كان رئيس الحكومة العراقية السابق عادل عبد المهدي قد وقّع في 22 أبريل 2020 قرارَ فك ارتباط فصائل العتبات عن هيئة الحشد الشعبي، وربْطها إدارياً وعملياتياً بالقائد العام للقوات المسلحة، أي رئيس الوزراء نفسه، وهذا القرار يجعل الصراع بين الفصائل الموالية لإيران المعروفة بـ "الولائية"، والفصائل المرتبطة بالمرجعية الدينية في النجف، يدخل مرحلةً مهمة قد تؤدي إلى تصدعات في هيئة الحشد الشعبي.

تُسلِّط هذه الورقة الضوء على خلفيات ذلك القرار، ودلالاته، وانعكاساته على مستقبل هيئة الحشد الشعبي، سيما مع توجهات الحكومة الجديدة برئاسة مصطفى الكاظمي بخصوص حصر السلاح بيد الدولة.

خلافات جوهرية بين فصائل العتبات والفصائل الولائية 

استجابةً لفتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني لمواجهة انهيار المؤسسة العسكرية أمام اجتياح تنظيم "داعش" للمحافظات السنية صيف عام 2014، شكلت العتبات الشيعية أربعة فصائل مسلحة، هي:

  1. فرقة العباس القتالية، لواء 26 حشد شعبي؛ بقيادة الشيخ ميثم الزيدي صهر السيد أحمد الصافي، المتولي الشرعي للعتبة العباسية، وثاني أبرز المتحدثين باسم المرجع الشيعي الأعلى السيستاني. ويتكون اللواء من سبعة آلاف مقاتل (عملياً هما لواءان، أحدهما مدرع)، وأربعين ألف عنصر آخرين يتوزعون بين مقاتل متطوع وعنصر دعم لوجستي.
  2. لواء علي الأكبر، لواء 11 حشد شعبي؛ ويتبع العتبة الحسينية مع ثلاثة آلاف مقاتل مسجل، وضعفهم من المتطوعين الاحتياط. وكان اللواء قد تشكل تحت قيادة قاسم مصلح، مساعد الشيخ عبد المهدي الكربلائي المتولي الشرعي للعتبة. قبل أن يحل محله اللواء الركن المتقاعد علي الحمداني، الذي عُهد إليه لاحقاً بمنصب قائد عمليات الحشد في الفرات الأوسط. 
  3. فرقة الإمام علي، لواء 2 حشد شعبي؛ التابع للعتبة العلوية، ويقوده الشيخ طاهر الخاقاني، ويتألف من سبعة آلاف مقاتل.
  4. لواء أنصار المرجعية، لواء 44 حشد شعبي؛ ويقوده وكيل السيستاني في محافظة المثنى حميد الياسري، وينحدر معظم مقاتليه الثلاثة آلاف من عشائر قضاء الرميثة.

تميزت هذه الفصائل خلال سنوات الحرب ضد "داعش" بتطبيقها الحرفي لتوجيهات المرجعية الدينية في النجف، في الخضوع لسلطة الحكومة العراقية، والْتزام سياقات العمل العسكري تحت إشراف القوات المسلحة النظامية، ومراعاة قوانين الحرب وحقوق الإنسان في التعامل مع السكان السُّنة؛ مما حوَّلها إلى عنصر نافر وسط الصورة العامة لقوات الحشد الشعبي، التي سيطرت على مقدراتها المليشيات الشيعية الموالية لإيران، والمرتبطة عقائدياً وسياسياً بالمرشد علي خامنئي، وسيّرتها بحسب الأجندة التوسعية للنظام الإيراني في المنطقة.

