أُعلن في مالي في 24 مايو 2021 عن اعتقال الجيش رئيس السلطة الانتقالية باه نضاو ورئيس الحكومة مختار وان، بعد يوم واحد من التعديل الوزاري الذي أقال ضابطَين متنفذين، وأدخل إلى الحكومة وزيرَين من تكتل المعارضة؛ ما يُمثل انقلاباً على العملية الانتقالية التي تم التوافق عليها بين الانقلابيين العسكر والسياسيين المدنيين في إثر الانقلاب العسكري في أغسطس الماضي.

تهدف الورقة إلى تحليل الأزمة الراهنة في مالي، وتأثيرها في مستقبل الوضع السياسي.

الأسباب المباشرة للأزمة الحالية

إثر مشاورات واسعة أُعلن عن تشكيل حكومة جديدة في مالي يوم 23 مايو برئاسة مختار وان المعين من السلطات الانتقالية. ومن أبرز سمات الحكومة الجديدة:

  • احتفاظ العسكريين بالحقائب المحورية الأربع التي كانت بحوزتهم، وهي الدفاع والأمن والإدارة الإقليمية والمصالحة الوطنية.
  • إقالة قائدَين عسكريين بارزين من المجلس العسكري الانقلابي الذي انتزع السلطة في 18 أغسطس، وهما العقيد ساديو كمرا والعقيد موديبو كوني، وتم استبدالهما بالجنرال سليمان ديكوري والجنرال ممدو لمين ديالو، بما اعتُبر مظهراً للانفتاح على القيادات العليا في الجيش في مقابل الضباط المتنفذين الذين قاموا بالانقلاب الأخير.
  • دخول وزيرين من حزب "الاتحاد من أجل الجمهورية والديمقراطية" توليا حقيبتَي التربية الوطنية والشؤون المالية، في إطار الانفتاح على قوى المعارضة التقليدية، وإن فشل رئيس الحكومة في تشكيل حكومة وحدة وطنية تمثل مختلف مكونات الطيف السياسي.

ومن الواضح من تصريحات قائد الانقلابيين عاصمي غويتا أن السبب المباشر لتنحية رئيس السلطة الانتقالية ورئيس حكومته هو تشكيل الحكومة الجديدة دون التشاور مع القيادات العسكرية، وبصفة خاصة إقالة وجهين بارزين من المجلس الانقلابي. وقد اعتبر العقيد غويتا أن التعديل الوزاري الأخير يشكل انتهاكاً لميثاق المرحلة الانتقالية وللتوافقات القائمة مع الضباط الانقلابيين الذين احتفظوا بالمسؤوليات الأمنية والعسكرية في المرحلة الانتقالية الراهنة.

جذور الأزمة السياسية في مالي

على الرغم من مفاجأة إقالة رئيس السلطة الانتقالية ورئيس حكومته، إلا أن الأوضاع السياسية الداخلية في مالي كانت تتجه إلى أزمة خانقة، توقع العديد من المصادر المطلعة أن تُفضي إلى إبطال التفاهمات التي رعتها المجموعة الأفريقية بين العسكر والقوى السياسية والمدنية بعد الانقلاب العسكري في 18 أغسطس 2020.

لقد أفضت تلك التفاهمات إلى إشراف شخصية مدنية لها خلفية عسكرية، وهو الجنرال السابق باه نضاو، على السلطة الانتقالية، على أن يُعين نائباً له هو قائد الانقلابيين العقيد عاصمي غويتا، ويَعهد إلى الدبلوماسي المدني مختار وان برئاستها، كمرحلة انتقالية حتى إصدار دستور جديد للبلاد في أكتوبر 2021، وتنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية في فبراير 2022.

إلا أن التعايش بين المجلس العسكري، الذي تم حله شكلياً وإن بقي قائماً في الواقع، والسلطات المدنية الانتقالية ظل صعباً. ففي الوقت الذي لا يُخفي الانقلابيون حرصَهم على الهيمنة على مركز القرار وتوجيه المستقبل السياسي المالي، استندت السلطات الانتقالية المدنية أساساً على الدعم الأفريقي والدولي من أجل توطيد موقفها التنفيذي المرتكز على ورقة الشرعية الخارجية.

