في 24 فبراير الجاري (2020)، وفي خطوةٍ بَدَت مفاجئة وربما درامية، أعلن رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد تقديم استقالته إلى الملك عبد الله رعاية الدين المصطفى بالله شاه، وعلى مدى الأيام القليلة الماضية تَبَارى المحللون في محاولة تقديم تفسير معقول لأبعاد الأزمة السياسية الراهنة في ماليزيا، مُحاولين سَبْر أغوار خلفياتها وإماطة اللثام عن مكوناتها، ومن ثمَّ توقع مجرياتها وانعكاساتها على المشهد السياسي في هذا البلد.

الخلفية والسياق

على مدى نحو عقدين، شكَّل التنافس السياسي بين مهاتير محمد (94 عاماً) وأنور إبراهيم (72 عاماً) معالم الحياة السياسية في ماليزيا. وكان مهاتير رئيساً للوزراء منذ عام 1981 حتى 2003، وعضواً في حزب "الجبهة الوطنية" الذي تولي السلطة لستة عقود. وكان أنور نائبه لكن العلاقة بينهما توترت حين أُقصي أنور عام 1998 بعد خلافٍ على الزعامة، ثم حكم عليه بالسجن بتهم الفساد واللواط، واعتبرت التهم ذات دوافع سياسية في ذلك الحين.

وفي عام 2018 فاجأ مهاتير الجميع في الداخل والخارج بإعلان تحالفه مع خصمه السياسي اللدود أنور إبراهيم في "تحالف الأمل". وفي الواقع كان هذا التحالف بالنسبة للمتابعين للتطورات السياسية في ماليزيا بمثابة تحالف "الضرورة"؛ فالتفاهمات بين الرجلين إنما قامت للتعاون من أجل إسقاط الحزب الحاكم السابق، أما عدا ذلك فلا شيء يجمع بينهما إلا ذكريات الخصومة التي يصعب تجاوزها ونسيانها.

وقد ظهرت بوادر عدم الانسجام وقلة الثقة بين الطرفين مبكراً، لاسيما بعد سلسلة إجراءات نفذها مهاتير منذ اليوم الأول لاستلامه للسلطة، بهدف تقريب كتلة المالايو (أمنو) والحزب الإسلامي (باس). واستطاع مهاتير أيضاً شق صف حزب "عدالة الشعب"، من خلال إخراج أزمين علي نائب أنور إبراهيم برفقة 11 نائباً من الحزب. وكان من الملاحظ تقريب مهاتير لأزمين علي نائب أنور، خاصةً في قمة كوالالمبور المصغرة التي عُقِدَت في ديسمبر 2019، في ظل غياب أنور عن القمة.

 أبعاد وتداعيات

كان الاتفاق المبدئي لتحالف الأمل بين مهاتير وأنور في انتخابات مايو 2018، أن يُقدِّم مهاتير استقالته في 2020 ويخلفه أنور في موقعه الحكومي، لكن التوتر تزايد بين الرجلين بعد امتناع مهاتير عن إعلان موعد محدد لتسليم السلطة. وجاء تمسُّك مهاتير بعدم تسليم السلطة اعتماداً على امتلاكه ثقة غالبية أعضاء البرلمان، وغياب بند دستوري يُجبره على الاستقالة. وعزَّز ثقة مهاتير إعلان المنظمة الملايوية القومية المتحدة (أمنو) - وهي حزب المعارضة الرئيس حالياً والحاكم سابقاً - والحزب الإسلامي الماليزي تأييدهما استمراره في موقعه رئيساً للوزراء.

ومع ضغوط إبراهيم وحلفائه المتكررة كي يُحدِّد مهاتير موعداً لتسليم السلطة حسب الاتفاق، بدأت بوادر الأزمة، وظهر الاستقطاب جلياً بين تيارين، أحدهما يريد استمرار مهاتير في السلطة، والآخر يريد تنفيذ الاتفاق. ومع اقتراب موعد تسليم مهاتير رئاسة الوزراء لأنور، الصيف المقبل، كان أمام خيارين إما تنفيذ الاتفاق، وإما الخضوع لضغوط خصوم أنور في الدولة العميقة التي ترفض أن يكون أنور رئيساً للوزراء؛ فهم يعتقدون أن أنور مُقرَّب أكثر من اللازم من الغرب، ومن وجهة نظرهم فإن ذلك يمكن أن يُقوِّض سيادة الدولة.

على الصعيد الداخلي، يرى معارضو أنور أنه يسعى إلى الانتقاص من المزايا التي يتمتع بها عرق المالايو المسلم، الذي كفل له الدستور مميزات إضافية عن باقي الإثنيات (الصينيين والهنود)، في مجال الوظائف العامة والتعاقد مع الدولة والمنح والبعثات الدراسية وامتلاك الأرض والمنح السكنية؛ ويعتقدون أن كل هذه المزايا يمكن أن تُلغى إذا تولى أنور منصب رئاسة الوزراء وتبنَّى فكرة المواطنة المتساوية.