وكان لهذا التباين بين فصائل العتبات والفصائل الولائية انعكاسٌ واضح على طريقة تعامل نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي السابق "أبو مهدي المهندس"، القائد الفعلي للحشد، مع "فصائل العتبات" التي عانت من شح الدعم المالي والتسليح والتجهيز، وصولاً إلى التعتيم على دور مقاتليها في الحرب، وإهمال رعاية الجرحى وأُسر القتلى منهم. ورغم أنها استطاعت الصمود تحت هذه الضغوط بفضل دعم رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، الذي وجَّه وزارة الدفاع إلى تزويدها بحاجتها من الأسلحة والمعدات وبقية المستلزمات اللوجستية، إلا أن التمييز ضدها لم ينتهِ حتى بعد إقرار قانون الحشد الشعبي في نوفمبر عام 2016، الذي أقر لها بـنحو 20 ألف مقاتل موزعين على أربعة ألوية (يُعتقد أن 12 ألف منهم فقط مدرج على قوائم مرتبات الحشد، أما البقية فتتكفل العتبات بدفع مستحقاتهم)، من أصل عديد قوات الحشد الذي يبلغ 135 ألف مقاتل، ينتمي أكثر من نصفهم إلى الفصائل الولائية، التي تمتلك وحدها أكثر من 22 لواء، وهو ما دفع ميثم الزيدي قائد "فرقة العباس القتالية"، إلى الاحتجاج علانية عام 2016 ضد الظلم الذي تتعرض له الفصائل "العراقية".

كان للتباين بين فصائل العتبات والفصائل الولائية انعكاسٌ واضح على طريقة تعامل نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي السابق "أبو مهدي المهندس"، القائد الفعلي للحشد، مع "فصائل العتبات" التي عانت من شح الدعم المالي والتسليح والتجهيز، وصولاً إلى التعتيم على دور مقاتليها في الحرب

ومع إعلان النصر على "داعش" نهاية عام 2017 خفّت حدة انتقادات قادة "حشد العتبات"، انتظاراً على ما يبدو لنتائج خطط رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي لإعادة هيكلة قوات الحشد بما يحد من تفرد "الولائيين" بإدارة شؤونها، التي تبلورت بشكلها النهائي في الأمر الديواني الذي أصدره خلفه عادل عبد المهدي في يوليو 2019، ونص في خطوطه الأساسية على:

  1. دمج جميع فصائل الحشد الشعبي ضمن المؤسسة الأمنية، ووضْعها تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة، وأن يكون مسؤولاً عليها رئيس هيئة الحشد الشعبي الذي يُعينه القائد العام.
  2. التخلي عن جميع المسميات التي عملت بها فصائل الحشد في معارك التحرير، وتستبدل بتسميات عسكرية (فرقة، لواء، فوج ...إلخ)، كما يحمل أفرادها الرتب العسكرية المعمول بها في القوات المسلحة.
  3. تقطع هذه الوحدات أفراداً وتشكيلات أي ارتباط سياسي أو آمري بالتنظيمات السابقة.

لكن الإجراء الذي بدا وكأنه بداية النهاية لهيمنة الفصائل الولائية على هيئة الحشد، لم يلبث أن تحول إلى أداة لتصفية "فصائل العتبات" التي وجدت نفسها هدفاً لمحاولات تفكيك وحداتها وبعثرة مقاتليها، بالتزامن مع حملة التطهير في صفوف قوات مكافحة الإرهاب والجيش التي أطاحت بمجموعة من أبرز الجنرالات وأكثرهم شعبية، في الوقت الذي مُنحت فيه الفصائل الولائية الحقَّ في الحفاظ على استقلاليتها ووحدة تشكيلاتها وخصوصية ارتباطاتها السياسية الداخلية والخارجية، والأهم احتكارها صناعة القرار الداخلي للهيئة.

أزمة إضافية  

دفع مقتل أبو مهدي المهندس في الغارة الأمريكية في 3 يناير الماضي، الفصائلَ الولائية إلى المسارعة لإعادة تنظيم صفوفها داخل قوات الحشد، من خلال تأسيس قيادة مصغرة أكثر التزاماً عقائدياً بالمشروع الإيراني في العراق، أُطلق عليه اسم "مجلس شورى الحشد"، الذي صدرت أولى مقرراته في 21 فبراير الماضي بتعيين عبد العزيز المحمداوي "أبو فدك" (تفيد المعلومات بأنه كان الرجل الثاني في ميليشيا كتائب حزب الله في العراق)، في منصب رئيس أركان الحشد، ورفع القرار إلى رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة عادل عبد المهدي للموافقة عليه، في إجراء بدا من قبيل رفع العتب، لاسيما بعد نفي رئيس هيئة الحشد فالح الفياض علمه بوجود هذا المجلس، ناهيك عن شرعية اتخاذ هكذا قرار.

