصلة القضاء على الإرهاب في كل منطقة على حدة، وهذه الخطة تشترط وجود قوى محلية على الأرض تقاتل تلك الجماعات الإرهابية، وهو أمر يبدو صعباً حالياً، باعتبار أن القوات المحلية التي ستكون ذراعاً محلياً لروسيا غير موجودة فعلياً، بخلاف قوات "الفيلق الخامس" التي شكّلتها روسيا، وتقاتل إلى جانب القوات النظامية.

خلاصة واستنتاجات

  • تواجه مهمة مكافحة الإرهاب في سوريا، عدة عوائق وتحديات، يبرز أهمها في عدم وجود نية دولية حقيقية لمواجهة ذلك الخطر، والأهم عدم وجود آليات تُمكِّن من تنفيذ أية خطة يمكن أن تُوضَع لقتال الجماعات الإرهابية. كما أن محاولات القوى الإقليمية والدولية لاستثمار مسألة مكافحة الإرهاب في سوريا سياسياً، لا تزال تحول دون تحقيق نتائج حقيقية على الأرض، وتؤجل أي خطوة متقدمة لتفعيل سبل مواجهة التنظيمات المتطرفة النشطة على الأراضي السورية.
  • عودة خطر تنظيم "داعش" وتوسُّع نفوذ باقي الجماعات الإرهابية في سوريا، سيظل تحدياً قابلاً للتمدد في ظل استمرار حالة التنافس السياسي بين القوى الدولية الفاعلة، وإصرار كل منها على التفرُّد بمسك زمام الحسم في الملف السوري، على نحو يؤمن مصالحها ويحمي نفوذها.
  • التوافق السياسي بين روسيا والولايات المتحدة يمثل قاعدة ضرورية لأي حل سياسي في سوريا يؤسس لآلية مناسبة لمكافحة الإرهاب في هذا البلد، على المدى المنظور.
  • تتطلب مكافحة الإرهاب على الأراضي السورية توفر قوات محلية مُسانِدة؛ وتتوافق فيما بينها على آليات مواجهة الجماعات الإرهابية في مختلف مناطق وجودها.

أحدث الإيجازات