تتوجه إسرائيل نحو إجراء انتخابات مبكرة هي الرابعة خلال أقل من عامين، وذلك بعد فشل جهود حزبي الليكود و"كاحول لافان" (أزرق أبيض) في الوصول إلى تسوية بشأن ميزانية الدولة، تَحول دون أن يقوم الكنيست الإسرائيلي (البرلمان) بحلِّ نفسه. وفي الأثناء، قلب انشقاق جدعون ساعر عن الليكود الموازينَ السياسية في إسرائيل، إذ مثَّل تهديداً لوصول نتنياهو إلى الحكم مجدداً، وبخاصة بعد استقالة وزير المياه زئيف إلكين، المقرَّب من نتنياهو، وانضمامه لساعر.

الخلفية والسياق

أُعلن في إسرائيل عن التوجه إلى انتخابات مبكرة من المقرر أن تُجرى في 23 مارس 2021، على إثر فشل حزبي الليكود و"كاحول لافان" في التوصل إلى حل يمنع الكنيست الإسرائيلي من حل نفسه تلقائياً، ويضمن استمرارية الاتفاق الائتلافي بين الحزبين الموقع في مايو 2020، وتنفيذ بند التناوب فيه على رئاسة الوزراء، بتسلم بيني غانتس زعيم "كاحول لافان" رئاسة الوزراء بدلاً من نتنياهو في نوفمبر 2021.

ففي محاولة منه للضغط على الليكود، الذي كان يتهرب على الدوام من الاتفاق الائتلافي، ودفْعه للتصويت على الميزانية الإسرائيلية للعامين 2020 و2021 في الموعد النهائي في 23 ديسمبر، والمؤجل أصلاً من شهر أغسطس الماضي بحكم قانون جرى تمريره بالكنيست حينها، دعمَ "كاحول لافان" مشروعَ قانون بحجب الثقة عن حكومة نتنياهو قدمه حزبا "يش عاتيد" (يوجد مستقبل) و"ميرتس"، وجرى التصويت عليه بالقراءة التمهيدية من قبل الكنيست في 2 ديسمبر الماضي، وأيده 61 عضواً مقابل معارضة 54 عضواً، وذلك تمهيداً لطرحه خلال الشهر ذاته للتصويت بالقراءات الأولى والثانية والثالثة حتى يصبح نافذاً.

وبذلك ألقى بيني غانتس الكرة في ملعب الليكود ونتنياهو، وجعل الأمر بيدهما لمنع نفاذ قانون حل الكنيست والحكومة إذا انصاعا وقررا التصويت على الميزانية لعامين وليس لعام واحد كما أرادوا، وذلك قبل 23 ديسمبر 2020، والالتزام بالتالي باتفاق التناوب على رئاسة الحكومة الائتلافية. لكن الليكود استغل الصلاحيات الممنوحة لرئيس الكنيست المنتمي إليه، ياريف ليفين، وأفشل طرح قانون حجب الثقة للتصويت عليه بالقراءة الأولى، لأن القانون المقترح كان يتضمن مطالبين بتقليص 10% من ميزانية الأحزاب، وتأكيد شفافية الحملات الانتخابية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهذان المطلبان رفضهما الليكود لأنهما لا يخدمانه في انتخابات كان يسعى إليها، وترك الليكود الأمور تسير كما هي باتجاه أن يحل الكنيست نفسه تلقائياً بعد 23 ديسمبر بحكم عدم تمرير قانون الميزانية.

وقبل 48 ساعة من الموعد النهائي على حلّ الكنيست تلقائياً (23 ديسمبر 2020) حاول نتنياهو وغانتس التوصل إلى اتفاق في اللحظات الأخيرة بينهما، بطرح مشروع قانون يؤجل التصويت على الميزانية حتى 5 يناير 2021، أملاً بالحصول على مزيد من الوقت  للتوصل إلى حل يُخرج الائتلاف الحاكم من أزمته، ويمنع التوجه نحو انتخابات مبكرة جديدة لا يُعرف ما الذي سيتمخض عنها، إلا أن أعضاء غاضبين من أداء الحكومة من "كاحول لافان" والليكود على حد سواء، تمردوا وأفشلوا معاً تمرير قانون تأجيل التصويت على الميزانية بالقراءة التمهيدية بمعارضة 49 عضواً مقابل 47 عضواً، وبذلك انجرّ نتنياهو وغانتس معاً إلى انتخابات مبكرة في 23 مارس 2021.

وكان نتنياهو، ومنذ تشكيل الحكومة الائتلافية مع غانتس قبل ثمانية أشهر، يحاول جاهداً جر البلاد نحو انتخابات رابعة مبكرة، كانت في فترة من الفترات تصب في مصلحته، وذلك للتخلص من الاتفاق الائتلافي مع "كاحول لافان"، وعدم تمكين رئيس الوزراء البديل "بيني غانتس" من تحقيق التناوب وتسلم رئاسة الوزراء في نوفمبر 2021، في حين كان غانتس يجهد أيضاً لتجنُّب الانتخابات بعد تحطُّم شعبية حزبه حتى في صفوف مؤيديه، لأنه دخل في شراكة مع نتنياهو "الفاسد" الذي تلاعب به طوال أشهر الحكومة الائتلافية ونجح في تهميشه. وقد تقهقر "كاحول لافان" كثيراً حتى أصبحت استطلاعات الرأي تمنحه من 5 إلى 6 مقاعد فقط، بعد أن حصل في انتخابات 2 مارس 2020 على 33 مقعداً.

