جاءت زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بصحبة وفد حكومي رفيع المستوى إلى دمشق في الثامن من سبتمبر الجاري (2020)، بمثابة تأكيد جديد على توجُّه موسكو إلى تعزيز مكاسبها في سوريا وتثبيت تفوقها العسكري هناك ومحاولة إنهاء الاستعصاء الحاصل في عجلة الحل السياسي للصراع السوري، في وقتٍ يشتد الخناق الاقتصادي على نظام الرئيس بشار الأسد مع إصرار واشنطن على تغليظ عقوباتها المفروضة عليه في إطار "قانون قيصر".

دلالات التوقيت وأهداف الزيارة

ينطوي توقيت زيارة لافروف، وهي الأولى التي قام بها الوزير الروسي للعاصمة السورية منذ 2012، على عدة دلالات تُشير في مجملها إلى أن هناك اهتماماً روسياً بالغاً بملفات الشأن السوري التي جرى بحثها قبل وصول الوفد الروسي إلى دمشق، إذ جاءت الزيارة بعد جولة المفاوضات الأخيرة بين الوفدين الروسي والتركي في موسكو، والتي من المفترض أنها بحثت الكثير من تفاصيل المشهد الميداني في شمال غرب سوريا بالمقام الأول، وهو الملف الذي شغل الروس كثيراً، لا سيما في ظل محاولاتهم للسيطرة  الفعلية على طرق التجارة الدولية والوصول لاحقاً للسيطرة على معبر باب الهوى، وهو المعبر الذي ثبتته روسيا كنقطة وحيدة في مجلس الأمن الدولي لعبور المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى سوريا.

كذلك، فإن الاجتماع الروسي-التركي في الأول من سبتمبر الجاري ناقش تفاصيل المشهد السياسي، خاصة بعد انتهاء الجولة الثالثة من اللجنة الدستورية السورية المنعقدة بمدينة جنيف السويسرية نهاية شهر أغسطس الماضي، وهو الملف الذي باتت روسيا تشدد على المضي به قدماً وتتجاوب حوله بفعالية مع الجانب الأمريكي، الذي أكد خلال انعقاد الجولة الفائتة على دعمه للمسار، وفي المقابل عبّرت موسكو على لسان لافروف قبل وصوله إلى دمشق عن رضاها عن سير الجولة، واصفة إياها بالجولة الجيدة والمثمرة "إلى حد كبير". ومن المُرجَّح أن الوزير لافروف قد أبلغ الرئيس الأسد، خلال زيارته الأخيرة إلى دمشق، بضرورة التعاطي الجدي مع المسار الدستوري، تأكيداً على التزام دمشق بما تطالب به واشنطن حيال الالتزام بتطبيق مسارات العملية السياسية وفق القرار الدولي 2254.

أيضاً، جاءت هذه الزيارة كمحاولة من قبل موسكو لثني واشنطن على تأجيل حزمة عقوباتها الرابعة المقررة في إطار قانون "قيصر"؛ فرغم إعلان موسكو خلال زيارة لافروف أن توقيع العقود الاستثمارية مع الجانب السوري يأتي من أجل مواجهة هذه العقوبات التي طبقت آخر حزمها في واخر شهر أغسطس الماضي، إلا أن موسكو التي طالما أرادت مسك العصا من المنتصف لا تستطيع الابتعاد عن التفاهم مع واشنطن في ظل ضغوط العقوبات والاستعصاء الحاصل في ملف إعادة الإعمار. لذا، فإن ضغوطاً سياسية محتملة مارستها موسكو خلال الزيارة يمكن أن تتجلى عبر ثني دمشق عن ربط مصيرها بمصير طهران، والدخول الجاد في المسار السياسي ووقف التصعيد العسكري؛ فكل ذلك من شأنه أن يكون وسيلة لتهدئة واشنطن ويحفزها على إعادة النظر في سياسة العقوبات.

ومن الملاحظ أيضاً، أن زيارة لافروف جاءت بعد أيام قليلة من زيارة وفد من مجلس سوريا الديمقراطية "مسد" المنضوي تحت راية الإدارة الذاتية الكردية لشمال شرق سوريا إلى موسكو، بَحَثَ خلالها مع القيادة الروسية ملفات سياسية واقتصادية تتعلق بمشاركة الأكراد في العملية الدبلوماسية القائمة حول سوريا، ومنح موسكو حصة من الاستثمارات في نفط المنطقة الخاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية، مقابل تسهيل دخول الأخيرة في المفاوضات وفي اللجنة الدستورية وتقريب موقفها مع الجانب التركي، بالتوازي مع زيادة وتيرة التقارب مع دمشق، وهو توجُّهٌ كان مطروحاً ويستدعي سرعةً في البحث والتقرير بشأنه بالتشاور مع الأطراف المعنية، وفي مقدمتهم دمشق بطبيعة الحال.