وبعد يوم من الكشف عن تعيين المحمداوي، أصدرت "فصائل العتبات" بيانَ اعتراض، سجَّل أول تمايز واضح لها عن بقية فصائل الحشد الولائية، وشددت فيه على عدم علْمها بهذا التعيين، وافتقاره إلى السياقات القانونية في ظل حكومة تصريف الأعمال. ونظراً إلى أن هذا البيان لم يكن ليصدر من دون موافقة مكتب المرجع الشيعي الأعلى، فقد دشن جولةً جديدة من الصراع العلني بين النجف وطهران حول مستقبل الحشد، لأسباب سياسية تتعلق بضرورة أن تكون العقيدة القتالية للمؤسسة في خدمة مصالح الدولة العراقية، بما يحمي البلاد من التورط في حرب غير متكافئة مع الولايات المتحدة، بالوكالة عن إيران.

وجاء هذا الصراع بعد أشهر من المواجهة المستترة خلف الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت في مطلع أكتوبر الماضي، والتي حظيت مطالبها بدعم السيستاني، وفي مقدمتها صيانة استقلال البلاد وإنهاء حالة "اللادولة" التي تحاول الفصائل الولائية تكريسها كواقع دائم خدمةً للمصالح الإيرانية.

ومنذ ذلك التاريخ، تزايدت الشكوى المقدمة من فصائل العتبات من انعدام العدالة في توزيع المخصصات المالية والمناصب والأمور اللوجستية الأخرى داخل هيئة الحشد الشعبي. ودخل المتولي الشرعي للعتبة العباسية، والمشرف العام على "فرقة العباس القتالية" السيد أحمد الصافي، على خط الأزمة، خلال لقائه قادة "فصائل العتبات" الأربعة في 16 مارس الماضي، وذلك بتأكيده عدم رضا النجف عن طريقة تسنم المناصب في هيئة الحشد الشعبي، ورفض المحسوبية والتمييز في توزيع المكتسبات، وإقراره صواب موقف هؤلاء القادة بمغادرة "فصائل العتبات" لمنظومة الحشد الشعبي، كخطوة أولى في مسار تجريد "الولائيين" من الشرعية التي استمدوها من المرجعية وفتواها بالجهاد الكفائي.

وفي اليوم التالي اجتمع قادة "فصائل العتبات الأربعة"، مع وزير الدفاع نجاح الشمري لتنسيق عملية فك الارتباط مع قوات الحشد والالتحاق بقوات الجيش، بالرغم من إبلاغه إياهم عدم امتلاك وزارته الدرجات الوظيفية ولا الصلاحيات اللازمة لقبول نقل خدمات عدد ضخم من المقاتلين، عدا عن عدم استيفاء معظمهم لشروط العمر والتحصيل الدراسي للخدمة في القوات المسلحة النظامية.

ويبدو أن هذه العوائق تم تجاوزها بالقرار الذي اتخذه رئيس الحكومة السابق عادل عبدالمهدي في 22 أبريل، والذي ينص على ربط فصائل العتبات بالقائد العام للقوات المسلحة، ما يعني أن تلك الفصائل باتت تتبع قيادة العمليات المشتركة العراقية، وضمن وزارة الدفاع العراقية تحديداً.

وقد فاجأ قرار عبد المهدي بالنزول عند رغبة "حشد المرجعية"، بالخروج من هيئة الحشد، في الوقت الذي كانت فيه جميع التوقعات تشير إلى أن الرجل الذي عُرف بمداهنته الشديدة لحلفاء إيران، سيرحّل ملف الأزمة إلى عهدة الحكومة الجديدة. ويبدو أن عبد المهدي اتخذ القرار لأسباب تتصل برغبته في تسجيل نقطة لصالحه لدى المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني، تدعم موقفه ضد أي ملاحقات من قبل الحكومة الجديدة عن دوره كقائد عام للقوات المسلحة في عمليات قتل المتظاهرين السلميين منذ الأول من أكتوبر الماضي وحتى خروجه من المنصب.