انشقاق ساعر يخلط أوراق اليمين الإسرائيلي

بالتوازي مع الجدل حول الانتخابات المبكرة، دخلت الساحة السياسية الإسرائيلية، خصوصاً معسكر اليمين، مُنعطفاً حرجاً مع انشقاق جدعون ساعر، الرجل الرابع في حزب الليكود، وتشكيله حزباً جديداً أطلق عليه اسم "تيكفا حدشاه" (أمل جديد)، واستقطب ساعر عدداً مهماً من الوزراء وأعضاء الكنيست، أبرزهم وزير المياه والتعليم العالي زئيف إلكين الذي يُعد كاتم أسرار نتنياهو وأحد اثنين مقربين جداً منه.

ومن المرجح أن يكون وضع نتنياهو أسوأ عندما يقف أمامه في الانتخابات جدعون ساعر، المقبول من قبل جميع كتل الكنيست، من "كاحول لافان" و"يش عاتيد"، وحتى "يميناه" المتطرف برئاسة نفتالي بينت، إذ سيظهر ساعر كسياسي لديه قدرة نادرة على عقد تحالفات، ويضمن تشكيل حكومة وحدة حقيقية نزيهة ومن دون خداع وألاعيب، على عكس نتنياهو؛ مما ينهي كابوساً سياسياً واقتصادياً وأخلاقياً سيطر على إسرائيل خلال عقد من الزمان، وهدد بهدم أسس الدولة، وجعل الشارع الإسرائيلي في حالة تظاهر مستمرة ضد السلطة والحكم.  

ووفقاً لآخر الاستطلاعات، فإن حزب ساعر الجديد سيحصل على أصوات من مختلف القوى والأحزاب في الخارطة السياسية، باستثناء "ميرتس" والأحزاب الأصولية الحريدية. وقد أعطته الاستطلاعات ما بين 17 و21 مقعداً. في حين أن الاستطلاعات أعطت حزب الليكود 25 مقعداً بعد أن أعطته الاستطلاعات السابقة 29 مقعداً، في مؤشر لاستمرار تراجع قوة الليكود في الاستطلاعات، بينما تحالف أحزاب اليمين "يميناه" تراجع وحصل على 19 مقعداً بعد أن منحته الاستطلاعات 23 مقعداً، والوضع نفسه يواجه حزب "يش عتيد" الذي تراجع وحصل على 14 مقعداً، علماً أن استطلاعات الرأي السابقة منحته 19 مقعداً.

وأثرت الانقسامات الأخيرة في القائمة العربية المشتركة، إذ سجلت تراجعاً في استطلاعات الرأي لتحصل على 11 مقعداً، في حين حافظت الأحزاب الحريدية الأصولية على قوتها بحصول "شاس" (للمتدينين الشرقيين) على 9 مقاعد، بينما حصل "يهدوت هتوراه" (للمتدينين الغربيين) على 7 مقاعد، وحزب "إسرائيل بيتنا" الروسي على 7 مقاعد، وواصل تحالف "كاحول لافان" تحطمه وحصل فقط على 6 مقاعد، أما "ميرتس" أيقونة اليسار والسلام فحصل على 5 مقاعد.

وأبرز ما أظهرته استطلاعات الرأي بعد انشقاق ساعر عن الليكود، ونيته خوض الانتخابات بحزب يميني جديد، هو كيف سيؤثر حزب ساعر "تيكفا حدشاه" في الخارطة الحزبية والسياسية، وفرص أي من المرشحين لتشكيل حكومة بعد الانتخابات. وبينت نتائج الاستطلاعات أن كتلة برئاسة نتنياهو تضم حزب الليكود والأحزاب الأصولية الحريدية ستحصل على 41 مقعداً فقط من أصل 120 مقعداً (إجمالي مقاعد الكنيست)، وستحصل هذه الكتلة على 60 مقعداً في حال انضم إليها تحالف أحزاب اليمين الأيديولوجي "يميناه". بينما كتلة بديلة لنتنياهو، بقيادة ساعر، وبمشاركة "يش عتيد"، والقائمة المشتركة، و"إسرائيل بيتنا"، و"كاحول لافان"، وميرتس ستصل إلى 60 مقعداً في الكنيست المقبل.

التوقعات

من المتوقع أن تشهد الأسابيع المقبلة، وحتى تاريخ 4 فبراير 2021 وهو آخر موعد لتقديم اللوائح الانتخابية في إسرائيل، اصطفافات وتشكيلات غير متوقعة، ومن المحتمل أن تختفي أحزاب منها ما هو عريق مثل حزب العمل اليساري الذي أسس الدولة العبرية إلا إذا اختار قيادة مناسبة، وأن تتفكك تحالفات كان لها حضور قوي في المشهد السياسي الإسرائيلي خلال العامين الماضيين مثل "كاحول لافان" (أزرق أبيض)، الذي نافس الليكود خلال الجولات الانتخابية الثلاث الماضية، والذي سيحل محله حزب جدعون ساعر الجديد "تكفا حدشاه" (أمل جديد). وسيكون نفتالي بينت زعيم "يميناه"، الذي أعلن عن خوض المنافسة على رئاسة الوزراء بديلاً لنتنياهو، هو اللاعب الرئيس وبيضة القبان في الانتخابات المقبلة، وبحسب التوقعات فإنه لن يُسقِط حكم نتنياهو سوى تحالف ساعر-بينت.

أحدث الإيجازات