وقد برزت في الأشهر الأخيرة عدة مؤشرات على خروج معادلة التعايش بين الطرفين عن نطاق السيطرة، من أبرزها:

  • تحكُّم المجموعة العسكرية في القطاعات الإدارية والأمنية والعسكرية بالكامل دون أدنى تنسيق أو تشاور مع السلطات المدنية الحاكمة، بما انعكس أساساً في التعيينات في الإدارة الإقليمية والمؤسسات العمومية التي استحوذ عليها العسكريون، ما أثار امتعاض الرئيس نضاو ورئيس حكومته.
  • بروز امتعاض واسع لدى القوى السياسية والمدنية التي قادت حركة الاحتجاج ضد الرئيس السابق إبراهيم بوبكر كيتا، وهي القوى التي يجمعها "تجمع القوى الوطنية". فعلى الرغم من أن بعض قيادات التجمع اقتربت من السلطات الانتقالية وتحالفت معها، إلا أن الوجوه البارزة والمؤثرة في التجمع أعلنت مؤخراً قطيعتها الكاملة مع الحكومة القائمة، وطالبت بإقالة رئيسها وإعادة تشكيلها، كما عبّرت عن رفضها لتحكم المؤسسة العسكرية في ترتيبات المرحلة الانتخابية المقبلة. ومن أبرز زعامات المعارضة التي تبنت هذا التوجه الحازم ضد السلطات الانتقالية الوجه المركزي في تجمع القوى الوطنية والمرشح السابق للرئاسيات شوغل مايغا.
  • بروز مؤشرات على طموح قائد الانقلابيين العقيد عاصمي غويتا للترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة، على الرغم من أن ميثاق المرحلة الانتقالية يمنع ترشح القيادات العسكرية للانتخابات المقبلة. وهكذا برز بعض المبادرات الشعبية لدعم ترشيحه، ويُعتقد أن بعض القيادات الدينية ليست بعيدة من هذا الخيار، ومن بينها محمود ديكو، الإمام القوي الذي له شعبية واسعة وله ممثلون عديدون في المجلس الانتقالي.
  • عودة الاحتقان إلى الشارع المالي، خصوصاً مع إعلان الحركة النقابية القوية "الاتحاد الوطني لعمال مالي" الإضراب العام إثر إخفاق مفاوضاتها مع الحكومة. وأدى الإضراب الذي تواصل طوال الأسبوع الماضي إلى شلّ الحياة العامة في المدن المالية.

سيناريوهات الوضع السياسي في مالي

رفض معظم القوى السياسية والمدنية والنقابية الحركة الانقلابية التي أفضت إلى إقالة رئيس السلطة الانتقالية ورئيس الحكومة. كما أن المنظمات الإقليمية الأفريقية (الاتحاد الأفريقي والمجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا) دانت خطوة الانقلابيين، وطالبت بإطلاق سراح الرئيس ورئيس الحكومة، ثم سرعان ما علَّقت الإيكواس عضوية مالي في المجموعة.

وكان الرفض للانقلاب هو الموقف نفسه الذي عبّرت عنه فرنسا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وهددت باريس – بصفة خاصة - بأنها ستسحب قوّاتها من مالي في حال سار هذا البلد "باتّجاه التطرف". وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مقابلة صحفية إنّه "مرّر رسالة" إلى قادة دول غرب أفريقيا مفادها أنّه "لن يبقى إلى جانب بلدٍ لم تعُد فيه شرعيّة ديمقراطيّة، ولا عمليّة انتقال"، مُذكِّراً بأنه قال قبل ثلاث سنوات "في عددٍ من مجالس دفاع، إنه يجب علينا التفكير في الخروج".