إعادة الإعمار والحل السياسي 

تعمَّد الوفد الروسي من خلال تصريحاته في دمشق الإشارة إلى البعد الاقتصادي للزيارة، وللجهود التي تبذلها موسكو في سياق مواجهة العقوبات الاقتصادية القاسية المفروضة على النظام السوري، من أجل تمرير رسائل باتجاه واشنطن تفيد برغبتها في إنهاء مرحلة الأعمال العسكرية التي رسم خطواتها الأخيرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته إلى دمشق مطلع العام الجاري، حيث بات النفوذ الروسي في الشمال السوري حاضراً بشكل مغاير عما كان عليه في العام الفائت، سواء من خلال السيطرة على الطرق التجارية الدولية "إم 5" و "إم 4" في الشمال الغربي، أو عبر حضورها العسكري في الشمال الشرقي.

وتُدرك موسكو أن أية نتائج للانتخابات الرئاسية المقبلة في الولايات المتحدة لن تمنع استمرار عقوبات قيصر على دمشق، ما يعني أن كل الاتفاقات على عقود إعادة الإعمار الموقعة بين دمشق وموسكو لن يفتح لها باب التمويل الأمريكي-الأوروبي دون التوافق على تشخيص المعضلة الرئيسة للحل والمتمثلة بالوجود الإيراني في سوريا، لذا فإن الوفد الروسي وضع رده صراحة في صندوق رسائل واشنطن بالموافقة على الإشارات التي كان أرسلها المبعوث الأميركي إلى سوريا جيمس جيفري، حينما قال في شهر مايو الماضي بأن الولايات المتحدة لا تسعى إلى انسحاب روسيا من سوريا، على عكس الاهتمام الأمريكي بانسحاب إيران والقوات التي تحت قيادتها في المنطقة.

لذا، تبدو روسيا وكأنها تركت الباب موارباً للغرب من خلال تشديد الوزير لافروف على أن الوجود الإيراني في الأرض السورية يرتبط برغبة نظام الرئيس الأسد، مُستبعداً في رسالته الموجهة نحو واشنطن أن تكون روسيا مُتمسكة بالدور الإيراني في سوريا. وعلى العكس من ذلك، يعتقد الروس أن التقارب الاقتصادي مع النظام السوري ودعم مسارات إعادة الإعمار التي تبلغ كلفتها التقديرية 400 مليار دولار أمريكي، وخاصة من قبل القوى الدولية التي تفرض عقوبات على دمشق (تحديداً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي)، سيُسهمان في جرِّ النظام بعيداً عن إيران، وتذليل مزيد من العوائق أمام الحل السياسي للصراع السوري.

خلاصة واستنتاجات

أتت زيارة الوفد الروسي برئاسة وزير الخارجية سيرغي لافروف إلى العاصمة السورية دمشق في خضم العديد من المتغيرات الداخلية والخارجية، والتي من المرجح أنها قد تؤدي خلال الفترة المقبلة إلى إنهاء متدرج للأعمال العسكرية وتجاوز الاستعصاء السياسي القائم، عبر استكمال أعمال اللجنة الدستورية والتمهيد للانتخابات الرئاسية المقبلة في سوريا، والتي لن تؤجل على ما يبدو وفق الرؤية الروسية. وكل ذلك يأتي على ما يبدو في إطار مساعي روسية للوصول إلى مزيد من التوافقات مع كلٍّ من واشنطن وأنقرة، في مقابل إعادة ترتيب لشكل العلاقة مع إيران والتخفيف من دور دمشق في المحور الإيراني، وهو أمرٌ قد يُمهِّد السبيل أمام تطبيع الدول العربية لعلاقاتها مع دمشق والمساهمة تالياً في جهود إعادة الإعمار.

ويُظهِر الروس عزماً واضحاً على تحسين الوضع الاقتصادي في سوريا، وتحقيق مزيد من التقدم على مسار إعادة الإعمار؛ إذ إن انهيار الاقتصاد السوري سيعني خسارة كبرى لمصالحهم الحالية والمستقبلية، فضلاً عن أن إعادة سلطة دمشق على حقول النفط والغاز في الشرق السوري سيكون أمراً جيداً بالنسبة للروس، بالإضافة إلى الاستثمارات النفطية البحرية وباقي الثروات الأخرى والموارد.

وإذا نجحت جهود تثبيت وقف إطلاق النار سيكون هناك منطقة خَفْض تصعيد جديدة في شمال شرقي سوريا، غير أن هذا من الصعب أن يتحقق من دون احتواء الأكراد وإيقاف أي عمليات عسكرية تركية محتملة في تلك المنطقة، والشروع في تنفيذ مبدأ اللامركزية الذي تدعمه موسكو في مسودة دستورها الذي قدمته عام 2017، وضمان انخراط قوات "قسد" في مؤسسة الجيش النظامي السوري. إلى جانب تعزيز اتفاق موسكو الموقع بين الروس والأتراك في شهر مارس الماضي عبر إرساء الاستقرار في الشمال الغربي من سوريا.

أحدث الإيجازات