لقد قرَّر مهاتير الخروج من تهمة الحنث بالعهود والنكوص بالتعهدات بتقديم الاستقالة، والتي تبدو بمثابة ورقة أخيرة يلعبها هذا السياسي العتيد من أجل ضمان عدم تسليم السلطة لأنور إبراهيم في المدة المتفق عليها، وقد جاءت هذه الاتهامات على لسان أنور نفسه الذي اتهم مهاتير وحزبه بـ"الخيانة"، مُشيراً إلى أن مهاتير يسعى لتشكيل ائتلاف سياسي جديد، بهدفِ استبعادهِ من الحكومة الجديدة. 

وفي المجمل، من المؤكد أن أزمة استقالة رئيس الوزراء مهاتير محمد ستزيد من حدة الاستقطاب الذي ظهر جلياً على المستوى الشعبي في ماليزيا، حيث شُنَّت حملات واسعة بين الغالبية الملايوية تؤيد تشكيل تحالف جديد يضمن لها حقوقها و"يحفظ حُرْمة الإسلام"، إذ يرى هذا التيار أن الحكومة الحالية تهدد حقوق الغالبية المسلمة في ماليزيا. وفي المقابل، وصف مؤيدو أنور إبراهيم، مثل عضوة البرلمان تشين عبد الله، وحركة الشباب الإسلامي (أبيم)، اللجوء إلى تغيير السلطة عبر "قنوات خلفية" و"التنكُّر للالتزامات والوعود" بأنه "خيانة" للشعب الماليزي الذي عبَّر عن إرادة التغيير بالانتخابات، و"تصرُّف غير أخلاقي".

سيناريوهات محتملة

  • السيناريو الأول، استمرار "مهاتير" في السلطة لكن عبر ائتلاف حكومي جديد يستبعد أنور إبراهيم وحزبه دون الدعوة إلى انتخابات مُبكرة، وهذا التوجه قد يكتب له النجاح في حالة قبول مهاتير بالبقاء على رأس الحكومة، وهو ما يعني إعادة تشكيل التحالف الحاكم، ليخرج منه مؤيدو أنور، وهم حزب "العمل الديمقراطي" الذي يهيمن عليه ذوو الأصول الصينية، وحزب "الأمانة الوطنية" المنشق عن الحزب الإسلامي الماليزي (باس)، والمؤيدون لأنور إبراهيم من حزب "عدالة الشعب" بعد انشقاقه. ويدخل في التحالف الجديد الحزب الإسلامي الماليزي (باس) وحزب "أمنو"، وتبقى أحزاب ولايتي ساراواك وصباح بالقسم الشرقي من البلاد على ولائها للحكومة الفيدرالية برئاسة مهاتير.
  • السيناريو الثاني، الدعوة إلى انتخابات برلمانية مُبكرة، خاصةً وأن قطاعات واسعة من الشعب الماليزي، عبَّرت عن رفضها تشكيل حكومة جديدة دون انتخابات برلمانية. ففي بيان صدر في 24 فبراير الجاري، عبَّر مجموعة من الناشطين والأكاديميين عن رفضهم تشكيل حكومة جديدة دون انتخابات. وبحسب تعبير البيان، فإن الشعب الماليزي "لن يقبل، ولن يتعاون مع حكومة شُكِّلت في الكواليس لتحقيق المآرب الأنانية لبعض النواب بغية حماية مصالحهم". لكن الدعوة لانتخابات قد تضع البلد في أزمة اقتصادية وسياسية، إذ تستغرق هذه العملية مدة تزيد على ثلاثة شهور على الأقل، في وقتٍ تعاني ماليزيا من الانكماش الاقتصادي وتداعيات انتشار فيروس كورونا المستجد.

ويبدو أن السيناريو/الخيار الأول سيكون الخيار الأنسب للملك، لأن كل المؤشرات تدل على أن مهاتير لا يزال يتمتع بثقة أغلبية أعضاء البرلمان. وفي هذه الحالة، فإن أغلبية أعضاء الحكومة ستكون من حزب "أمنو" باستثناء رئيس الوزراء السابق نجيب عبد الرزاق، ويتوقع أن يتم استبعاد أنور وزوجته من الحكومة الجديدة، وأن يشغلَ منصب نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع الأسبق هشام الدين حسين أو وزير الداخلية الأسبق محيي الدين ياسين، اللذين يحظيان بعلاقة تعاونية وسياسية متينة مع مهاتير. ويدعم هذا الاحتمال تصريح مهاتير محمد (رئيس الوزراء المؤقت) في 26 فبراير 2020 إنه سيعود لرئاسة الوزراء بشكل كامل إذا حظي بدعم البرلمان، وإنه يرغب في تشكيل حكومة غير موالية لأي حزب سياسي "وإنما تُعطي الأولوية فقط لمصالح الدولة" وفق تعبيره.

* مدير تحرير تنفيذي في مجلة "الديمقراطية" الصادرة عن مؤسسة الأهرام بالقاهرة.

 

أحدث الإيجازات