رغم الخلافات السياسية العقائدية العميقة بين طرفي الصراع "الحشدي"، إلا أن فرص التوصل إلى حل وسط لا تزال ممكنة، لاسيما في ظل المزاج التصالحي الذي عبّر عنه "الولائيون"، بالموافقة على منح حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي ثقةَ البرلمان

التوقعات المحتملة لمستقبل الأزمة داخل الحشد الشعبي

رغم الخلافات السياسية العقائدية العميقة بين طرفي الصراع "الحشدي"، إلا أن فرص التوصل إلى حل وسط لا تزال ممكنة، لاسيما في ظل المزاج التصالحي الذي عبّر عنه "الولائيون"، بالموافقة على منح حكومة رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي ثقةَ البرلمان، فضلاً عن الأزمة المالية الخانقة التي تعيشها البلاد نتيجة انهيار أسعار النفط. علاوة على ذلك، فإن تصاعد وتيرة الهجمات التي ينفذها عناصر "داعش" في الآونة الأخيرة، تشكل عاملَ ضغط لا يُستهان به على فصائل العتبات، للتخفيف من ضغوطها لإصلاح قيادة الحشد، وخاصة مع تنامي القلق الشعبي من استئناف العمليات الإرهابية ضد المدن الرئيسة، ما يفرض عدم إشغال قوات الحشد الشعبي عن مهمتها الأساسية.

من جانبها تبدو الفصائل الولائية في غاية القلق من نزوح الحشود الحزبية والعشائرية باتجاه التشكيل الجديد الذي أنشأته فصائل العتبات، بسبب سخطها من التمييز الفادح في توزيع المناصب والموارد بين وحدات الحشد بحسب قربها من المشروع الإيراني؛ مما سيؤدي إلى انشطار الحشد، وبالتالي فقدان هيئة الحشد الشرعية السياسية والشعبية، وتجريد الولائيين من القدرة على مواصلة استخدام الشرعية الدينية الممثلة في فتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها المرجع الأعلى السيستاني، والحد من قدرتها على التلاعب بميزانية الهيئة لتمويل عملياتها الخارجية ودعم المليشيات الشيعية في سوريا، الأمر الذي يمكن أن يدفعها إلى التنازل عن بعض امتيازاتها على مستوى المناصب والامتيازات.

وقد حملت زيارة رئيس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي إلى مقر هيئة الحشد الشعبي، في 16 مايو المنصرم، وبحضور ممثلي الفصائل الأربعة الخاضعة لمرجعية النجف، مؤشراً على احتمالية نزع فتيل الخلافات الداخلية، وإعادة توزيع المناصب القيادية بعدالة داخل هيئة الحشد الشعبي، وبخاصة أن زيارة الكاظمي جاءت بعد يوم واحد من تصريحات للشيخ عبد المهدي الكربلائي، ممثل المرجع الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني في كربلاء، دعا خلالها إلى "تطبيق قانون هيئة الحشد الشعبي وتفعيل هيكلية الحشد بحذافيرها".

بيد أن التوصل إلى تسوية بين فصائل العتبات والفصائل الولائية سيواجه عدة عقبات، أهمها:

  1. الصعوبة البالغة التي ستواجهها أي محاولة لتصويب توزيع المناصب داخل هيئة الحشد الشعبي، التي يسيطر الولائيون على 80 بالمئة بشكل مباشر، وعلى النسبة المتبقية بشكل غير مباشر، بما يرضي فصائل العتبات وسرايا السلام التابعة لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الذي كان الولائيون قد تعهدوا له عشية اغتيال سليماني والمهندس بمنح أتباعه مناصب مهمة داخل قيادة الحشد، سرعان ما نكثوها حين تراجع الخطر الأمريكي.
  2. المرجعيات السياسية والعقائدية المختلفة لفصائل الحشد، والتناقضات الكبيرة بينهم حول القضايا الداخلية والخارجية.
  3. العلاقة المتوترة بين رئيس أركان الحشد الجديد "أبو فدك المحمداوي"، الذي باشر مهام منصبه حتى دون انتظار موافقة القائد العام للقوات المسلحة، وبين قائد "فرقة العباس القتالية"، الشيخ ميثم الزيدي الذي تشير المعلومات إلى رغبة السيد أحمد الصافي في تعيينه في إحدى المناصب الثلاثة العليا في هيئة الحشد، الرئيس أو نائبه أو رئيس الأركان.

أحدث الإيجازات