وفي الوقت الذي رفض فيه رئيس الانقلابيين عاصمي غويتا إرجاع السلطة إلى القيادات المدنية، مع الالتزام بتسيير المرحلة الانتقالية وفق الأجندة المتفق عليها، فإن مستقبل الوضع السياسي في مالي يتحدد وفق ثلاثة سيناريوهات رئيسة:

  1. سيناريو الاحتقان والتصعيد، بفشل أي محاولة للرجوع إلى الصيغة الانتقالية السابقة، وتشبث الانقلابيين بالسلطة، لاسيما بعد إصدار المحكمة الدستورية في مالي قراراً أعلنت فيه الكولونيل عاصمي غويتا رئيساً للجمهورية وللمرحلة الانتقالية بعد إجبار الرئيس الانتقالي باه نضاو ورئيس الحكومة مختار وان على الاستقالة من منصبيهما، وبما قد يترتب على خطوات كهذه من عزلة دولية وإجراءات عقوبة ومُقاطعة، ما يُعرِّض البلاد لهزات خطيرة قد تترك أسوأ الأثر على استقرارها وأمنها، وبخاصة في ظل تزايد المخاطر الإرهابية في شمال ووسط البلاد.
  2. سيناريو الانقلاب العسكري الجديد، الذي قد يتم من خلال تدخل القيادات العليا في الجيش من الجنرالات المتنفذين بدعم خارجي، في إطار معادلة تدخل الشركاء الأفريقيين والدوليين لمالي، وبخاصة فرنسا، الذين يستشعرون خطر تردي الأوضاع الأمنية على استقرار منطقة الساحل الأفريقي بكاملها.
  3. سيناريو التسوية السياسية، من خلال رعاية حوار سياسي جديد في مالي يُفضي إلى توافقات جديدة ضمن توازنات الوضع القائم وضرورة إشراك القيادات العسكرية في أي معادلة واقعية قابلة للاستمرار.

في ضوء الظروف الحالية، يبدو السيناريو الأول هو الأقوى، وفي حال فشله تتزايد مخاطر السيناريو الثاني، في حين يسعى العديد من الدول الأفريقية إلى دفع مشروع التسوية السياسية الداخلية في مالي، حتى لو كانت احتمالاته راهناً لا تزال ضعيفة ومحدودة.

خلاصة واستنتاجات

  • أُعلن في مالي في 24 مايو 2021 عن اعتقال الجيش رئيس السلطة الانتقالية باه نضاو ورئيس الحكومة مختار وان، بعد يوم واحد من التعديل الوزاري الذي أقال ضابطَين متنفذين، وأدخل إلى الحكومة وزيرَين من تكتل المعارضة؛ ما يُمثل انقلاباً على العملية الانتقالية التي تم التوافق عليها في إثر الانقلاب العسكري في أغسطس الماضي.
  • السبب المباشر لخطوة العسكر هو تشكيل الحكومة الجديدة دون التشاور مع القيادات العسكرية، بحسب تصريحات قائد الانقلابيين عاصمي غويتا، إلا أن الأوضاع السياسية الداخلية في مالي كانت تتجه إلى كسْر التعايش بين العسكر والسلطات المدنية الانتقالية، بسبب بروز مؤشرات على رغبة المجموعة العسكرية في حيازة السلطة.
  • رفضَ معظمُ القوى السياسية والمدنية والنقابية انقلابَ العسكر على المرحلة الانتقالية، ودانت المنظمات الإقليمية الأفريقية وفرنسا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة خطوة الانقلابيين، في حين رفض رئيس الانقلابيين عاصمي غويتا إرجاع السلطة إلى القيادات المدنية مُرغِماً رئيس السلطة الانتقالية باه نضاو ورئيس الحكومة مختار وان على الاستقالة، مع تعهُّد غويتا بتسيير المرحلة الانتقالية وفق الأجندة المتفق عليها.
  • يبدو أن سيناريو الاحتقان والتصعيد في ظل تشبث الانقلابيين بالسلطة هو السيناريو الراجح، وهناك سيناريو محتمل وهو حصول انقلاب عسكري جديد من قبل قيادات عليا في الجيش وبدعم خارجي (فرنسي)، في حين تسعى المؤسسات الأفريقية إلى دفع التسوية السياسية الداخلية حتى لو كانت احتمالاتها لا تزال محدودة.

أحدث الإيجازات